الجزائر ترِث لبنان في “أصوات الموتى” الانتخابية

مدة القراءة 6 د

هل يقترع الأموات؟ يبدو السؤال فكاهيّاً بالنسبة لمواطن فرنسيّ أو بريطانيّ. لكنّه بالنسبة لنا نحن اللبنانيّين سؤال سخيف وتافه، لأنّ الإجابة عنه يعرفها القاصي والداني. وهو كذلك بالنسبة للجزائريّين، ولكثيرين غيرهم. إذ إنّ الانتخابات التشريعيّة الأخيرة في الجزائر لم تمرّ بسلام لأنّ “أصوات الموتى” أشعلت الطعون في “تشريعيّات” هذا البلد.

 

المسلسل السوري “باب الحارة” هو مسلسل درامي اجتماعي سوري شهير عُرض لأول مرة عام 2006، تدور أحداثه في أحد أحياء مدينة دمشق القديمة خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، وقد لاقى نجاحاً كبيراً وأنتج منه 13 جزءاً. يبدو أنّ “النمس” (الفنّان السوريّ مصطفى الخاني)، أحد نجوم المسلسل السوريّ الشهير، قد شارك أو أشرف على الانتخابات التشريعيّة التي جرت في الجزائر في 2 تمّوز.

ما سبق ليس خبراً كاذباً ولا معلومة مضلّلة. لا حاجة إلى التحقّق منه. يكفي أن يستمع المرء إلى ما قاله رئيس حزب “حركة البناء الوطنيّ” عبدالقادر بن قرينة، في مؤتمر صحافيّ عقده بالتزامن مع إعلان رئيس “سلطة الانتخابات” بالنيابة في الجزائر، كريم خلفان، عن نتائج الانتخابات التشريعيّة الجزائريّة الأخيرة، حتّى يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

أعلن بن قرينة في مؤتمره تقديم طعن رسميّ في نتائج انتخابات 10 ولايات كاملة في الجزائر، مطالباً رسميّاً بفتح تحقيق في مشاركة ما بين 2,100 و2,200 صوت لمتوفَّين، فكان أن حُرم حزبه من مقعد نيابيّ، حسب ما أفاد.

تبدأ الطعون في بلديّة “عزيل عبد القادر” في ولاية بريكة (شرق العاصمة)، حيث سُجّل اقتراع 25 متوفّى في ثلاثة مراكز للاقتراع، ولا تنتهي في العاصمة الجزائر حيث كان الوضع “أسوأ بكثير” حسب قوله.

نحن في بلاد يحكمها الأموات من أقصى المشرق العربيّ إلى أقصى المغرب العربيّ. أبطالنا جاهليّون وإسلاميّون وأمويّون وعبّاسيّون وفاطميّون وأغالبة وأدارسة ورستميّون وزيريّون وحماديّون وزيانيّون

من “باب الحارة” إلى الجزائر

يشبه ما أعلنه بن قرينة حدّ التطابق ما أعلنه “أبو جودت” (الفنّان السوريّ الراحل زهير رمضان) بُعيد انتهاء العمليّة الانتخابيّة التي شارك فيها “النمس” ترشّحاً، مدعوماً من “أبي بدر” (الفنّان السوريّ محمّد خير الجرّاح) وقد صار ثريّاً. فقد كشف أبو جودت أنّ أموات الحارة اقترعوا للنمس حاسمين المعركة له، ففقد مقعده النيابيّ المنشود وعاد إلى صفوف المواطنين بعدما أمّل نفسه بالزعامة والوجاهة.

العمليّة الانتخابيّة في “باب الحارة” التي شارك فيها “النمس”، وإن كانت فكاهيّةً ومضحكةً شكلاً، فمضمونها مبكٍ ومحزن بل مأساويّ. وهي بالمناسبة لا تختلف عن كثير من العمليّات الانتخابيّة في بلادنا العربيّة، وفي مقدَّمها لبنان تاريخيّاً، وصولاً إلى الجزائر، من المونة على الناخب مروراً بشراء صوته وصولاً إلى اقتراع الأموات.

أبدال عن أبطال

نعم، الأموات يقترعون في بلادنا. ولمَ لا؟ نحن بلاد يحكمها الأموات: أبطالنا أموات، أمجادنا أموات، حاضرنا موت وأموات، ومستقبلنا كذلك. نمضي على خطى غابرين أموات. نحلم بتحقيق أحلامهم وطموحاتهم، وإن حلموا بها وطمحوا إليها قبل قرون!

في لبنان، أبطالنا التاريخيّون أو للدقّة أبطال الطوائف اللبنانيّة التاريخيّون، أموات كلّهم من الشيخ بشير الجميّل إلى السيّد حسن نصرالله، ومن المعلّم كمال جنبلاط إلى الرئيسين رياض الصلح ورفيق الحريري. شهداء لئلّا يعترض أحد. أبطال الطوائف الأحياء أبدال عن أبطال. شرعيّتهم أنّهم على خطى سابقيهم الأموات، وعلى نهجهم. على هذا يحاسبهم الناخبون، إن حاسبوهم. ولهذا يساهم معاصرو أسلافهم في الاقتراع لهم.

هكذا يخرجون كلّ أربع سنوات من قبورهم، أو ينزلون من عليائهم، لينتخبوا حامل الراية ووارثها. يعودون إلى الحياة كلّ أربع سنوات، ويعيدوننا نحن الأحياء إلى الموت الذي لا يفارق حياتنا السياسيّة.

أن يقترع ميت في الانتخابات في لبنان أمر أكثر من عاديّ. بل هو عادة درجنا عليها نحن اللبنانيّين منذ الاستقلال. منذ الاستقلال؟ لم أعثر على ما يفيد باقتراع الأموات زمن الانتداب الفرنسيّ، وإن كنت لا أستبعده، فالجزائر التي شاركتنا في الخضوع للانتداب أو الاحتلال الفرنسيّ، يقترع فيها الأموات أيضاً، وقد يكون الثلم الأعوج من الثور الكبير.

المليون شهيد ناخبون    

في الجزائر لا يختلف الوضع كثيراً عن لبنان. الجزائر بلد المليون شهيد. بهذا تفتخر ونفخر. ولكنّ المليون شهيد هؤلاء ليسوا أحياء عند ربّهم يرزقون فحسب. بل هم أيضاً أحياء بين الجزائريّين يسيّرون حياتهم السياسيّة ويملون عليهم تموضعهم السياسيّ والثقافي إلى اليوم. صعب الخروج منهم ومن تاريخهم وممّا عانوه وممّا بذلوا أعمارهم وحياتهم في سبيله. ليس صعباً فحسب، بل خيانة.

لذا ما الضير من أن ينتخبوا اليوم ورثتهم أو الماضين على نهجهم والمحافظين على إرثهم؟ لماذا استحضار الأموات للتفاخر واستدعاء الأمجاد القديمة مسموحان واستدعاؤهم للاقتراع ممنوع؟ هل يستطيع نائب منتخَب في الجزائر أن ينتقد المليون شهيد أو ثورتهم أو السلطات التي انبثقت منهم إلى اليوم من دون أن يُتّهم ويُعزل ويقاطَع ويهاجَم؟ حتماً لا.

ثمّ ماذا يمثّل 2,100 أو 2,200 متوفّى نسبةً إلى مليون شهيد؟ ماذا يقدّمون إن فاز نائب وخسر آخر؟

 إقرأ أيضاً: وردة روزينا لاذقاني: “فداء حماه” في حديقة مجلس  الشعب

بلاد يحكمها أمواتها

نحن في بلاد يحكمها الأموات من أقصى المشرق العربيّ إلى أقصى المغرب العربيّ. أبطالنا جاهليّون وإسلاميّون وأمويّون وعبّاسيّون وفاطميّون وأغالبة وأدارسة ورستميّون وزيريّون وحماديّون وزيانيّون… ومناضلون ضدّ الاستعمار قبل عشرات السنين… عصورنا المثلى هي الأبعد عنّا زمنيّاً. ما نرجوه في مستقبلنا هو أن يعود ماضينا إلينا فيه. نحن شعوب تحلم بأن يعود ماضيها السحيق إليها في المستقبل القريب.

ما دامت الأمور في بلادنا على هذا النحو، فما المستغرب في أن يقترع أمواتنا؟ نحن أصلاً نعيش معهم. عمليّاً نحن سلّمناهم حاضرنا ومستقبلنا. إن عشنا فلكي نحقّق ما كانوا يدعون إليه. وإن غادرنا الحياة يوماً، فلنذهب إليهم ونلتقي بهم بعد طول غياب وغالباً بعد أكثر من انتخابات. ووصايانا لمن يخلفنا أو يرثنا غالباً أن يمضي على نهجهم.

فليقترعوا. لن يصوّتوا لغير من يصوّت لهم الأحياء الماضون على نهجهم والمتمسّكون بسيرهم. ولن ينجح في النهاية إلّا وريث من كانوا يصوّتون له، وحامل رايته و”مبادئه”. فليقترعوا، فالمرشّحون في بلادنا في غالبيّتهم الغالبة على خطى “النمس”. وليقترعوا، فالانتخابات في بلادنا أيضاً يشرف عليها “أبو جودت”.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

تركيا تدرّب قوّات حفتر.. ما الذي تغيّر؟

لم يكن تفصيلاً أمنيّاً عابراً البيان الذي نشرته وزارة الدفاع التركيّة في 5 من تمّوز الجاري عن تدريب قوّات ليبيّة من الشرق بقيادة خليفة حفتر….

أميركا ـ لبنان: دروس الماضي القريب

يزور الرئيس جوزف عون واشنطن بدعوة رسميّة في 21 تمّوز. قبل أسبوع منها، تكون انعقدت جولة جديدة هي السادسة من المفاوضات اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، لكنّ…

ترامب والشرق الأوسط: الإرتباك الاستراتيجي

راهن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن يكون احتفال الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية احتفالاً إمبراطورياً يليق بـ”أعظم أمّة وجدت على وجه الأرض”،…

عون قبل واشنطن: عقله في بعبدا وقلبه في اليرزة

لا يقدّم رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون اتّفاق الإطار مع إسرائيل على أنّه انتصار سياسيّ أو إنجاز تاريخيّ، بل يحرص على طرح سؤال واحد بدا…