إيران – أميركا: النووي أولاً ولبنان أخيراً

مدة القراءة 6 د

خلافاً لسواها من الدول الإقليمية الطامحة للتمدد خارج حدودها، لم تكتفِ إيران بالنفوذ الإقليمي بل تجاوزته إلى ما هو أبعد، إلى أميركا وخارج المحيط الاقليمي المباشر.

 

سبق أن حاول الرئيس العراقي صدام حسين تطوير قدرات نووية بالتعاون مع فرنسا، إلّا أنّه توقف بعد أن ضربت إسرائيل المنشآت النووية عام 1981. لكن بعد الحرب العراقية- الإيرانية، ذهب صدام بعيداً عندما اجتاح الكويت وألغى الدولة وضمّها محافظةً إلى العراق. هذه المرّة تجاوز الرئيس العراقي الخطوط الحمراء فجاء الرد العسكري حاسماً. ثم جاءت اعتداءات 11 ايلول وحرب افغانستان لتفتح الباب أمام الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003 استناداً إلى اتهامات ملفقة.

كذلك كان للرئيس الليبي معمر القذافي طموحات نووية، إلّا أنّه توقف بعد الاستهداف العسكري الأميركي. ثم ذهب بعيداً عندما أسقط طائرة مدنية أميركية فبات محاصراً ومنبوذاً. إلى ذلك، كانت محاولات نووية في سوريا الأسد، سرعان ما توقفت ليحل مكانها السلاح الكيمائي.

بدورها، سعت إيران الشاه إلى تطوير قدرات نووية لكن ضمن ضوابط التحالف مع المعسكر الغربي. أمّا في إيران الإسلامية فجاء الطموح النووي بضوابط ملتبسة زمن حكم المرشد خامنئي وليس في عهد الإمام الخميني عندما كانت إيران تخوض حرباً ضارية مع العراق.

النووي بين الردع والتوسع الإقليمي

في الماضي الأبعد، زمن الحرب الباردة في المنطقة والتيار الناصري الجارف، لم يتجاوز الرئيس المصري جمال عبد الناصر عتبة الوسائل التقليدية لبسط النفوذ الاقليمي. بدورها إسرائيل، التي طوّرت قدرات نووية في الخمسينيات بدعم فرنسي، فهي لا تزال تنفي، أقله رسمياً، امتلاكها السلاح النووي. في المقابل، على رغم اصرار إيران الإسلامية أّنّ القدرات النووية غايتها الاستخدام المدني، إلّا أنّها لا تلتزم بالرقابة المطلوبة من الجهات الدولية المعنية، لا سيما أنّ نسب التخصيب بلغت مستويات عالية.

 لم تكتفِ إيران بالنفوذ الإقليمي بل تجاوزته إلى ما هو أبعد، إلى أميركا وخارج المحيط الاقليمي المباشر

أمّا الدول الأخرى، خارج دائرة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، فقدراتها النووية تحت الرقابة، وتحديداً الهند وباكستان، حيث الانضباط قائم والغاية المعلنة إقامة توازن رعب بين الدولتين وليس التوسّع الإقليمي. حالة وحيدة حالياً خارج اي التزام: كوريا الشمالية المدعومة من الصين، وهي تواجه كوريا الجنوبية المحصّنة نووياً بدعم أميركي.

الأوضاع الدولية الراهنة تختلف عن تلك التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية أو نهاية الحرب الباردة، وهي بالتالي تخضع لمعايير صارمة. الدول الكبرى، وإن اختلفت فيما بينها، فإنّها لا تحبّذ التوسّع النووي غير المضبوط. لإيران بالذات خصوصية تتجاوز نزاعات المنطقة لتصل إلى نظامها السياسي المبني على عقيدة دينية. وفي حال امتلكت إيران قدرات نووية فستفتح شهية دول الجوار، ومن بينها مصر وتركيا والسعودية، إلى سلوك طريق النووي. في المقابل، في مناطق أخرى من العالم، طوّرت ألمانيا واليابان قدرات نووية لأغراض سلمية وفق الضوابط المتبعة.

واشنطن وتل أبيب … تقاطع المصالح واختلاف الأهداف

أما في الشرق الأوسط، فللمنطقة خصوصية، أبرزها النزاع العربي- الإسرائيلي، وإسرائيل التوسعية التي تسعى إلى تقويض النظام في إيران، فيما هدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغيير سلوك هذا النظام. والعداء بين إسرائيل وإيران يتجاوز السلاح النووي، إلّا أنّ المصالح التقت بين واشنطن وتل أبيب تجاه إيران، وساهم الموقف الإيراني المتشدد بمسألة النووي إلى تمتين العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، وصولاً إلى الحرب المشتركة ضد إيران.

 سعت إيران الشاه إلى تطوير قدرات نووية لكن ضمن ضوابط التحالف مع المعسكر الغربي

في المعادلات العسكرية، تمّ تدمير قدرات إيران العسكرية على غير مستوى، إلى أن برزت معضلة مضيق هرمز التي يوليها ترامب اهتماماً شديداً نظراً إلى تأثيرها على الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الطاقة في أميركا. إلّا أنّ السلاح النووي يبقى هاجس ترامب الأول، متجاوزاً بذلك مواقف أسلافه المتشددين من الرئيس رونالد ريغان إلى الرئيس جورج بوش. ولم يخفِ ترامب في ولايته الأولى غايته منذ اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ولم تتراجع إيران عن موقفها.

المذكرة مدخل لنزاع متجدد

هكذا تبدو مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وبين إيران مدخلاً لنزاعات متجددة، بدليل الخروقات الحاصلة، ولكن لا تريدها دول المنطقة، لا سيما دول الخليج، فيما إسرائيل جاهزة لاقتناص الفرص، وكذلك إيران لكن لأهداف مغايرة. وفي هذا السياق، يظهر الفارق الضاغط بين واشنطن وطهران في مقاربة الازمة. ففي الولايات المتحدة انتخابات نصفية بعد بضعة أشهر غير مضمونة النتائج، بينما إيران تحت قبضة الحرس الثوري. المرشد الأعلى في إيران معصوم، فيما “المرشد الاعلى” في الولايات المتحدة تتم مساءلته بوسيلة الانتخاب كل عامين أو أربعة.

في ظل هذه التعقيدات تبقى المواجهة قائمة بين إيران وإسرائيل إن على أرض الدولتين أو في لبنان. ما اتفقت عليه الولايات المتحدة وإيران في مذكرة التفاهم لا يلزم بالضرورة إسرائيل في الحرب المفتوحة مع “الحزب” الذي بات امتداداً للحرس الثوري.

فصل وربط في آن بين جبهتي لبنان وإيران. وقف اطلاق النار في مذكرة التفاهم بلا آلية قابلة للتنفيذ في الميدان وصفة أكيدة للغموض والالتباس

فصل وربط في آن بين جبهتي لبنان وإيران. وقف اطلاق النار في مذكرة التفاهم بلا آلية قابلة للتنفيذ في الميدان وصفة أكيدة للغموض والالتباس. أما المضامين العملية فسرعان ما تبلورت في مسار التفاوض الأخير بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مباشرة.

هكذا بات الربط مع لبنان في مذكرة التفاهم مادة إضافية في “الكباش” بين واشنطن وطهران والذي يمتد إلى مسألة أخرى: السلاح النووي الذي يعارضه ترامب ونتنياهو. إلى ذلك، ثمة ربط آخر غير معلن يجمع ما بين مصالح إيران وإسرائيل بمواجهة الولايات المتحدة لأسباب مختلفة، في لبنان وفي مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران.

الأيام الستون المقبلة حافلة بالمفاجآت والمطبات، من مضيق هرمز إلى السلاح النووي. في حسابات إسرائيل ما بعد “طوفان الاقصى” تأتي “إسرائيل أولاً” على جبهة لبنان، فيما تأتي “أميركا أولاً” تجاه إيران والمنطقة. وهناك مذكرة تفاهم مسوّرة بالألغام: الاعتبار الأول للميدان والضحية المتاحة لبنان.

مواضيع ذات صلة

عون قبل واشنطن: عقله في بعبدا وقلبه في اليرزة

لا يقدّم رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون اتّفاق الإطار مع إسرائيل على أنّه انتصار سياسيّ أو إنجاز تاريخيّ، بل يحرص على طرح سؤال واحد بدا…

نتنياهو يُحبط “التّجريبيّة”… وعراقجي يعترض رفعاً للعتب

تسبق موعد اجتماع الرئيس اللبنانيّ جوزف عون مع دونالد ترامب في 21 حزيران، محطّة تنفيذ المرحلة الأولى من خطّة تطبيق المناطق النموذجيّة بانسحاب إسرائيل وتولّي…

ترامب بين نتنياهو وإردوغان: معادلة الصفقات؟

ليست المشكلة في السياسة الدوليّة أن يكون لديك خصمان. المشكلة الأصعب أن يكون لديك حليفان لا يطيق بعضهما بعضاً.   هذه هي المعضلة الأميركيّة اليوم….

أيّ سلام… لأيّ شرق أوسط؟

أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب سقوط مذكّرة التفاهم مع إيران في إحاطة متلفزة بدت أشبه بتمزيقه اتّفاقيّة العمل الشاملة في 2018، إثر استهداف إيران ثلاث…