أميركا عند الـ250: الجمهوريّة التي تجادل نفسها

مدة القراءة 8 د

قبل مئتين وخمسين عاماً، وقّع ستّة وخمسون رجلاً وثيقة لم تكن إعلان استقلال فقط، بل إعلان ثقة بفكرة جريئة، وهي أنّ شعباً يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه. كانوا يدركون أنّهم قد يخسرون الحرب، وربّما حياتهم، لكنّهم راهنوا على أنّ الجمهوريّة لا تُبنى على الاتّفاق الدائم، بل على القدرة على إدارة الاختلاف داخل القانون.

بعد قرنين ونصف، لا تبدو الولايات المتّحدة في حالة احتفال بقدر ما تبدو في حالة جدال: جدال مع نفسها، وحول نفسها، وحول معنى تلك الفكرة التي وُلدت عام 1776. وهذا الجدال، أكثر من أيّ شيء آخر، هو القصّة الحقيقيّة للذكرى الـ250 للجمهوريّة الأميركيّة.

 

يحبّ كلّ عصر أن يعتقد أنّ أزمته غير مسبوقة. وأزمة أميركا ليست استثناءً. فهذا بلد نجا من حرب أهليّة كادت تمزّقه، ومن اغتيال رؤساء، ومن الكساد الكبير (سنة 1929)، ومن الستّينيّات والسبعينيّات التي شهدت اضطرابات اجتماعيّة واحتجاجات عنيفة، واستقالة رئيس بعد فضيحة، وهزيمة عسكريّة في فيتنام نُقلت مباشرة إلى شاشات التلفزيون.

مرحلة استعادة عظمة الولايات المتّحدة

لكنّ ما يختلف في عام 2026 ليس وجود انقسام، بل طبيعته. فمعظم الأزمات السابقة انتهت بانتصار طرف سياسيّ على آخر داخل قواعد اللعبة الدستوريّة. أمّا اليوم فالخلاف يمتدّ إلى قواعد اللعبة نفسها. لم يعد النزاع يدور فقط حول السياسات، بل حول المؤسّسات التي تحكمها، والحدود التي تضبطها، والمرجعيّات التي تمنحها الشرعيّة.

الولاية الرئاسيّة الثانية للرئيس دونالد ترامب، التي وصفها بأنّها مرحلة “استعادة” لعظمة أميركا، هي في جانب كبير منها عَرَضٌ للحالة  التي تمرّ بها راهناً الولايات المتّحدة، أكثر ممّا هي سبب لها. فلا تحتاج أمّة إلى أن يُقال لها إنّها ستعود “عظيمة من جديد” إلّا إذا كانت كتلة وازنة من مواطنيها قد اقتنعت بأنّ شيئاً ما قد ضاع.

ما يدعو إلى التعامل مع اللحظة الحاليّة بجدّيّة أكبر هو أنّ معظم الأزمات السابقة كانت أزمات أداء: حرب أو ركود اقتصاديّ أو فضيحة سياسيّة

لكنّ الأدقّ هو النظر إلى ترامب بوصفه عامل تأجيج لحرائق كانت مشتعلة أصلاً، لا مَن أشعلها. فلو أخرجنا شخصه تماماً من المشهد، لما اختفت الشقوق التي تعانيها البلاد. وأيّ رئيس آخر، من أيّ من الحزبين، سيجد نفسه مضطرّاً إلى التعامل معها.

ثلاثة شقوق… لا شقّ واحد

تعاني الولايات المتّحدة مرحليّاً من ثلاثة تشقّقات:

ـ الشقّ الأوّل هو الثقة بالمؤسّسات. فالثقة بالكونغرس، والمحاكم، ووسائل الإعلام، وحتّى بالعمليّة الانتخابيّة نفسها، تتراجع منذ أكثر من عقدين، لا منذ عامين فقط. والأسوأ أنّ كلّ فريق بات ينظر إلى سيطرة خصمه على أيّ مؤسّسة، من البيت الأبيض إلى مجلس تشريعيّ في ولاية، وصولاً إلى مجلس إدارة مدرسة، باعتبارها أمراً يفتقر إلى الشرعيّة لا نتيجة سياسيّة قابلة للتغيير. وهذا أخطر من أيّ خلاف حزبيّ لأنّه يهزّ الافتراض الأساسيّ الذي تقوم عليه الديمقراطيّة: خسارة الانتخابات مؤلمة، لكنّها ليست نهاية النظام.

ـ الشقّ الثاني هو الجغرافيا الاقتصاديّة. فالخلاف لم يعد بين ولايات ديمقراطيّة وأخرى جمهوريّة فحسب، بل بين أميركا الساحليّة المنخرطة في الاقتصاد العالميّ، وبين أميركا الداخليّة التي ترى أنّ العولمة لم تحقّق لها ما وُعدت به. ولم يعد الجدل يدور حول نسبة الضرائب أو حجم الإنفاق الحكوميّ فقط، بل حول طبيعة النموذج الاقتصاديّ الأميركيّ نفسه. فهل تبقى الولايات المتّحدة اقتصاداً مفتوحاً تقوده الأسواق والابتكار، أم تعود إلى حماية الصناعة الوطنيّة حتّى لو جاء ذلك على حساب الكفاءة الاقتصاديّة؟

أميركا

من هنا يمكن فهم التعريفات الجمركيّة، السياسة الصناعيّة،  والتشدّد في إجراءات الهجرة، باعتبارها محاولات للإجابة عن سؤال ظلّ الحزبان يؤجّلانه لعقود: ماذا يحدث عندما تشعر مناطق كاملة بأنّ الاقتصاد لم يعد يعمل من أجلها؟

يحبّ كلّ عصر أن يعتقد أنّ أزمته غير مسبوقة. وأزمة أميركا ليست استثناءً

ـ أمّا الشقّ الثالث فهو السرديّة الوطنيّة. لم يعد الأميركيّون يختلفون على تفسير الحدث، بل باتوا يختلفون على الحدث نفسه. ولم تعد المشكلة أنّ لكلّ طرف رأياً مختلفاً، بل أنّ لكلّ طرف مجموعة مختلفة من الوقائع التي يبني عليها رأيه. وعندما تختفي البيئة المعلوماتيّة المشتركة، يصبح من الصعب على الديمقراطيّة أن تقوم بوظيفتها الطبيعيّة في تصحيح أخطائها، لأنّ الانتخابات لا تعود حكماً مشتركاً بين روايتين، بل تتحوّل إلى إحصاء لحجم كلّ معسكر.

ربّما يكون هذا أخطر الانقسامات الثلاثة، لأنّ أيّ نظام ديمقراطيّ يحتاج إلى حدّ أدنى من الواقع المشترك قبل أن يستطيع المختلفون الاتّفاق على كيفيّة إدارته.

أزمة ثقة أكثر منها أزمة بقاء

ليس جديداً التنبّؤ بانحدار أميركا. فقد قيل ذلك بعد الكساد الكبير، بعد حرب فيتنام، خلال أزمة التضخّم في السبعينيّات، وبعد الأزمة الماليّة عام 2008. وفي كلّ مرّة كانت الولايات المتّحدة تعود لتفاجئ العالم بقدرتها على إعادة إنتاج نفسها.

لا تزال عناصر القوّة الأميركيّة عميقة وحقيقيّة. فهي ما تزال تستقطب العقول من أنحاء العالم، وتقود الابتكار العلميّ والتكنولوجيّ، وتملك أقوى منظومة جامعيّة وبحثيّة، وأكبر اقتصاد في العالم، فيما يحتفظ الدولار بمكانته كعملة الاحتياط الأولى، وتبقى وفرة الطاقة عاملاً استراتيجيّاً يصعب تجاهله.

لكنّ ما يدعو إلى التعامل مع اللحظة الحاليّة بجدّيّة أكبر هو أنّ معظم الأزمات السابقة كانت أزمات أداء: حرب أو ركود اقتصاديّ أو فضيحة سياسيّة. أمّا اليوم فما يوضع على المحكّ هو نظام التشغيل نفسه: استقلال القضاء، حياد الإدارة العامّة، حدود السلطة التنفيذيّة، ونهائيّة نتائج الانتخابات.

حين تصبح قواعد التحكيم نفسها موضوع خلاف، تفقد الديمقراطيّة بعضاً من قدرتها التقليديّة على تصحيح ذاتها، لأنّ المتخاصمين لا يختلفون على النتيجة فقط، بل على الحكم الذي أعلنها.

قبل مئتين وخمسين عاماً، وقّع ستّة وخمسون رجلاً وثيقة لم تكن إعلان استقلال فقط، بل إعلان ثقة بفكرة جريئة، وهي أنّ شعباً يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه

وسط كلّ هذا الجدل، سيكون من الخطأ تجاهل عناصر التماسك التي ما تزال تمنح الولايات المتّحدة قدرتها على الصمود. فالاقتصاد الأميركيّ لا يزال الأكثر قدرة على الابتكار، وجامعاته ما تزال قبلة الباحثين والعقول، والنظام الفيدراليّ لا يزال يسمح للولايات بالتجريب والتنافس والانتقال السلميّ للسلطة، كلّ هذا لا يزال قائماً على الرغم من كلّ التوتّر.

ربّما لهذا تبدو الأزمة الأميركيّة، حتّى الآن، أزمة ثقة أكثر منها أزمة بقاء. فالولايات المتّحدة لم تفقد مؤسّساتها، لكنّها فقدت جزءاً من الثقة بها. ولم تفقد قدرتها على إنتاج القوّة، لكنّها تواجه صعوبة متزايدة في إنتاج الإجماع.

من المغري، في الذكرى المئتين والخمسين، أن نسأل ما إذا كانت أميركا في صعود أو هبوط، وكأنّ مستقبل الأمم يُختزل في مؤشّر اقتصاديّ أو ميزان عسكريّ أو استطلاع رأي. لكنّ السؤال الأكثر أهميّة هو سؤال آخر: ألا يزال الأميركيّون يؤمنون بأنّ هذا الجدال يستحقّ أن يُخاض من داخل النظام، لا ضدّه؟

الولاية الرئاسيّة الثانية للرئيس دونالد ترامب، التي وصفها بأنّها مرحلة “استعادة” لعظمة أميركا، هي في جانب كبير منها عَرَضٌ للحالة  التي تمرّ بها راهناً الولايات المتّحدة

أعاد كلّ جيل أميركيّ التفاوض على معنى عبارة “نحن الشعب”، وبعض تلك المفاوضات كان دمويّاً ومؤلماً. وما حفظ نظام الجمهوريّة في الولايات المتّحدة طوال قرنين ونصف لم يكن غياب الخلاف، بل الإيمان بأنّ الخلاف نفسه يمكن أن يكون وسيلة لبناء الدولة لا لهدمها.

لم يخلق ترامب هذا الشرخ، وخليفته، أيّاً يكن، لن يلغيه بقرار. فالانقسام أعمق من رئيس، وأقدم من إدارة، وأعقد من انتخابات.

إقرأ أيضاً: لبنان بين مسارين أميركيَّين متناقضين

قبل مئتين وخمسين عاماً، راهن مؤسّسو الجمهوريّة على فكرة أنّ البشر قادرون على حكم أنفسهم عبر المؤسّسات والقانون، لا عبر القوّة وحدها. ولا يبدو السؤال الحقيقيّ اليوم ما إذا كانت الولايات المتّحدة لا تزال أقوى دولة في العالم، بل ما إذا كانت لا تزال تؤمن بالفكرة التي قامت عليها منذ البداية، وهي أنّ الاختلاف ليس نقيض الجمهوريّة، بل أحد شروط بقائها، وأنّ الوطن لا يُقاس بقدرته على الانتصار في كلّ جدال، بل بقدرته على أن يخسر جدالاً، ثمّ يعود الجميع إلى الطاولة نفسها ليبدأوا الجولة التالية.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

لماذا تفتح دمشق أبواب الحوار مع “الحزب”؟

في أقلّ من شهر واحد، صارت لغة دمشق عن لبنان و”الحزب” مختلفة، وتبدو جزءاً من تحوّلات تنتمي إلى تموضع إقليميّ جماعيّ ما يزال يُصدّر واجهاته….

تفجيرات دمشق رداً على مشهديّة طرابلس؟

رفعوه على الأكتاف في مشهد مهيب، وهذه واقعة لا يُخطئ مضامينها الفتّاكة من يعرف المدينة ويعرف تاريخها ويعرف أهلها. فطرابلس هي النبض، وهي الحرارة، وهي…

لبنان بين مسارين أميركيَّين متناقضين

من النادر أن تبدو السياسة الأميركيّة وكأنّها تتحدّث بلغتين. لكنّ هذا هو الانطباع الذي يتركه الملفّ اللبنانيّ اليوم. ففي غضون أسابيع قليلة، ظهرت وثيقتان رعتهما…

اتّفاق الإطار في سياقه المنطقيّ

نجحت تجربتان سلميّتان في الاستمرار عبر إنهاء حالة الحرب وتوقيع معاهدات سلام، وهما المصرية والأردنيّة. وبينهما برزت تجربتان أخريان: اللبنانيّة القديمة التي ولدت ميتةً في…