المنطقة معلّقة: بين الرباعي الإسلامي والثنائي الإيراني–الإسرائيلي

مدة القراءة 8 د

عادةً، عندما تنتهي الحروب الكبرى، يصبح المشهد أوضح. نعرف من ربح ومن خسر. نعرف ما الذي تغيّر. ونعرف، ولو بالحدّ الأدنى، إلى أين تتّجه الأمور. أمّا الحرب الأميركيّة ـ الإيرانيّة الأخيرة فقد أدّت إلى النتيجة المعاكسة تماماً. توقّفت الصواريخ، لكنّ الأسئلة تضاعفت.

 

أُعلن وقف الحرب، لكن لا أحد يعرف إذا كانت انتهت فعلاً أم دخلت فقط في استراحة مؤقّتة. يتحدّث الجميع عن السلام، فيما يستعدّ الجميع لاحتمالات أخرى. والأخطر أنّ كلّ طرف يقرأ مذكّرة التفاهم بطريقة مختلفة، وكأنّنا أمام اتّفاقات متعدّدة لا اتّفاق واحد.

تعتبرها واشنطن بداية نظام إقليميّ جديد. تبيعها طهران لشعبها على أنّها إثبات لصمود النظام. تتعامل معها إسرائيل كمرحلة مؤقّتة لا نهاية للصراع. وتنظر إليها دول المنطقة بقلق متزايد خشية أن تكون مقدّمة لترتيب جديد يُرسم فوق رؤوسها لا بمشاركتها.

لهذا السبب قد لا تكون أهمّ نتيجة للحرب أنّها انتهت بل فتحت باباً واسعاً من الغموض الاستراتيجيّ لم تعرفه المنطقة منذ عقود. وربّما اختيار قصر فرساي لتوقيع مذكّرة التفاهم لم يكن تفصيلاً بروتوكوليّاً وحسب، ففي ذلك القصر بالذات اعتادت القوى الكبرى إعلان نهاية الحروب ورسم خرائط المستقبل.

لكنّ التاريخ يعلّمنا أيضاً أنّ الاتفاقات التي تُوقّع في القصور ليست دائماً الاتّفاقات التي تصمد على الأرض. فكم من تسوية بدت نهائيّة في لحظة توقيعها، ثمّ تحوّلت لاحقاً إلى هدنة بين حربين. وهذا تحديداً ما يجعل الحكم على مذكّرة فرساي سابقاً لأوانه. فهي لا تبدو اتّفاقاً نهائيّاً بقدر ما تبدو إعلاناً لبداية مرحلة انتقاليّة لا أحد يعرف شكل نهايتها.

اتّفاق حقّق كلّ شيء… إلّا الوضوح

بالعودة إلى الأسباب التي قادت إلى الحرب، سيتبيّن أنّ الأهداف المعلنة كانت واضحة: إنهاء البرنامج النوويّ الإيرانيّ، منع طهران من امتلاك قدرة نوويّة عسكريّة، وربّما، وفق بعض الأصوات في إسرائيل، إسقاط النظام نفسه.

يقول الإيرانيّون إنّ النظام صمد. يقول الأميركيّون إنّهم دمّروا القدرات العسكريّة والنوويّة. يتحدّث الإسرائيليّون عن تغيير ميزان الردع

لكن عند مقارنة هذه الأهداف بنتائج مذكّرة التفاهم، تظهر المفارقة بوضوح. ما يزال النظام قائماً. ما تزال إيران لاعباً إقليميّاً رئيساً. لم يُلغَ التخصيب بالكامل. تتّجه العقوبات نحو التخفيف. وانتقل الحديث من تغيير النظام إلى إعادة إعمار ما دمّرته الحرب.

لذلك يصعب الحديث عن نصر حاسم لأيّ طرف. لكنّ المشكلة ليست هنا. المشكلة أنّ الاتّفاق ترك لكلّ طرف مساحة كافية ليعلن الانتصار، وفي الوقت نفسه مساحة كافية ليبرّر العودة إلى التصعيد إذا شعر أنّ التسوية لا تخدم مصالحه.

يقول الإيرانيّون إنّ النظام صمد. يقول الأميركيّون إنّهم دمّروا القدرات العسكريّة والنوويّة. يتحدّث الإسرائيليّون عن تغيير ميزان الردع. أمّا الحقيقة الوحيدة المؤكّدة حتّى الآن فهي أنّ أحداً لا يعرف شكل المنطقة بعد ستّين يوماً. وهنا يبدأ الخطر الحقيقيّ.

اهتزاز النّظام القديم

الحقيقة أنّ ما جرى لا يشبه نهاية حرب بقدر ما يشبه انهيار نظام إقليميّ وبداية البحث عن نظام جديد. كان النظام القديم قائماً على ثلاث مسلّمات:

1- الولايات المتّحدة هي الضامن الأمنيّ الأوّل للمنطقة.

2- دول الخليج تتحرّك ضمن رؤية أمنيّة متقاربة.

3- القوّة العسكريّة قادرة على فرض وقائع سياسيّة دائمة.

هزّت الحرب الأخيرة هذه المسلّمات الثلاث دفعة واحدة. فواشنطن أثبتت أنّها قادرة على التدخّل العسكريّ، لكنّها لا تبدو راغبة في البقاء طويلاً لإدارة نتائج تدخّلها. وخرجت دول الخليج بمقاربات مختلفة للأمن الإقليميّ حتى الآن.

أمّا فكرة إعادة تشكيل المنطقة بالقوّة العسكريّة فقد أثبتت مرّة أخرى أنّها أسهل بكثير على الورق منها على أرض الواقع. وفي ظلّ هذا الفراغ، بدأت ملامح توازنات جديدة تظهر للمرّة الأولى منذ سنوات. فالمملكة السعوديّة التي راهنت طويلاً على المظلّة الأميركيّة خرجت أكثر اقتناعاً بضرورة تنويع شراكاتها الاستراتيجيّة.

يصعب الحديث عن نصر حاسم لأيّ طرف. لكنّ المشكلة ليست هنا. المشكلة أنّ الاتّفاق ترك لكلّ طرف مساحة كافية ليعلن الانتصار

وتركيا رأت في الحرب فرصة لتعزيز دورها كقوّة إقليميّة لا يمكن تجاوزها في أيّ ترتيبات أمنيّة مقبلة. أمّا باكستان فاكتشفت أنّ موقعها النوويّ والجيوسياسيّ يمنحها دوراً يتجاوز حدود جنوب آسيا إلى قلب معادلات الشرق الأوسط.

في المقابل، لم يعد يُنظر إلى إيران بالطريقة نفسها التي كان يُنظر بها إليها قبل الحرب. فبعد الضربات التي تعرّضت لها وخسارتها جزءاً مهمّاً من نفوذها الإقليميّ، لم تعد بعض العواصم العربيّة ترى أنّ عزلها بالكامل هو الخيار الواقعيّ أو حتّى الممكن. لذلك بدأ يظهر اتّجاه يقوم على احتواء إيران والتفاهم معها في بعض الملفّات بدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة معها.

تجميد مشروعين

الأهمّ من ذلك كلّه أنّ الحرب أوقفت، أو على الأقلّ جمّدت، مشروعين كانا يتقدّمان بالتوازي قبل اندلاعها:

1- مشروع توسيع اتّفاقات أبراهام ليشمل المملكة السعوديّة وعدداً من الدول الإسلاميّة الكبرى. فالحرب جعلت التطبيع أكثر تعقيداً سياسيّاً وأعلى كلفة شعبيّة.

2- مشروع بناء محور إقليميّ واضح المعالم تقوده الولايات المتّحدة وإسرائيل في مواجهة إيران. فبدلاً من ولادة محورين متقابلين، أنتجت الحرب شبكة أكثر تعقيداً من العلاقات والتفاهمات المتقاطعة، تتعاون من خلالها الدول في ملفّ وتختلف في ملفّ آخر.

الحرب

بل باتت بعض الدول تخشى أن يؤدّي أيّ تفاهم أميركيّ ـ إيرانيّ مستقبليّ إلى تكريس انطباع خطير مفاده أنّ المنطقة تُدار بين قوّتين فقط: إسرائيل وإيران، فيما يُطلب من بقيّة دول الشرق الأوسط التكيّف مع نتائج هذا التفاهم. وهذا تحديداً ما يدفع دولاً مثل المملكة السعوديّة وتركيا ومصر وباكستان إلى البحث عن مساحات أوسع من التنسيق فيما بينها، ليس لمواجهة إيران بالضرورة، بل لمنع اختزال مستقبل المنطقة بثنائيّة إسرائيليّة ـ إيرانيّة.

لهذا تبدو المنطقة اليوم وكأنّها عالقة بين نظامين: نظام قديم فقد قدرته على الاستمرار، ونظام جديد لم يولد بعد. وما بين الاثنين، تتشكّل تحالفات مؤقّتة، وتُعاد صياغة أولويّات، وتُختبر موازين قوى جديدة قد تحدّد شكل الشرق الأوسط لعقد كامل مقبل.

أُعلن وقف الحرب، لكن لا أحد يعرف إذا كانت انتهت فعلاً أم دخلت فقط في استراحة مؤقّتة

أخطر ما في الاتّفاق… ما لا يقوله

ما يثير القلق ليس ما ورد في مذكّرة التفاهم، بل ما لم يرِد فيها. لا أحد يعرف شكل الاتّفاق النهائيّ بعد ستّين يوماً. لا أحد يعرف حدود النفوذ الإيرانيّ المقبولة أميركيّاً. لا أحد يعرف ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم المسار السياسيّ أم ستعود إلى الخيار العسكريّ. ولا أحد يعرف ما إذا كانت واشنطن تنظر إلى ما جرى كصفحة أُغلقت أم كورقة ضغط مؤقّتة في مفاوضات أطول.

يتصرّف كلّ طرف على أساس تفسيره الخاصّ للاتّفاق، لا على أساس نصّ واضح ومتّفق عليه. وهذا ما يجعل المرحلة الحاليّة أكثر خطورة من ظاهرها. فهي ليست مرحلة استقرار، بل مرحلة اختبار، اختبار للنيّات، واختبار لموازين القوى، واختبار لقدرة جميع الأطراف على التعايش مع واقع جديد لم تتّضح معالمه بعد.

لهذا تعيش المنطقة حالة انتظار قلقة. الجميع يراقب. الجميع يعيد التموضع. والجميع يحاول استباق الترتيب الجديد قبل أن يتّضح شكله.

لبنان… حيث قد يُختبر الاتّفاق

أمّا لبنان فيبقى المكان الأكثر حساسيّة في هذا المشهد كلّه، فليس جزءاً من الأزمة فقط، بل قد يكون المكان الذي يُختبر فيه نجاح الاتّفاق أو فشله. تتحدّث المذكّرة عن وقف الأعمال العدائيّة. لكن لا إسرائيل وقّعتها، ولا “الحزب” وقّعها، ولا تزال الوقائع الميدانيّة على الحدود الجنوبيّة قابلة للاشتعال في أيّ لحظة.

الحرب الأميركيّة ـ الإيرانيّة الأخيرة فقد أدّت إلى النتيجة المعاكسة تماماً. توقّفت الصواريخ، لكنّ الأسئلة تضاعفت

من هنا تأتي خطورة الأيام الستّين المقبلة. ليست فترة انتقال من الحرب إلى السلام، بل فترة انتقال من المعلوم إلى المجهول، مرحلة تتعايش فيها التهدئة مع احتمالات التصعيد، والدبلوماسيّة مع الحسابات العسكريّة، والآمال الكبيرة مع مخاوف أكبر، فأيّ خطأ في جنوب لبنان، وأيّ ضربة إسرائيليّة كبيرة، وأيّ ردّ غير محسوب من “الحزب”، قد لا تهدّد الجبهة اللبنانيّة فقط، بل قد تنسف الإطار الهشّ الذي قامت عليه مذكّرة فرساي بأكملها.

إقرأ أيضاً: هل صار دعم “أيباك” تهمة انتخابيّة؟

في فرساي، أعلنوا نهاية الحرب. أمّا ما إذا كانت المنطقة دخلت فعلاً مرحلة سلام أم هدنة طويلة بين جولة وأخرى، فهذا سؤال لن تجيب عنه البيانات الرسميّة ولا الصور التذكاريّة. سيأتي الجواب من بيروت، ومن جنوب لبنان، ومن الخليج، ومن طهران، خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

أمن الخليج بعد الحرب: أسئلة الضّمانات والدّفاع والرّدع

كان الوجوم بادياً على الجلسة الافتتاحيّة للمؤتمر الوزاريّ لدول مجلس التعاون الخليجيّ والولايات المتّحدة أمس في البحرين. حاول الضيف الأميركيّ ماركو روبيو طمأنة نظرائه إلى…

هل تنهي المفاوضات الدّور “الشّقيّ” لإيران و”الحزب”؟

انعقاد طاولتَيْ التفاوض المباشر في سويسرا وواشنطن مهمٌّ في ذاته بمقدار أهميّة ما قد يتمّ التوصّل إليه، وإن متأخّراً. أولى دلالات الانعقاد أنّ المتحلّقين من…

الخليج: من التعاون الدفاعي… إلى الفدرالية الدفاعية

ليست كل اتفاقات وقف الحرب سلامًا مستقرًا، وليست كل التسويات تخفيضًا دائمًا للخطر. فقد تنهي التسوية جولةً من الصراع، لكنها تترك وراءها بنية القوة التي…

ترامب والجهل في سوريا… وأجندة الشّرع!

تبدو الحاجة إلى أيّام وربّما أسابيع عدّة قبل الحكم على مدى فعّاليّة السياسة الإيرانيّة لإدارة دونالد ترامب التي باتت تراهن على إمكان استمالة النظام الإيرانيّ…