رحل أمين عام “الاتحاد الاشتراكي العربي ـ التنظيم الناصري” منير محمد الصياد (1944 ـ 2026)، لكن بقي نصب الرئيس المصري جمال عبد الناصر واقفاً في بيروت عند مدخل “عين المريسة” التي أحبها الصياد، والذي كانت له اليد الطولى في وضع ذاك التمثال الكبير هناك وعليه اسمان كبيران من لبنان هما: كمال جنبلاط ومعروف سعد.
ثمة رجال يتغيرون مع الزمن، وثمة رجال يحاولون تغيير الزمن. وبين الفئتين يقف رجال نادرون يختارون البقاء أوفياء لفكرة حتى عندما يتخلى عنها أصحابها، أو عندما تتخلى عنها الوقائع نفسها. منير الصياد ينتمي إلى هذه الفئة الأخيرة. فالرجل الذي كان يقود “الاتحاد الاشتراكي العربي” في لبنان منذ سنوات طويلة لم يعش فقط مسيرة تنظيم سياسي، بل عاش مسيرة فكرة كاملة: الفكرة الناصرية والقومية العربية بكل ما حملته من آمال وانكسارات وأسئلة كبرى. ومن هنا فإن الكتابة عنه ليست كتابة عن شخصية حزبية بقدر ما هي كتابة عن زمن عربي كامل.
لبنان بلد يقوم نظامه على التوازنات الطائفية والمذهبية لا على المواطنة، وعلى التعددية الطائفية لا على الوحدة السياسية الجامعة. ولهذا تحديداً تكتسب تجربة الصياد معناها. فهو لم يكن ناصرياً في القاهرة حيث ولدت الناصرية، ولا في دمشق أو بغداد حيث وجدت حواضن قومية واسعة، بل في لبنان، المكان الذي جعل من التمسك بالفكرة امتحاناً يومياً وصعباً.
كيف يبقى المرء ناصرياً؟
لعل السؤال الأهم في تجربة منير الصياد ليس كيف أصبح ناصرياً، بل كيف بقي ناصرياً.
اختار الصياد أن يقرأ التجربة الناصرية بطريقة مغايرة لخصومها وحتى لبعض أبنائها. لم يرَ فيها مجرد سلطة انتهت أو تجربة أخفقت، بل رأى فيها مجموعة أسئلة لم يجد العرب إجابات أفضل عنها حتى اليوم. كيف تُبنى الدولة القوية؟ كيف تتحقق العدالة الاجتماعية؟ كيف تُصان السيادة الوطنية؟ كيف يمكن للعرب أن يكونوا فاعلين في التاريخ لا مجرد ساحات لصراعات الآخرين؟
يصعب فهم تجربة منير الصياد من دون فهم لبنان نفسه. فالقومية العربية، في جوهرها الفكري، مشروع يتجاوز الهويات الجزئية نحو هوية أوسع
لهذا لم يكن وفاؤه للناصرية وفاءً لشخص أو لمرحلة تاريخية بقدر ما كان وفاءً لهذه الأسئلة نفسها. لكن المفارقة تكمن هنا تحديداً. فالرجل الذي بقي وفياً للفكرة وجد نفسه مع مرور الزمن أقرب إلى حارس لذاكرة سياسية منها إلى قائد تيار صاعد. لقد انتقل من مرحلة الدفاع عن مشروع يريد الوصول إلى المستقبل إلى مرحلة الدفاع عن مشروع يخشى أصحابه أن يُمحى من الذاكرة. وهذه إحدى المعضلات الكبرى التي طبعت تجربته السياسية.
قومي عربي في جمهورية الطوائف
يصعب فهم تجربة منير الصياد من دون فهم لبنان نفسه. فالقومية العربية، في جوهرها الفكري، مشروع يتجاوز الهويات الجزئية نحو هوية أوسع. أما النظام اللبناني فقد تأسس على الاعتراف بالهويات الطائفية وتنظيم العلاقة بينها. وبين المشروعين مسافة فكرية وسياسية شاسعة.
عاش الصياد هذه المفارقة طوال حياته السياسية. فمن جهة، كان مؤمناً بأن العروبة إطار حضاري وسياسي جامع، وأن الدولة الحديثة ينبغي أن تقوم على المواطنة. ومن جهة أخرى، كان يتحرك داخل نظام سياسي يجعل الطائفة المدخل الإلزامي إلى معظم أشكال التمثيل السياسي والاجتماعي. ولذلك يمكن القول إن تجربته كانت تجربة مقاومة فكرية أكثر منها تجربة سلطة.
خلال الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها، ثم في مرحلة اتفاق الطائف، وبعدها خلال الانقسامات الحادة التي عرفها لبنان من سنة 2005، بقي متمسكاً بفكرة أن لبنان لا يستطيع العيش باعتباره جزيرة منفصلة عن محيطه العربي، وأن الطائفية ليست قدراً تاريخياً بل أزمة تاريخية. وربما كان هذا الموقف مصدر قوة ومصدر ضعف في آن معاً. قوة لأنه حافظ على اتساقه الفكري، وضعف لأنه وضعه في مواجهة دائمة مع وقائع لبنانية كانت تسير في اتجاه مختلف. لكن قيمة التجربة لا تكمن في قدرتها على الانتصار دائماً، بل أحياناً في قدرتها على الصمود أمام ما تعتبره خطأ تاريخياً.
منير الصياد ينتمي إلى هذه الفئة الأخيرة. فالرجل الذي كان يقود “الاتحاد الاشتراكي العربي” في لبنان منذ سنوات طويلة
فلسطين والعروبة
مثل معظم أبناء المدرسة الناصرية، لم يتعامل الصياد مع فلسطين باعتبارها قضية خارجية، بل باعتبارها جزءاً من تعريفه للسياسة نفسها. فمنذ بدايات نشاطه في “الاتحاد الاشتراكي العربي” وحتى اليوم، ظلت القضية الفلسطينية البوصلة الأكثر ثباتاً في خطابه السياسي. غير أن أهمية هذا الثبات لا تكمن فقط في الدفاع عن فلسطين، بل في ما يكشفه من رؤية أوسع للعالم.
شهد الرجل تحولات كبرى في المنطقة: اتفاقيات السلام العربية، الحروب الأميركية، صعود الإسلام السياسي، الانتفاضات العربية، ثم موجات التطبيع والانهيارات الإقليمية. وخلال هذه التحولات كلها بقي مقتنعاً بأن غياب المشروع العربي الجامع هو أحد أسباب المأزق التاريخي الذي تعيشه المنطقة. فبالنسبة إليه، لم يكن تراجع القضية الفلسطينية منفصلاً عن تراجع فكرة العمل العربي المشترك، ولم يكن صعود الهويات الطائفية منفصلاً عن انحسار الهويات الوطنية والقومية الجامعة.
الرجل لا يمثل قصة نجاح حزبي بقدر ما يمثل قصة وفاء سياسي طويل.
لمتابعة الكاتب على X:
