إيران في المحور الأميركيّ؟

مدة القراءة 5 د

ما نشهده اليوم هو أكثر من جولة جديدة من التفاوض بين واشنطن وطهران. إذ توحي المؤشّرات المتراكمة بأنّ المنطقة أمام إعادة تموضع استراتيجيّة كبرى، عنوانها انتقال إيران من موقع الخصم الدائم للولايات المتّحدة إلى موقع الشريك الضروريّ في إدارة توازنات الشرق الأوسط.

 

لا يرتبط المنطق الذي يحكم هذا التحوّل بالأيديولوجية بقدر ما يرتبط بالمصالح، فالولايات المتّحدة التي تخوض المنافسة الكبرى مع الصين تحتاج إلى استقرار مناطق الطاقة وإبعادها عن النفوذ الصينيّ المتزايد. وإيران، التي أنهكتها العقوبات والعزلة الاقتصاديّة، تحتاج إلى نافذة واسعة على الاقتصاد العالميّ وإلى استثمارات قادرة على تحديث بنيتها الاقتصاديّة وإطلاق دورة نموّ جديدة.

في هذا السياق، يمكن فهم الحديث المتزايد عن تفاهمات تتجاوز الملفّ النوويّ إلى إعادة صياغة العلاقة بين البلدين. وإذا ما تكرّست هذه التفاهمات، فإنّ الشركات الأميركيّة ستجد طريقها إلى السوق الإيرانيّة، وسيصبح النفط والغاز الإيرانيّان جزءاً من شبكة المصالح الغربيّة، لا سيما الأميركيّة، بما يحوِّل إيران خلال فترة قصيرة إلى لاعب مندمج في النظام الاقتصاديّ الدوليّ بدلاً من أن تكون خارجه.

التّهدئة الشّاملة مع إسرائيل

ستكون النتيجة الأولى لهذا التحوّل تهدئة شاملة مع إسرائيل. ليس بالضرورة عبر تحالف مباشر أو تطبيع كامل، بل عبر انتقال الطرفين من منطق الصراع الوجوديّ إلى منطق إدارة المصالح والتوازنات. وعندما تتراجع احتمالات المواجهة الكبرى، تتغيّر تلقائيّاً وظيفة معظم الملفّات الساخنة في المنطقة.

سيكون لبنان من أكثر الساحات تأثّراً، فـ”الحزب” بوصفه أبرز أدوات النفوذ الإيرانيّ لن يختفي ولن يتراجع إلى الهامش، بل قد يتحوّل إلى أحد المستفيدين من الاستقرار الجديد. وسيستمرّ الدعم الإيرانيّ له ضمن معادلة إقليميّة أكثر هدوءاً وأقلّ صداميّة. في المقابل، سيواصل السعوديّون دعم حلفائهم السياسيّين داخل لبنان.

تبرز فرضيّة إطلاق طاولة حوار وطنيّ موسّعة برعاية عربيّة ودوليّة، تشارك فيها المملكة السعوديّة وإيران بصورة مباشرة إلى جانب كلّ من مصر وفرنسا

هكذا يتشكّل نموذج جديد للدولة اللبنانيّة يتمثّل في دولة تقوم على توازن النفوذين الإيرانيّ والسعوديّ بدلاً من صراعهما، دولة تُدار بتفاهمات أكثر ممّا تُدار بمواجهات. وقد يكون هذا النموذج، على كلّ ما يحمله من تناقضات، أقرب إلى الواقع اللبنانيّ من أيّ مشروع إقصائيّ أو انتصاريّ لطرف على حساب آخر.

لكنّ الصورة لا تكتمل من دون إسرائيل وتركيا. ستسعى الأولى إلى تثبيت مكاسبها الأمنيّة والسياسيّة ضمن النظام الإقليميّ الجديد، بينما ستعمل الثانية على توسيع حضورها في ملفّات الطاقة والتجارة والأمن. وسيبقى حجم دور كلّ منهما رهناً بتطوّر الأحداث وبقدرتهما على التكيّف مع التوازنات المستجدّة.

الاستثمارات والشّراكات هي المعيار

وعليه، سوف يدخل الشرق الأوسط مرحلة ما بعد الحروب الكبرى، مرحلة لا تُقاس فيها قوّة الدول بعدد الصواريخ، بل بحجم الاستثمارات والتفاهمات والشراكات الاقتصاديّة. إنّها مرحلة انتقال المنطقة من ساحات المواجهة إلى أسواق المصالح.

ليس السؤال الحقيقيّ “هل تمّت الصفقة الكبرى بالفعل؟”، بل “هل القوى المحليّة والإقليميّة مستعدّة للتعامل مع عالم جديد تتقدّم فيه المصالح على الشعارات، والتسويات على الصدامات، والاقتصاد على الأيديولوجية؟”.

إيران

في قلب هذه المعادلة الجديدة يبرز لبنان بوصفه المختبر الأوّل للتفاهم الإيرانيّ – السعوديّ تحت المظلّة الأميركيّة. لا يقوم التطوّر المرتقب على إسقاط اتّفاق الطائف أو استبداله، بل على إعادة تنفيذ ما بقي منه وتطوير آليّات تطبيقه بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة التي نشأت خلال العقود الثلاثة الماضية.

قانون الانتخاب هو المدخل

من هنا يكتسب قانون الانتخاب أهميّة استثنائيّة، إذ يُتوقّع أن يشكّل المدخل الأساسيّ لإعادة إنتاج السلطة على أسس أكثر تعبيراً عن التوازنات السياسيّة والاجتماعيّة المستجدّة.

إيران، التي أنهكتها العقوبات والعزلة الاقتصاديّة، تحتاج إلى نافذة واسعة على الاقتصاد العالميّ وإلى استثمارات

ضمن هذا التصوّر، يعود إلى الواجهة ملفّ إلغاء الطائفيّة السياسيّة التدريجيّ، بالتوازي مع إنشاء مجلس الشيوخ المنصوص عليه في اتّفاق الطائف، بما يسمح بنقل جزء من الهواجس الطائفيّة إلى مؤسّسة تمثيليّة خاصّة، مقابل تعزيز دور المؤسّسات الوطنيّة المنتخبة على أساس سياسيّ ومدنيّ أوسع. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها أحد المفاتيح الضروريّة لتثبيت الاستقرار الطويل الأمد ومنع عودة الانقسامات التقليديّة التي عطّلت الدولة لعقود، ورئيس الحكومة الحاليّ نوّاف سلام ليس بعيداً عن ذلك.

طاولة حوار وطنيّ

تبرز فرضيّة إطلاق طاولة حوار وطنيّ موسّعة برعاية عربيّة ودوليّة، تشارك فيها المملكة السعوديّة وإيران بصورة مباشرة إلى جانب كلّ من مصر وفرنسا، بهدف التوصّل إلى تفاهم شامل على تطوير النظام السياسيّ اللبنانيّ من دون المساس بجوهر الشراكة الوطنيّة التي أرساها “الطائف”.

إقرأ أيضاً: العرب يدفعون فاتورة الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ!

إذا تحقّق مثل هذا المسار، فلن يكون تعديلاً تقنيّاً في بنية النظام، بل انتقال من مرحلة الصراع على السلطة إلى مرحلة تنظيم الشراكة داخلها. وعندها يصبح لبنان نموذجاً لتسوية إقليميّة أوسع تقوم على التفاهم بين القوى المؤثّرة بدلاً من التنافس المفتوح بينها، وعلى دمج الوقائع السياسيّة الجديدة في إطار دستوريّ ومؤسّساتيّ يحفظ الاستقرار ويمنع الانفجار بعيداً عن لغة السلاح.

مواضيع ذات صلة

الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!

عشيّة الثورة الإيرانيّة، كان كلّ الطلاب الإيرانيّين الذين يدرسون بالجامعات الألمانيّة، وهم كثيرون جدّاً، يتوقّعون قيام حكومة يساريّة في بلادهم على الرغم من انقسامهم إلى…

تسليم لبنانيّ بوصاية دوليّة بدل الإسرائيليّة أو الإيرانيّة

قبل الانتقال إلى الجولة السادسة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة برعاية أميركيّة في روما غداً الأربعاء، اعتبر المفاوض اللبنانيّ أنّ إنجاز اتّفاق الإطار في 26 حزيران الماضي…

إيران ودبلوماسية الجنائز: رسائل بالصوت والصورة

مرّر القيمون على مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي مواقفهم الداخلية والخارجية من خلال مراسم تشييعه إلى مثواه الأخير، وذلك عبر رسائل…

ترامب يحمل “التزامات” الشّرع إلى نتنياهو وعون

لم يخرج الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من لقائه الثلاثيّ مع الرئيس السوريّ أحمد الشرع والرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان في قمّة حلف شماليّ الأطلسيّ في…