صفقة شراء إيران أكثر من 300 طائرة بوينغ أميركيّة حديثة الطراز، مع برامج تدريب للطيّارين وتعاون تقنيّ طويل الأمد، ليست عقداً تجاريّاً عابراً وحسب، بل قد تُقرأ باعتبارها مؤشّراً إلى تحوّلات أعمق في العلاقات بين واشنطن وطهران. ففي عالم السياسة، لا توجد صفقات بمليارات الدولارات خارج الحسابات الاستراتيجيّة، ولا تُمنح التكنولوجيا الحسّاسة من دون أثمان سياسيّة، حتّى لو بقيت هذه الأثمان غير معلنة.
يرى بعض المراقبين أنّ ما يجري بين أميركا وإيران قد يكون بداية مسار جديد عنوانه الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح. فالطائرات ليست هياكل تحلق في السماء فقط، بل جسور اقتصاديّة وتقنيّة وبشريّة تمتدّ لعقود، تربط شركات الصيانة، مراكز التدريب، سلاسل الإمداد، التمويل، والتأمين، بما يجعل أيّ قطيعة لاحقة أكثر كلفة من أيّ تفاهم.
قد لا يُرفع العلم الأميركيّ في طهران قريباً، وقد تستمرّ لغة العداء في الخطب والمنابر إلى حين، لكنّ السياسة كثيراً ما تتحرّك في اتّجاه، فيما يتحرّك الخطاب في اتّجاه آخر. وما يبدو اليوم تناقضاً سوف يكون غداً جزءاً من معادلة جديدة، تُحفظ فيها الشعارات لإرضاء الجمهور، بينما تُصاغ التفاهمات خلف الأبواب المغلقة.
يبقى نجاح أيّ تسوية رهناً بقدرتها على إقناع جميع اللبنانيّين بأنّ الدولة ستكون البديل الحقيقيّ عن موازين القوّة، وأنّ أيّ تعديل للنظام لن يكون انتصاراً لطائفة على أخرى، بل تأسيس لشراكة أكثر استقراراً وعدالة
ماذا عن “الحزب”؟
إذا صحّت هذه القراءة فإنّ الحدث الحقيقيّ من شراء الطائرات المدنيّة الأميركيّة الصنع هو إعادة رسم خرائط النفوذ. فالدول الكبرى تبيع منتجاتها وتبيع معها منظومات ارتباط تجعل الشريك جزءاً من دائرة نفوذها. وهكذا قد تتحوّل صفقة الطائرات إلى عنوان لمرحلة مختلفة، يكون فيها الاقتصاد والتكنولوجيا جسراً لإعادة التموضع الإيرانيّ في الفلك الأميركيّ، علماً أنّ فرنسا جاهدت لبيع إيران طائرات إيرباص، لكنّ الأخيرة أصابت أكثر من هدف في سعيها وراء الصناعة المدنيّة الأميركيّة لإعادة إحياء أسطولها الجوّيّ الذي عفا عليه الزمن.
في الشرق الأوسط، غالباً ما تبدأ التحوّلات الكبرى بتوقيع اتّفاق يبدو تجاريّاً، ثمّ يكتشف الجميع لاحقاً أنّه كان الفصل الأوّل في كتاب سياسيّ جديد، فكيف إذا أتى نتيجة تفاهم يليه تفاهم “من تحت الطاولة”؟
لن يكون لبنان بعيداً عن أيّ تقارب أميركيّ – إيرانيّ منعكس على ملفّات المنطقة، وضمن دائرة التأثير. فالعقدة الأساسيّة لم تعد تتمثّل في وجود الدور السياسيّ لـ”الحزب”، بل في استمرار امتلاكه السلاح خارج إطار الدولة. ومن هنا، قد يتّجه أيّ تفاهم إقليميّ إلى مقايضة واضحة: اندماج كامل لـ”الحزب” في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، مقابل إنهاء دوره العسكريّ بصورة تدريجيّة ولو طويلة وتحت مظلّة تسوية داخليّة وإقليميّة، لا سيما الرعاية السعوديّة – الإيرانيّة المقبلة على لبنان في ظلال أميركا.
في الشرق الأوسط، غالباً ما تبدأ التحوّلات الكبرى بتوقيع اتّفاق يبدو تجاريّاً، ثمّ يكتشف الجميع لاحقاً أنّه كان الفصل الأوّل في كتاب سياسيّ جديد
غير أنّ مثل هذه المعادلة لا يمكن أن تستقرّ من دون إعادة نظر في التوازنات الداخليّة. فهناك من يرى أنّ الطائفة الشيعيّة، بعد عقود من التحوّلات الديمغرافيّة والسياسيّة، ستطالب بضمانات دستوريّة باعتبار أنّ التخلّي عن عنصر القوّة العسكريّة لا يمكن أن يتمّ من دون تعويض سياسيّ يعكس موازين القوى الجديدة. وهنا يعود الحديث عن تطوير أو تعديل اتّفاق الطائف، لا لإسقاطه بالكامل، بل لإعادة توزيع بعض عناصر السلطة بما يحقّق توازناً جديداً بين المكوّنات اللبنانيّة.
أزمة وطنيّة جديدة؟
غير أنّ هذا المسار يحمل في طيّاته مخاطر كبيرة. فكلّ محاولة لإعادة صياغة العقد الوطنيّ في لبنان تصطدم بحساسيّات تاريخيّة وطائفيّة عميقة، وقد تُفسَّر من قبل قوى أخرى على أنّها محاولة لفرض وقائع جديدة تحت ضغط موازين القوّة، الأمر الذي قد يعيد إنتاج الانقسامات ويهدّد السلم الأهليّ إذا غابت التوافقات الوطنيّة والإقليميّة.
إقرأ أيضاً: لبنان مفتاح نجاح الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ؟
يقف لبنان، مرّة جديدة، أمام مفترق طرق: إمّا أن تتحوّل التسويات الإقليميّة إلى فرصة لبناء دولة تحتكر وحدها قرار السلم والحرب، مع إصلاحات دستوريّة تُنجَز بالتوافق، وإمّا أن يصبح البلد ساحةً لصراع على النظام نفسه تختلط فيه المطالب الدستوريّة بالمخاوف الوجوديّة، ويصبح تعديل التوازنات مدخلاً إلى أزمة وطنيّة جديدة بدل أن يكون بوّابةً إلى استقرار دائم.
في النهاية، يبقى نجاح أيّ تسوية رهناً بقدرتها على إقناع جميع اللبنانيّين بأنّ الدولة ستكون البديل الحقيقيّ عن موازين القوّة، وأنّ أيّ تعديل للنظام لن يكون انتصاراً لطائفة على أخرى، بل تأسيس لشراكة أكثر استقراراً وعدالة.
