مقترح لبنانيّ “ثلاثيّ” على طاولة واشنطن

مدة القراءة 6 د

صعّدت إسرائيل في الأيّام الثلاثة الماضية، التي أعقبت إعلان إنجاز الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ فجر الإثنين، من وتيرة اعتداءاتها بشكل كبير، فطال حزام النار أقضية النبطيّة ومرجعيون وجزّين وإقليم التفّاح، مع تكثيف الطيران التجسّسيّ والحربيّ فوق كلّ لبنان، وتركيز القصف على محيط كفرتبنيت وعليّ الطاهر، فارتفع منسوب المخاوف من التقدّم البرّيّ باتّجاه مدينة النبطيّة، وذلك في ذروة الاحتفاء بالاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، الذي يشمل لبنان، ويوقَّع اليوم في منتجع Burgenstock السويسريّ.

 

يُفترض، وفق التهديدات الإيرانيّة المعلنة، أن تشكّل الاعتداءات الإسرائيليّة المستمرّة على لبنان مبرّراً لقصف إيران تل أبيب.

لكن على ما يبدو تلعب الضوابط الدوليّة دورها في “زمّ” بقعة التوتّر الناتجة عن عدم التزام إسرائيل بند وقف الحرب الوارد في الاتّفاق، وتفلّتها من القيود الأميركيّة التي عكسها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بشكل واضح، سيما لجهة تأكيده أنّه “غير راضٍ عن تعامل إسرائيل مع لبنان والحزب”.

مع إعلان ترامب أنّ الاتّفاق أُنجز، بكلّ جوانبه، وسينتقل إلى “المرحلة الثانية”، المُفترَض أن تبدأ اليوم عبر إتمام التوقيع، والمباشرة فوراً بجولة تفاوض جديدة ضمن مرحلة الـ 60 يوماً، كما قال وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي، بقيت “عقدة” لبنان عنصراً غامضاً في الاتّفاق للمسؤولين في لبنان أوّلاً، ولرعاة الاتّفاق أنفسهم. وقد قدّمت إسرائيل دفعة على الحساب من خلال انتهاكاتها المستمرّة للاتّفاق، وزيادة وتيرة اعتداءاتها، وكأن لا اتّفاق قد حصل، في مقابل ردّ “الحزب” المضبوط الذي لم يشمل مستوطنات الشمال.

ما أقدمت عليه إسرائيل في الساعات الماضية، خصوصاً لجهة التوغّل في بلدة حدّاثا في القطاع الأوسط، أعطى مؤشّرات سلبيّة جدّاً إلى التجاوب الإسرائيليّ مع أيّ اقتراح

تتعامل طهران مع “اتّفاق إطار” إنهاء الحرب، الذي ترك ملفّات البرنامج النوويّ، رفع العقوبات ومصير الموادّ المخصّبة إلى مرحلة التفاوض خلال مدّة الـ 60 يوماً، على قاعدة أنّ “إنهاء الحرب في لبنان جزء لا يتجزّأ من متطلّبات إنهاء الحرب مع إيران”، كما قال عراقجي، وأنّ “استمرار الاحتلال الإسرائيليّ يمثّل خرقاً لمذكّرة التفاهم”، وهو مسار يفترض أن يكتسب صدقيّته في مرحلة التفاوض على مدى شهرين، فيما تشير المعلومات إلى أنّ الجانب اللبنانيّ قد أبلِغ أميركيّاً أنّ “ما اتّفق عليه بين واشنطن وطهران هو إطار عامّ يُفترض أن تتبلور كلّ تفاصيله السياسيّة والأمنيّة والتقنيّة ضمن مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل”.

بموجب البند الأوّل من الاتّفاق، والوحيد الذي ذُكر فيه لبنان بالاسم (استناداً إلى النسخة الأوّليّة التي سُرّبت)، “تعلن الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة والولايات المتّحدة، إلى جانب حلفائهما في الحرب الدائرة، بتوقيع مذكّرة التفاهم، إنهاءً فوريّاً ونهائيّاً للحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وتتعهّدان بعدم شنّ إحداهما أيّ عمل عدائيّ ضدّ الأخرى، وامتناع إحداهما عن التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها ضدّ الأخرى، وسيؤكّد الاتّفاق النهائيّ أحكام هذه المادّة والموادّ الباقية”.

ورشة داخليّة

فيما توقّف كثيرون، في الشكل، عند مبادرة وزير الخارجيّة الإيرانيّ إلى الاتّصال برئيس الجمهوريّة جوزف عون لإبلاغه مضمون الاتّفاق، وليس أيّ جهة أميركية، مع العلم أنّ برّي تلقّى اتّصالاً أيضاً من عراقجي ورئيس مجلس الشورى الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف، شهدت “الورشة الداخليّة” ما يُشبِه الاستنفار لملاقاة هذا التطوّر المفصليّ، الذي وضعه نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس في إطار “اتّفاق سلام إقليميّ سيشمل دول الخليج، وإسرائيل ولبنان، إذا التزمت طهران ما هو مطلوب منها”.

تقول المعلومات إنّه للمرّة الأولى منذ انطلاق المفاوضات المباشرة شهدت الكواليس الداخليّة على خطّ بعبدا-عين التينة-الضاحية مداولات بعيدة من الإعلام سبقت إعلان الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، وازدادت زخماً بعده في محاولة “مشتركة” للوصول إلى مقترح لبنانيّ في جلسات التفاوض المقبلة في 22 و23 و24 حزيران في واشنطن، ويحظى بتوافق داخليّ.

ثمّة رهاناً لبنانيّاً على مزيد من الضغط الأميركيّ على رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو للانضباط تحت سقف اتّفاق إسلام آباد، والتجاوب مع مطالب طاولة واشنطن

لا تتوقّع مصادر رسميّة أن تلتزم إسرائيل وقف النار نهائيّاً في مرحلة ما بعد توقيع الاتّفاق اليوم في سويسرا، وما بعد جلسات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، ولا الانسحاب بسبب الفجوة التي باتت تباعد بين الجانبين الأميركيّ والإسرائيليّ، وشعور تل أبيب أنّها المتضرّر الأوّل من اتّفاق العملاقين.

هل ينضبط نتنياهو؟

لكنّ ثمّة رهاناً لبنانيّاً على مزيد من الضغط الأميركيّ على رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو للانضباط تحت سقف اتّفاق إسلام آباد، والتجاوب مع مطالب طاولة واشنطن، مع تسليم الدول المعنيّة بالاتّفاق بأنّ مرحلة الـ 60 يوماً هي “مرحلة اختبار لكلّ الأطراف”.

في السياق نفسه، المسعى اللبنانيّ مستمرّ برهان آخر من الرئيس عون على برّي لإقناع “الحزب” الذي فتحت بعبدا قنوات التواصل معه بالتوصّل إلى مقترح عمليّ لمطلب  “تزامن الانسحاب” بين الجيش الإسرائيليّ و”الحزب” في جنوب الليطاني في المرحلة الأولى، وانتشار الجيش، وذلك بعد التخلّي عن نموذجَي “المناطق التجريبيّة” في بنت جبيل، أو محور زوطر الشرقيّة والغربيّة – يحمر – قلعة الشقيف، بعد الرفض المطلق لهما من جانب “الحزب” وبرّي.

إقرأ أيضاً: قنوات مفتوحة بين بعبدا و”الحزب”؟

هكذا ستشهد جلسة 22 حزيران تقديم الوفد اللبنانيّ طرحه في شأن الانسحاب الإسرائيليّ التدريجيّ، الذي اقترح برّي أن يكون وفق الأقضية، مع التزام الانسحاب “العسكريّ” المتزامن لـ”الحزب”، وفق مبدأ خطوة خطوة، إضافة إلى التداول في مسألة “سحب السلاح أو عناصر الحزب”.

لكنّ ما أقدمت عليه إسرائيل في الساعات الماضية، خصوصاً لجهة التوغّل في بلدة حدّاثا في القطاع الأوسط، أعطى مؤشّرات سلبيّة جدّاً إلى التجاوب الإسرائيليّ مع أيّ اقتراح. مع العلم أنّ حدّاثا تشكّل مرتفعاً بالغ الأهميّة لإسرائيل، ونقطة استراتيجيّة في الصفّ الثاني من القرى الحدوديّة، وخطوة متقدّمة باتّجاه تبنين التي سبق أن دخلها العدوّ الإسرائيليّ ثمّ انسحب منها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

قنوات مفتوحة بين بعبدا و”الحزب”؟

في المهلة الفاصلة عن توقيع الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ في سويسرا يوم الجمعة، وموعد جولة المفاوضات المباشرة اللبنانيّة-الإسرائيليّة في واشنطن في 22 الجاري، تزاحمت التساؤلات، من المراجع…

“الحزب” بين خيارين: التّفاوض الخارجيّ أو التّسوية الدّاخليّة

هل يراهن لبنان مجدّداً على نتائج التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ لإنهاء الحرب، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض؟ وهل تملك تل أبيب أساساً…

من الجيش إلى الطّاقة: هل تعود روسيا إلى سوريا؟

تريد موسكو العودة إلى سوريا من بوّابة الجيش والطاقة بدل الاكتفاء بقاعدتَي حميميم وطرطوس؟ وهل يشكّل ملفّ الضبّاط العلويّين جزءاً من خطّة روسيّة لترميم الدولة…

سابقة قضائيّة في ملفّ المرفأ

في المرحلة الانتقاليّة بين تقاعد مدّعي عامّ التمييز القاضي جمال الحجّار وتعيين القاضي أحمد رامي الحاج خلفاً له على رأس النيابة العامّة التمييزيّة، سُجّلت سابقة…