قبل أن تزول آثار الآليّات العسكريّة الأميركيّة المنسحبة من قواعدها في شرقيّ سوريا، تدخل واحدة من أكبر شركات الطاقة الأميركيّة، “كونوكو فيليبس”، إلى أحد أكبر حقول الغاز في البلاد. هكذا تُمسك واشنطن بالتسوية بين دمشق والأكراد، وتنقل الحضور الأميركيّ من السلاح إلى النفط والغاز.
ستوقّع الشركة الأميركيّة الاتّفاق مع الحكومة السوريّة في الأيّام القليلة المقبلة، بحسب ما كشفته صحيفة “فايننشيل تايمز”، من دون أن تشير إلى اسم الحقل، لكنّ المعلومات المتاحة من سوريا ترجّح أن يكون الحديث عن حقل السويديّة. وإذا صحّ ذلك، تكون هذه هي الشركة الأميركيّة الثانية التي تدخل إلى عمق المنطقة الكرديّة، من ضمن ترتيبات ما بعد الاتّفاق بين دمشق والأكراد برعاية أميركيّة.
لم تضيّع دمشق الوقت. منذ دخول قوّاتها إلى مناطق شرق الفرات في هجوم خاطف لم يستغرق أكثر من أسبوعين في كانون الثاني الماضي، بدا وكأنّها كانت جاهزة لإعادة انتشار لعقود النفط والغاز بما يثبّت صيغة الحلّ مع الأكراد، بانخراط أميركيّ تحلّ فيه شركات الطاقة مكان القوّات العسكريّة على الأرض، وتتولّى توزيع العوائد بما يثبّت الحلّ السياسيّ.
قبل أن تزول آثار الآليّات العسكريّة الأميركيّة المنسحبة من قواعدها في شرقيّ سوريا، تدخل واحدة من أكبر شركات الطاقة الأميركيّة، “كونوكو فيليبس”، إلى أحد أكبر حقول الغاز في البلاد
استعادة السّيطرة
كانت البداية باستعادة السيطرة على المناطق الغنيّة بالنفط والغاز شرق نهر الفرات، وأبرزها حقل العُمَر، الأكبر في البلاد، وحقل كونوكو للغاز في دير الزور. وبموجب اتّفاق 18 كانون الثاني تولّت دمشق السيطرة الإداريّة والأمنيّة على كلّ الأصول النفطيّة والغازيّة الكبرى التي كانت بيد قوّات سوريا الديمقراطيّة (قسد) في منطقة الحسكة شمال شرقيّ البلاد.
تمّ إرساء الوضع الجديد في الاتّفاق الشامل بتاريخ 30 كانون الثاني الماضي لتثبيت وقف إطلاق النار، وحلٌّ لقوّات سوريا الديمقراطيّة التي هي كيان عسكريّ مستقلّ، ودمجٌ مرحليّ للمؤسّسات المدنيّة في أجهزة الدولة، مع نقل الحقول والمعابر والطرق إلى المركز. وفي المقابل، منحت دمشق الأكراد اعترافاً ثقافيّاً وإداريّاً من خلال مرسوم يقرّ بالهويّة واللغة الكرديّتين، ويعيد الجنسيّة للمجرَّدين منها، ويجعل النيروز عطلةً وطنيّة، لكنّها أغلقت الباب أمام الفدراليّة.
ربّما العقدة الأهمّ في الاتّفاق تخلّي الأكراد عن حقول النفط التي كانت توفّر أكثر من ثلاثة أرباع إيرادات الإدارة الذاتيّة. دخلت قوّات وزارة الداخليّة إلى مدينتَي الحسكة والقامشلي. وفي الأسبوع الثاني من شباط، بدأ استخراج النفط من حقلَي الرميلان والسويديّة، وهما آخر حقلين ظلّا تحت سيطرة “قسد” في عمق الحسكة، لتصبح كلّ أصول النفط والغاز في البلاد تحت سيطرة دمشق.
الاتّفاق الاقتصاديّ يأتي تحت مظلّة من التسوية السياسيّة تحفظ مركزيّة الدولة، وتعطي للأكراد قدراً من اللامركزيّة في إدارة شؤونهم
سلسلة الاتّفاقات
توالى بعد ذلك توقيع العقود مع شركات النفط الأميركيّة والعربيّة. وسرعان ما بدأت شركة HKN Energy الأميركيّة تشغيل حقل الرميلان، بعدما تمّ تطوير العقد لمدّة 25 عاماً. هذا الحقل من أكبر الحقول السوريّة وأبرزها، وكان طوال سنوات الحرب الركيزة الأساسيّة لتمويل الإدارة الذاتيّة الكرديّة، على الرغم من انخفاض إنتاجه بنحو 60% عن مستويات ما قبل 2011، حين كان ينتج ما يقارب 200 ألف برميل يوميّاً. وتلعب الشركة الأميركيّة التي تشغّلها دوراً مشابهاً في العراق، إذ إنّها من أكبر مشغّلي حقول النفط والغاز في إقليم كردستان.
تزامن ذلك مع اتّفاق الحكومة السوريّة مع شركة “شل” للتنازل عن حقوقها في حقل العمر لمصلحة شركة النفط السوريّة. وتمّ توقيع عقود تطوير واستكشاف ومشاركة مع العديد من الشركات الأميركيّة والعربيّة، من ضمنها مذكّرة تفاهم للمراجعة الفنّيّة لأحد البلوكات البحريّة قبالة اللاذقيّة مع “كونوكو فيليبس” و”توتال” و”قطر للطاقة”، ومذكّرة أخرى للاستكشاف البحريّ مع “شيفرون” الأميركيّة بالشراكة مع UCC القطريّة، بالإضافة إلى اتّفاقات تطوير حقول نفط مع “أديس” السعوديّة، واتّفاق تطوير حقول غاز مع “دانة غاز” الإماراتيّة.
أبعد من الاقتصاد
تتجاوز تلك الاتّفاقات البعد الاقتصاديّ لتعبّر عن انخراطٍ أميركيّ مباشر في إرساء المعادلات الجديدة. وربّما العقدة الأهمّ في هذا الصدد كيفيّة توزيع العوائد من الحقول في عمق المناطق الكرديّة، لا سيما في حقلَي الرميلان والسويديّة.
إقرأ أيضاً: إيلون ماسك تريليونير يبني منزله على سطح القمر
يتمّ ذلك من خلال اقتسام الإيرادات بين المشغّل الأميركيّ للحقل، والشركة السوريّة للبترول، التابعة لدمشق، وشركة الجزيرة للخدمات النفطيّة المرتبطة بـ”قسد”. تشير المعلومات المتداولة إلى أنّ الأميركيّين يرعون صيغة تعطي الأكراد أقلّ من 10% من العوائد، مقابل أكثر من 30% لدمشق. لكنّ هذه النسبة القليلة تبقى أفضل للأكراد من الحالة السابقة حين كانوا يستخرجون كميّات ضئيلة من النفط ويبيعونها في السوق السوداء.
الأهمّ أنّ الاتّفاق الاقتصاديّ يأتي تحت مظلّة من التسوية السياسيّة تحفظ مركزيّة الدولة، وتعطي للأكراد قدراً من اللامركزيّة في إدارة شؤونهم. وربّما يعوّل على نجاح هذا النموذج لتقوية موقف الدولة في حلّ مشكلة السويداء لاحقاً.
لمتابعة الكاتب على X:
