التّصدير إلى السّعوديّة: نزع صاعق “رمّانة” الحزب؟

مدة القراءة 7 د

في نيسان 2021، فجّرت “رمّانة” لبنانيّة العلاقة بين بيروت والرياض. أبحرت شحنة إلى ميناء جدّة محشوّة بأكثر من خمسة ملايين حبّة كبتاغون، فأُغلقت السوق السعوديّة، ومن وراءها الخليجيّة، أمام لبنان. لكنّها ليست قصّة رمّانة، بل “قلوب مليانة” عزلت لبنان عن محيطه.

أخيراً، أتى قرار المملكة السعوديّة استئناف الصادرات اللبنانيّة إلى المملكة بعد أيّام فقط من تدشين مطار القليعات. وهو تزامنٌ لا يفسّره سوى نزع صاعق رمّانة (قنبلة) “الحزب” التي كان يُحكم بها قبضته على الدولة واقتصادها.

 

 

حمّلت الرياض قرارها الكثير من الرسائل في الشكل والمضمون. في الشكل نقل وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان هاتفيّاً إلى رئيس الحكومة اللبنانيّة نوّاف سلام القرار الذي حمل صفة التوجيه من وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان شخصيّاً “بناءً على طلب من رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء”، ليشكّل القرار رسالة دعم للرئيسين اللذين يخوضان معركة استعادة الدولة، ويواجهان في سبيل ذلك حملة من الصفاقة اللفظيّة بلغت حدّاً يسبق عادة تحريك آلة القتل.

في المضمون، حدّد البيان السعوديّ الرسميّ أساسين للقرار: “الخطوات الإيجابيّة التي اتّخذتها الحكومة اللبنانيّة في  طريق إعادة بناء مؤسّسات الدولة”، و”ما أنجزته الفرق المختصّة طوال العام الماضي” مع “التعهّدات المطلوبة” التي قدّمها الجانب اللبنانيّ. يشير القرار بذلك إلى آليّة تحقّق أمنيّ وجمركيّ تمّ اختبارها على مدى عام كامل لمعالجة ملفّ تهريب الكبتاغون وضبط المنافذ، أي أنّ القرار جاء تتويجاً لمسار تقنيّ أبدت فيه الدولة ما يكفي من الجدّيّة.

ليست المملكة السعوديّة في حاجة إلى الرمّان اللبنانيّ، لكنّ قرارها الأخير يضع لبنان أمام مفترق طرق: إمّا العودة إلى البدهيّات، وإمّا استمرار ارتهان القرار اللبنانيّ لـ”رمّانة” الحزب وأولويّاته الإقليميّة

الرّسالة السّياسيّة

ربّما الرسالة السياسيّة الأهمّ في البيان السعوديّ: تأكيد بن فرحان ثقة المملكة باتّخاذ “جميع التدابير اللازمة لضمان عدم استخدام لبنان منصّةً للإضرار بأشقّائه” بعدما نال دول الخليج ما نالها من أذى “الحزب”، من الانخراط في حرب اليمن وإقامة معسكرات تدريب للحوثيّين وإدارة إعلامهم في الضاحية الجنوبيّة، إلى شبكات تهريب الكبتاغون، والخلايا المسلّحة التي يتوالى الكشف عنها في الكويت والبحرين.

يضع قرار الرياض لبنان على مفترق سياسيّ – اقتصاديّ:

  • إمّا طريق “الحزب” الذي عزل لبنان عن محيطه، وأوصله إلى ما يمكن أن يصل إليه من دمار وانكماش اقتصاديّ.
  • إمّا طريق الدولة الذي يعيد لبنان إلى المنظومة الاقتصاديّة العربيّة، فيعود الدور في المحيط وتعود الاستثمارات والسياحة.

قدّمت إيران لشيعة لبنان نموذجاً على مدى العقود الماضية يقوم على مصلحةٍ متبادلة: يقدّم هؤلاء ولاءهم لدولة الوليّ الفقيه، ويصبحون الجبهة المتقدّمة للدفاع عنها ويُقتل شبابهم في حروبها في مختلف الساحات. يكتسبون مقابل ذلك الدعم المادّي والعسكريّ للتفوّق على المكوّنات في الموازين الداخلية. وهذا ما يعبّر عنه مسؤولو “الحزب” في التهويل على جمهور الشيعة بأنّ خروجهم من المشروع الإيرانيّ يعني أن يعودوا “عتّالين وماسحي أحذية”، وكأنّ هذا الوصف يختزل ما كان عليه الشيعة قبل قيام “الحزب”!

وفّر هذا النموذج للشيعة شعوراً بالتفوّق العسكريّ والأمنيّ داخليّاً ما يزال يتحكّم بخطاب “الحزب” حتّى اليوم على الرغم من الحسرة على آلاف الشباب والدمار المرعب في الحرب الأخيرة. لكنّ إيران لم تقدّم نموذجاً اقتصاديّاً قابلاً للحياة في الداخل ولا في مناطق نفوذها في لبنان واليمن والعراق.

استشعر شيعة لبنان تحسّناً مادّيّاً ملموساً في العقود الماضية نتيجة لأمرين:

  • ميزانيّة “الحزب” التشغيليّة، لا سيما رواتب العسكريّين والموظّفين في الجهاز الإداريّ والمؤسّسات الاجتماعيّة التابعة، التي توفّر قوّة شرائيّة تشكّل عصب المؤسّسات التجاريّة في مناطق نفوذ “الحزب”.
  • الهيمنة على بعض المنافذ الحدوديّة، وما كانت تتيحه من تهرّب جمركيّ وضريبيّ، ومن نشاط لاقتصاد الظلّ.

لحظة الحقيقة

غير أنّ هذا النموذج يواجه لحظة الحقيقة من جانبين:

1- من الصعب أن يستمرّ التمويل الإيرانيّ لـ”الحزب” على وضعه الراهن في ظلّ أيّ اتّفاق مكتمل بين واشنطن وطهران. فتمويل الأذرع وتسليحها واحد من ثلاثة ملفّات أساسيّة في التفاوض الذي سبق الحرب الأخيرة، وباتت تصفية ملفّ الأذرع في صدارة الأولويّات الدوليّة. وجديرٌ التفكير مبكراً بالانعكاسات الاقتصاديّة لذلك على اقتصاد الضاحية والجنوب والبقاع الشماليّ.

2- يواجه اقتصاد التهريب أيضاً لحظة الحقيقة. وربّما يشكّل سقوط نظام الأسد في سوريا عاملاً حاسماً على هذا الصعيد. وما تعاون الدولة اللبنانيّة مع المملكة السعوديّة في مكافحة الكبتاغون سوى نموذج للقواعد الجديدة التي لا بدّ للبنان أن ينضوي فيها.

على كلّ حالٍ، لا يرقى التحسّن المادّيّ النسبيّ الذي عاشته مناطق نفوذ “الحزب” إلى أن يشكّل نموذجاً اقتصاديّاً مستداماً، ولا يشكّل بأيّ حالٍ بديلاً عن القطاعات الاقتصاديّة التي وجّه إليها “الحزب” ضربات قاتلة، بما تسبّب به للبنان من عزلة عن المحيط العربيّ.

عانى شباب الشيعة أكثر من سواهم، وخسر كثيرون منهم فرصاً للعمل، وواجهوا صعوبات في الحصول على تأشيرات إلى أوروبا وأميركا والخليج، نتيجة للصورة الذهنيّة التي رسمها “الحزب” عنهم بوصفهم أعضاء في الحرس الثوريّ الإيرانيّ إلى أن يثبت العكس.

قدّمت إيران لشيعة لبنان نموذجاً على مدى العقود الماضية يقوم على مصلحةٍ متبادلة: يقدّم هؤلاء ولاءهم لدولة الوليّ الفقيه، ويصبحون الجبهة المتقدّمة للدفاع عنها ويُقتل شبابهم في حروبها في مختلف الساحات

دولارات الحقائب ليست بديلاً

لا يمكن لرواتب “الحزب” المحمولة بحقائب الدولارات من إيران أن تشكّل بديلاً للبنان عن البدهيّات السياسيّة والاقتصاديّة والجغرافيّة:

  1. تحويلات المغتربين: يقدّرها البنك الدوليّ بنحو 6.6 إلى سبعة مليارات دولار سنويّاً، أي ما يوازي قرابة ربع إلى خُمس حجم الاقتصاد الوطنيّ بعد الأزمة، وهي من أعلى النسب في العالم. وحصّة دول الخليج وحدها تراوح بين 3 و3.5 مليارات دولار، أي نحو نصف الإجمالي، مصدرها جالية لبنانيّة في الخليج تقارب نصف مليون شخص. وهؤلاء هم الذين موّلوا استهلاك اللبنانيّين بعد أزمة 2019.
  2. السياحة: كان حظر السفر السعوديّ والإماراتيّ في السنوات الماضية قاتلاً للقطاع. فالسائح الخليجيّ يبقى صاحب أعلى معدّل إنفاق فرديّ.
  3. الاستثمارات: كانت تقديرات ما قبل القطيعة تشير إلى نحو 214 شركة خليجيّة مسجّلة في لبنان برأسمال يتجاوز 10 مليارات دولار. هذه الاستثمارات قابلة لإعادة التنشيط، وقد أعلنت المملكة السعوديّة العام الماضي نيّتها إرسال وفود استثماريّة ودرس صناديق دعم، لكنّ الأمر يبقى رهناً بالمسار الذي يختاره اللبنانيّون لأنفسهم.
  4. التصدير: بلغت الصادرات اللبنانيّة إلى المملكة السعوديّة نحو 240 مليون دولار عام 2020، آخر سنة كاملة قبل الحظر. وكانت دول الخليج مجتمعة تستقبل نحو 30% من الصادرات اللبنانيّة. ومعروف أنّ الحظر السعوديّ شمل أيضاً منع العبور )الترانزيت( عبر الأراضي السعوديّة، وهو ما قطع طريق لبنان البرّيّ إلى الخليج كلّه.

إقرأ أيضاً: الرسالة السياسية من وراء فتح الأسواق السعوديّة للبنان؟

ليست المملكة السعوديّة في حاجة إلى الرمّان اللبنانيّ، لكنّ قرارها الأخير يضع لبنان أمام مفترق طرق: إمّا العودة إلى البدهيّات، وإمّا استمرار ارتهان القرار اللبنانيّ لـ”رمّانة” الحزب وأولويّاته الإقليميّة على حساب المصالح الاقتصاديّة الحيويّة للّبنانيّين جميعاً، وأوّلهم الشيعة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@OAlladan

مواضيع ذات صلة

كيف يفكّر جوزف عون؟

يعيش الرئيس العماد جوزف عون منذ أسابيع أصعب وأدق أيام حياته. بعد يوم عمل طويل وشاق يبدأ من ساعات الصباح المبكرة، يتابع فيها أحوال أسرته،…

انتخابات المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ: تكريس لهيمنة السّلطة

أثار النظام الانتخابيّ الجديد للمجلس الوطنيّ الفلسطينيّ نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسيّة والقانونيّة، وسط انتقادات تتناول مسّه بصورة مباشرة طبيعة منظّمة التحرير وهويّتها السياسيّة ودورها…

كرامي: الدولة أولاً..العروبة هوية.. البوصلة سعودية..

مضى أكثر من أسبوعٌ كامل على إحياء مدينة رشيد كرامي الذكرى التاسعة والثلاثين لاغتيال الرئيس رشيد كرامي. وبعد انقشاع غبار الانتقادات وخفوت ضجيج الجيوش الإلكترونية،…

الرسالة السياسية من وراء فتح الأسواق السعوديّة للبنان؟

تفتح المملكة السعوديّة أسواقها أمام الصادرات اللبنانيّة، بتوجيه من وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان بناء على طلب رئيس الجمهوريّة جوزف عون. في الخبر…