كانت أمام إيلون ماسك فرصة أخيرة لتجنّب الإفلاس عام 2008، بعدما فشلت شركته SpaceX ثلاث مرّات في إيصال صاروخ “فالكون 1” إلى المدار. وكان في حسابه البنكيّ ما يكفي لمحاولة واحدة أخرى فقط. ما حدث أنّ المحاولة نجحت، وتغيّر التاريخ بعدها.
بتاريخ 12 حزيران 2026، وصلت القيمة السوقيّة لشركة SpaceX إلى 2.1 تريليون دولار، بعدما باتت وكالة الفضاء الأميركيّة (ناسا) زبوناً لديها في إطلاق الصواريخ، وأصبحت فكرة استعمار المرّيخ والقمر مشروعاً قابلاً للتمويل التجاريّ عبر شركة خاصّة. وبات إيلون ماسك أوّل تريليونير على وجه الأرض.
تعادل ثروة ماسك اليوم ما يملكه 3.8 مليارات إنسان، أي نحو 46% من البشر مجتمعين. وتعادل اقتصاد 90 دولة مجتمعة، وتفوق حجم اقتصاد سويسرا بكامله، ونحو ثلث اقتصاد بريطانيا. ولو وُضعت ثروته بين اقتصادات الدول لدخل وحده “مجموعة العشرين”.
وصلت ثروة ماسك إلى هذا الحدّ الأسطوريّ بفضل الطرح العامّ لشركة SpaceX. باعت الشركة 4.2% فقط من أسهمها في اكتتاب عامّ تمهيداً لإتاحتها للتداول في بورصة نيويورك، لكنّ هذه النسبة المحدودة بلغت قيمتها 75 مليار دولار، ليكون الطرح الأكبر في التاريخ. وبذلك وصلت القيمة السوقيّة للشركة ككلّ إلى قرابة 1.8 تريليون دولار قبل إدراج أسهمها في البورصة، ثمّ قفزت في نهاية أوّل يوم تداول إلى نحو 2.1 تريليون دولار. وبما أنّ إيلون ماسك يملك 42% تقريباً من أسهم الشركة، قفزت قيمة حصّته في الشركة، وقفزت ثروته.
تعادل ثروة ماسك اليوم ما يملكه 3.8 مليارات إنسان، أي نحو 46% من البشر مجتمعين. وتعادل اقتصاد 90 دولة مجتمعة، وتفوق حجم اقتصاد سويسرا بكامله
شراء المستقبل المذهل
الصادم أنّ الشركة لا تربح، بل إنّها سجّلت خسائر قاربت خمسة مليارات دولار العام الماضي، ومع ذلك دفع المستثمرون هذا الرقم القياسيّ مقابل حصّة صغيرة. بل إنّ الطلبات فاقت قيمة الأسهم المعروضة بأربعة أضعاف تقريباً. فهل هي حمّى جنونيّة أم المستثمرون يشترون المستقبل المذهل الذي تعِد به الشركة؟
أُسّست “سبايس إكس” عام 2002، حين كان إطلاق الصواريخ إلى الفضاء حكراً على الحكومات الكبرى وتكلفته تُحسب بمئات الملايين. الفكرة التي بنى عليها ماسك الشركة كانت بسيطة: الصاروخ يجب أن لا يُستخدم مرّة واحدة ثمّ يُرمى في المحيط، تماماً كما لا نحرق الطائرة بعد كلّ رحلة.
بعد الكثير من التجارب الفاشلة التي كادت تودي به إلى الإفلاس، نجحت “سبايس إكس” في تطوير صواريخ تهبط عموديّاً ويُعاد استخدامها عشرات المرّات، فخفضت كلفة الوصول إلى المدار إلى جزءٍ يسير ممّا كانت عليه.
لكنّ الشركة التي دخلت البورصة يوم الجمعة لم تعُد شركة صواريخ فحسب، بل هي اليوم ثلاث شركات في كيان واحد:
- شركة الإطلاق الفضائيّ التي تسيطر على نحو 82% من سوق الإطلاق التجاريّ العالميّ، وتنفّذ مهمّات لناسا والبنتاغون، وتطوّر صاروخ “ستارشيب” العملاق المصمّم للوصول إلى القمر والمريخ.
- خدمة الاتّصالات “ستارلينك”، التي أحدثت ثورة في خدمات الإنترنت الفضائيّ، عبر شبكة من آلاف الأقمار الصناعيّة الصغيرة في المدار المنخفض. وتشمل خدماتها المناطق النائية التي لا تصل إليها الألياف الضوئيّة، والطائرات المدنيّة، والسفن في عرض المحيط، وحتّى جبهات القتال في أوكرانيا. هذا القسم تحديداً هو الذي يدرّ المال حاليّاً في الشركة، إذ يمثّل أكثر من 60% من إيرادات الشركة، وهو القطاع الوحيد الرابح فيها.
- شركة الذكاء الاصطناعي xAI، التي تمّ دمجها في “سبايس إكس” في شباط الماضي في صفقة قُدّرت بنحو 250 مليار دولار، وضمّت تحت سقفها نموذج “غروك” ومنصّة X (تويتر سابقاً) ومجمّع الحوسبة العملاق Colossus.
الثّورات الأربع
بهذه الشبكة الثلاثيّة لا يحلم ماسك بتغيير الحياة على كوكب الأرض فحسب، بل على القمر والمرّيخ أيضاً، عبر ثورات تقنيّة متعدّدة الأوجه ومتفاوتة الأفق الزمنيّ:
- الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام: ثورة باتت أمراً واقعاً
هذه ثورة أخطر بكثير من اختراع الصاروخ نفسه، وقد تحقّقت فعليّاً منذ ما يقارب عقداً. خفضت كلفة الإطلاق إلى جزءٍ يسير ممّا كانت عليه، وأتاحت إطلاق آلاف الأقمار الصناعيّة، فأصبح الإنترنت العالي السرعة متاحاً عبر “ستارلينك” في الأماكن النائية ومناطق النزاعات لأكثر من عشرة ملايين مشترك في العالم.
- مراكز البيانات الفضائيّة: دخلت الأفق التّشغيليّ في 2026
ميزتها البنيويّة أنّ الطاقة الشمسيّة أقوى بكثير خارج الغلاف الجوّيّ، والتبريد طبيعيّ تقريباً، فتصبح خدمات الحوسبة أقلّ تكلفة وأقلّ استهلاكاً للطاقة. والشركة المتقدّمة في هذا السباق هي “سبايس إكس” نفسها عبر بنية “ستارلينك V3″، ومن المنتظر أن تدخل أولى الخدمات السحابيّة التجاريّة حيّز التشغيل في المدار قبل نهاية العام الحاليّ.
- اقتصاد القمر: في الأفق المنظور بين 2027 و2030.
عودة الإنسان إلى سطح القمر مبرمجة خلال السنوات الثلاث المقبلة عبر برنامج Artemis التابع لناسا، بواسطة مركبة Starship التابعة لـ”سبايس إكس”. والهدف هذه المرّة إنشاء اقتصاد قمريّ كامل يشمل التصنيع وإنتاج الطاقة خلال العقد المقبل. يضاف إلى ذلك ازدهار سياحة الفضاء، وهي قائمة بالفعل حاليّاً إلى المدار الأرضيّ المنخفض.
- استيطان المرّيخ: الأفق الأبعد
هذا هو المشروع الأطول زمنيّاً والأكثر مخاطرة. ماسك يعِد بمهمّة غير مأهولة إلى المرّيخ بحلول 2029 ومأهولة في الثلاثينيّات، لكنّ التقدير الواقعيّ لمستوطنة بشريّة دائمة هو منتصف القرن أو بعده. تقدّر الشركة نفسها سوقها المستهدفة الإجماليّة بـ28.5 تريليون دولار، وتصفها بأنّها الأكبر في تاريخ البشريّة، لكنّه رقم ينبغي التعامل معه كطموح تسويقيّ لا كحقيقة محاسبيّة.
أُسّست “سبايس إكس” عام 2002، حين كان إطلاق الصواريخ إلى الفضاء حكراً على الحكومات الكبرى وتكلفته تُحسب بمئات الملايين
مع ذلك، ثمّة انتقادات كثيرة للتسعير المجنون للشركة. يرى العديد من مراكز الأبحاث أنّ قيمتها الحقيقيّة لا تستحقّ سوى نصف القيمة التي أعطاها إيّاها السوق. وما يدعم هذا التحفّظ أنّ الشركة تسجّل خسائر بالمليارات، وسهمها يُتداول عند أكثر من 100 ضعف الإيرادات السنويّة، بينما الشركات التقنيّة الكبرى تتُداول عادةً بين 5 و15 ضعفاً.
وبالتالي فإنّ التقييم المرتفع يفترض الثورات الأربع التي تعِد بها الشركة. وهناك ما يعرف بـ”مخاطر الرجل الواحد”، إذ إنّ ثقة السوق بالشركة تقوم على ثقتها بإيلون ماسك، وهذا بحدّ ذاته سيف ذو حدّين.
لكن مهما يكن النقاش في تقييم الشركة ومخاطرها، تجسّد هذه الثورات قدرة الحلم الأميركيّ على إعادة اختراع نفسه بقوّة اليد الخفيّة للسوق، على نحو ما نظّر له فيلسوف الاقتصاد الحرّ آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم”. يصنع الثروة الأميركيّة الجديدة رجلٌ ليس بنفسه عالماً ولا مخترعاً، بل عبقريّ يحمل رؤية للمستقبل، ويوظّف العلم وقوى السوق لتحويل جملةٍ من الأحلام إلى شركة بقيمة تريليونَي دولار.
أرقام “سبايس إكس”
1.77 تريليون دولار
هي القيمة السوقيّة لشركة “سبايس إكس” بعد الطرح العامّ، وقبل إدراجها في البورصة. الرقم هو ناتج ضرب قيمة السهم (135 دولاراً للسهم الواحد) بعدد أسهم الشركة ككلّ. وهو مختلف عن قيمة المبلغ الذي جمعته الشركة فعليّاً من بيع الأسهم.
2.1 تريليون دولار
هي القيمة السوقيّة للشركة في ختام أوّل يوم تداول، بعدما قفز السهم بنحو 19% ليغلق عند قرابة 161 دولاراً للسهم. وبذلك أصبحت قيمة الشركة أعلى من “تسلا”، وسادس أكبر شركة مدرجة في أميركا من يومها الأوّل.
75 مليار دولار
هو حجم الطرح. هذا هو المبلغ الذي جمعته الشركة فعليّاً من بيع نحو 555 مليون سهم جديد. وهو أكبر طرح عامّ أوّليّ في التاريخ. تجاوز بفارق كبير الرقم القياسيّ السابق الذي سجّلته أرامكو السعوديّة عام 2019 حين جمعت نحو 29 مليار دولار. للمقارنة: “سبايس إكس” وحدها جمعت أكثر ممّا جمعته كلّ الطروحات الأميركيّة في عامَي 2024 و2025 مجتمعةً.
إقرأ أيضاً: الضّغط على اللّيرة يبدأ بعد الحرب؟
250 مليار دولار
هو حجم الطلبات من المستثمرين لشراء السهم في الاكتتاب العامّ. المستثمرون قدّموا طلبات شراء تفوق ما هو معروض بثلاث إلى أربع مرّات. ومعنى ذلك أنّه حين يطلب المستثمرون أسهماً بـ 250 ملياراً والمعروض 75 ملياراً فقط، تُوزَّع الأسهم وفق معادلات وأولويّات محدّدة.
1.1 تريليون دولار
هي قيمة ثروة إيلون ماسك بعد نهاية اليوم الأوّل لتداول السهم. يملك ماسك نحو 42% من سبايس إكس، أي قرابة 4.8 مليارات سهم. وبسعر 161 دولاراً للسهم، تصل قيمة هذه الحصّة إلى نحو 770 مليار دولار. أضف إليها حصّته في تسلا وأصوله الأخرى، فتتجاوز الثروة الإجماليّة 1.1 تريليون دولار، ويصبح أوّل تريليونير في التاريخ. للمنظور: 19 دولة فقط في العالم يتجاوز ناتجها المحلّيّ الإجماليّ التريليون، وثروة ماسك وحدها تعادل ثروات أصحاب المراتب الثلاث التالية على قائمة الأثرياء مجتمعين.
لمتابعة الكاتب على X:
