فيما كانت وكالة “مهر” الإيرانيّة تعلن، في خبر عاجل لها أمس الأربعاء، أنّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي اتّصل هاتفيّاً بنظيره السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان، كان إعلام “الحزب” وجيوشه الإلكترونيّة يشنّ هجوماً على الأمير يزيد بن فرحان، متّهماً إيّاه بتحريك وإدارة المرجعيّات الدينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة في لبنان.
بالعودة إلى اتّصال عراقجي بالوزير السعوديّ، كان مضمون الاتّصال، وفقاً لوكالة “مهر” الإيرانيّة، هو تأكيد ضرورة مواصلة مسار الدبلوماسيّة والتعاون بين دول المنطقة لمنع تصاعد التوتّر. سؤالٌ يطرح نفسه على خلفيّة هذه المحاكاة بين إيران في الصين وإيران في لبنان: هل إيران في الصين، عبر عراقجي، تختلف وتنقسم كما إيران في لبنان، عبر إعلامها وجيوشها الإلكترونيّة ومسؤولي حزبها، درّة التاج الإيرانيّ كما يقولون.
تكمن أهميّة اتّصال عراقجي بدايةً في مكانه، إذ أجراه من بكين، عاصمة الصين، حيث عُقد اللقاء السعوديّ – الإيرانيّ وأنتج اتّفاقاً بين البلدين في 10 آذار 2023، وأُطلق عليه اسم “اتّفاق بكين”، الذي أنهى قطيعة بدأت عام 2016. لقد تضمّن الاتّفاق حينها فتح السفارات، احترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخليّة، وتفعيل الاتّفاقيّات الأمنيّة والاقتصاديّة السابقة. أمّا الأهميّة الثانية لاتّصال عراقجي فهي تحدّثه عن التعاون بين دول المنطقة، أي التعاون بين إيران ودول الخليج العربيّ بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة.
يدور ويحور النظام الإيرانيّ في مختلف الاتّجاهات، وعندما تُقفل الأبواب بوجهه يعود إلى بكين. هكذا فعل في التاسع من كانون الأوّل عام 2025، حين أكّدت إيران، عقب انعقاد الاجتماع الثالث للّجنة المشتركة السعوديّة – الإيرانيّة – الصينيّة في طهران، التزام مسار بكين 2023. وها هي اليوم، عبر عراقجي في بكين مجدّداً، تسعى إلى إعادة التأكيد أو إحياء مسار بكين 2023.
تكمن أهميّة اتّصال عراقجي بدايةً في مكانه، إذ أجراه من بكين، عاصمة الصين، حيث عُقد اللقاء السعوديّ – الإيرانيّ وأنتج اتّفاقاً بين البلدين في 10 آذار 2023، وأُطلق عليه اسم “اتّفاق بكين”
ماذا عن “الحزب”؟
يُطرح أمران لا ثالث لهما في واقع تعاطي “الحزب” وإعلامه وجيوشه الإلكترونيّة مع المملكة العربيّة السعوديّة:
1- لا يدري “الحزب” شيئاً عن المساعي الإيرانيّة تجاه المملكة السعوديّة، تماماً كما كان أمينه العامّ الأسبق الراحل حسن نصرالله لا يدري شيئاً عن اتّفاق بكين، وبالتالي يجتهد ويخمّن ويحلّل “خبط عشواء”، لا يدري ما يحصل ولا كيف يحصل أو ما يمكن أن يحصل.
2- إنّ “الحزب” منخرط في رواية الانقسام الإيرانيّ بين سلطة سياسيّة وحرس ثوريّ، وهو بعُدّته وعديده وأذرعه الإعلاميّة وغير الإعلاميّة منخرط في هذا الانقسام مع الحرس الثوريّ في مواجهة السلطة السياسيّة الرسميّة في إيران.
في الحالتين، يعيش “الحزب” وأدواته أزمة كبيرة أو داءً خطِراً. يراوح هذا الداء بين الانفصام أو انقطاع الاتّصال بالمصدر، وهو ما يجعل السؤال المحوريّ: ماذا يحصل داخل “الحزب”؟
لا يدري “الحزب” شيئاً عن المساعي الإيرانيّة تجاه المملكة السعوديّة، تماماً كما كان أمينه العامّ الأسبق الراحل حسن نصرالله لا يدري شيئاً عن اتّفاق بكين
فقدان المعلومة
يعاني “الحزب” أزمة فقدان المعلومة في عدّة اتّجاهات ومآلات منذ خسارته الحرب أمام إسرائيل وتوقيعه قرار وقف إطلاق النار عام 2024:
1- لا يدري مصير المرشد مجتبى خامنئي، ولا كونه حيّاً أو مصاباً أو غير ذلك.
2- لا يدري عدد قتلاه على الجبهة مع إسرائيل، ولا عدد أسراه، وكلّ ذلك يقع تحت مسمّى “مفقود الأثر”.
3- لا يدري من بقي معه من حلفائه ومن انقلب عليه في مختلف الساحات الإسلاميّة والمسيحيّة.
4- لا يدري حجم الخرق الإسرائيليّ لبنيته الأمنيّة والعسكريّة، وكيف تصطاد إسرائيل كوادره بالصوت والصورة.
5- ليس متأكداً ما إذا كانت الورقة الإيرانيّة التفاوضيّة ستشمله أم تبيعه.
ربّما الأهمّ أنّه لا يدري كيف حصل كلّ ذلك.
إقرأ أيضاً: التدخل السعودي أرسى التوازن اللبناني
موقف “الحزب” وتوابعه من المملكة العربيّة السعوديّة وسياساتها مخالف لموقف إيران وأجهزتها وتيّاراتها. وهو أمر بالغ التعقيد، ومؤشّر خطِر إلى أنّ فريقاً لبنانيّاً اسمه “الحزب” قد فقد السيطرة والتحكّم بعمله في السياستين الداخليّة والخارجيّة، تماماً كعمله في الميدان، إذ يستند إلى مجموعات صغيرة بعضها لا علاقة له بالبعض الآخر، وتتحرّك وفقاً لظروفها وتقديراتها، مجموعات تنفّذ أوامر قديمة وسط وقائع جديدة.
لمتابعة الكاتب على X:
