الهدنة بين طهران وواشنطن.. من يدفع الثمن؟

مدة القراءة 5 د

ليست المعضلة دائماً في اندلاع الحرب، بل أحياناً في غيابها. ذلك الوضع المعلّق بين التصعيد والانفراج، بين مفاوضات لا تتقدّم ومواجهة لا تقع، يخلق شكلاً آخر من النزاع، أقلّ صخباً لكنّه أكثر إنهاكاً. هنا لا يعيش الإقليم سلاماً حقيقيّاً، ولا يواجه حرباً مكتملة، بل يقيم في منطقة انتظار مفتوحة، تُستنزف فيها الدول، وتُستهلك فيها الأسواق، وتُدار فيها المخاطر بدل معالجتها. هذه هي معضلة اللحظة الراهنة بين إيران والولايات المتّحدة، التي تتحوّل فيها الهدنة من فرصة مؤقّتة إلى حالة قائمة بذاتها لا توقف الصراع بل تعيد إنتاجه بصيغة أكثر ضبابيّة.

 

لا يصنع هذا النوع من التعليق توازناً كما يُروَّج أحياناً، بل يؤسّس لخلل ممتدّ. حين لا تُحسم الأزمة ولا تُعالج جذورها، يصبح الجميع في وضع دفاعيّ. تبني الحكومات سياساتها على الاحتمالات، لا على الوقائع، وتتحرّك الاقتصادات بحذر، لا بثقة، ويعيد الفاعلون الإقليميّون تموضعهم وفق تقدير الخطر، لا وفق أفق استقرار. هكذا تتحوّل الهدنة نفسها إلى عنصر توتّر، بدل أن تكون جسراً للتهدئة. 

ليست المعضلة دائماً في اندلاع الحرب، بل أحياناً في غيابها. ذلك الوضع المعلّق بين التصعيد والانفراج، بين مفاوضات لا تتقدّم ومواجهة لا تقع، يخلق شكلاً آخر من النزاع

الجميع خاسر؟

الإقليم أوّل من يدفع الثمن لأنّ المنطقة تعيش تحت ضغط أزمة لا تنفجر ولا تنطفئ. تعمل طرق التجارة تحت احتمال التعطيل، تسعِّر أسواق الطاقة القلق قبل الوقائع، ويبقى القرار السياسيّ أسير الحسابات الاحترازيّة. الأخطر أنّ هذا الوضع يفرض على دول المنطقة كلفة دائمة للاستعداد، وكأنّها تعيش في حالة طوارئ لا تُعلَن رسميّاً لكنّها حاضرة في كلّ الحسابات.

يضغط استمرار الأزمة بهذه الصيغة على إيران ببطء على الرغم ممّا يبدو من استفادتها من تجنّب الحرب المفتوحة. لا يأتي الاستنزاف فقط من العقوبات أو التهديدات، بل من استمرار بيئة معلّقة تمنع الاقتصاد من التنفّس، وتبقي الداخل تحت توتّر مزمن. لا تتأقلم الأسواق مع الغموض المفتوح، ولا يراهن الاستثمارعلى أزمات بلا مواعيد. أكثر من ذلك، لا تحتفظ أدوات الضغط الإيرانيّة نفسها بالقيمة ذاتها حين تُستخدم على شكل رسائل متقطّعة لأنّ الردع يفقد جزءاً من أثره حين يتحوّل إلى روتين.

بدورها واشنطن ليست في موقع الرابح كما يبدو أحياناً. تختلف إدارة أزمة طويلة عن كسبها. كلّ يوم يمرّ من دون ترتيب سياسيّ واضح يعني استمرار كلفة الردع، وكلفة الانتشار، وكلفة حماية التوازن الهشّ. حين تطول الأزمة بلا غاية محدّدة، تبدأ المشكلة في الرسالة نفسها: ما الذي تريده الولايات المتّحدة بالضبط؟ اتّفاق جديد؟ احتواء مستدام؟ تعديل سلوك؟ أم إبقاء الملفّ تحت السيطرة المؤقّتة؟ لا يربك غياب الإجابة الواضحة الخصم وحده، بل يضعف مركز القوّة ذاته.

يتضرّر حلفاء الطرفين أيضاً لأنّ الهدنة الحاليّة لا تمنحهم يقيناً، بل تؤجّل القلق. لا أحد يطمئنّ إلى وضع يمكن أن ينقلب بسبب حادث بحريّ أو ضربة محدودة أو تعثّر تفاوضيّ جديد. هذا النوع من الهدوء لا يخلق قواعد استقرار، بل يترك الجميع مترقّبين للاختبار التالي.

غير أنّ الخسارة الأعمق تقع على فكرة التفاوض نفسها. حين تتحوّل جولات الحوار، مثل ما يجري في إسلام آباد، إلى إدارة وقت بدل صناعة اختراق، يفقد التفاوض معناه السياسيّ. يصبح أداة لتجميد الأزمة، لا لحلّها. هذه نقطة خطِرة لأنّ تآكل الثقة بالمفاوضات يدفع الأطراف تدريجاً إلى إعادة الاعتبار لأدوات الضغط الميدانيّ.

هنا تنكشف مفارقة الوضع الراهن. لا إيران تحصل على تخفيف حقيقيّ للضغوط، ولا أميركا تنتج ترتيباً مستقرّاً، ولا المنطقة تنال أمناً فعليّاً. الجميع يدير الأزمة، ولا أحد يحلّها.

السؤال إذاً: من يستفيد؟

قد يبدو أنّ أطرافاً معيّنة تستثمر في هذا الفراغ، من شبكات مصالح مرتبطة بالتوتّر، إلى قوى ترى في الأزمات المفتوحة فرصة لتعزيز نفوذها. لكنّ هذه استفادات هامشيّة، لا تغيّر حقيقة أنّ الدول نفسها تخسر من استمرار هذا الوضع.

الحرب، مهما كانت مدمّرة، تحسم شيئاً. السلام، إن تحقّق، يبني شيئاً. أمّا اللاسلم واللاحرب فلا يحسم ولا يبني، بل يؤجّل. والتأجيل هنا ليس حياداً، بل شكل من التآكل البطيء.

هذا يظهر بوضوح في الاقتصاد كما في السياسة. يستطيع السوق امتصاص صدمة واضحة أكثر ممّا يحتمل توتّراً مزمناً غير قابل للتسعير. كذلك الدول يمكنها اتّخاذ قرارات تحت وضوح الخطر، لكنّها ترتبك تحت غموض طويل. لهذا لا تبدو الهدنة الحاليّة، في جوهرها، منعاً للحرب بقدر ما هي تجميد للصراع مع استمرار نزيفه.

تكتسب مفاوضات إسلام آباد، على الرغم من جمودها، أهميّة أكبر ممّا يبدو. ليس الرهان على اتّفاق شامل فقط، بل على منع المنطقة من التحوّل إلى رهينة هدنة بلا نهاية

هدنة بلا نهاية؟

ثمّ هناك عامل لا يُناقَش كثيراً: يمنح هذا الوضع كلّ طرف فرصةً لتشديد خطابه الداخليّ. ترفع طهران منسوب خطاب الصمود، وتعيد واشنطن إنتاج خطاب الردع، لكنّ ارتفاع السقف الخطابيّ يجعل أيّ تسوية لاحقة أكثر كلفة سياسيّاً. كلّما تضخّم الخطاب، ضاقت مساحة التراجع، وصار الوقت نفسه عامل ضغط إضافيّاً.

هنا يصبح أخطر ما في المشهد هو وهم السيطرة. يتصرّف الجميع كما لو أنّ الأزمة قابلة للإدارة إلى ما لا نهاية، بينما التاريخ مليء بلحظات انفجرت فيها الحروب لأنّ الأطراف اعتقدت أنّها تمسك بالخيوط.

إقرأ أيضاً: دمشق وعمّان: من إدارة الأزمة إلى تقاطع المصالح

لذلك قد لا يكون السؤال الأدقّ: مَن المتضرّر من اللاسلم واللاحرب؟ بل مَن يملك القدرة على العيش داخل هذه الصيغة طويلاً؟ والجواب، على الأرجح، لا أحد.

من هنا تكتسب مفاوضات إسلام آباد، على الرغم من جمودها، أهميّة أكبر ممّا يبدو. ليس الرهان على اتّفاق شامل فقط، بل على منع المنطقة من التحوّل إلى رهينة هدنة بلا نهاية.

مواضيع ذات صلة

سلام: التفاوض المباشر أقصر الطرق وأقلّها كلفة

يتمهّل رئيس الحكومة نوّاف سلام في الحكم على الجولتين الأخيرتين، الخامسة والسادسة، من المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة في واشنطن، من دون أن يقلّل من…

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…