يعلم الجميع أنّ الحرب الدائرة في الشرق الأوسط لن تكون صراعاً يتوقّف بعد إعلان لحظة سقوط آخر صاروخ أو مسيّرة. الحرب القائمة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل وبين إيران لم تترك للدول الخليجيّة رفاهية التحليل البارد أو الانتظار، لأنّها انتقلت بسرعة من صراع بين قوى كبرى إلى واقع أمنيّ يطال المدن والمنشآت والممرّات الاقتصاديّة مباشرة. ومع سقوط الصواريخ ووصول المسيّرات إلى المجال الحيويّ لدول المنطقة، أصبح واضحاً أنّ الخليج لا يواجه أزمة عسكريّة تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تحدٍّ وجوديّ يفرض إعادة حسابات استراتيجيّة شاملة لما بعد الحرب، لا فقط كيفيّة إدارتها أثناء وقوعها.
طوال عقود، قام الأمن الخليجيّ على فرضيّة أساسيّة مفادها أنّ الاستقرار الاقتصاديّ يمكن حمايته عبر مظلّة ردع دوليّة، وأنّ وجود التحالفات العسكريّة الكبرى كفيل بإبعاد الحروب عن الداخل الخليجيّ. غير أنّ التصعيد الحاليّ كشف حدود هذه الفرضيّة. حين تتحوّل المواجهة مع إيران إلى حرب مفتوحة، فإنّ الجغرافيا الخليجيّة تصبح تلقائيّاً جزءاً من معادلة الردّ، سواء أرادت ذلك أم لا. لم يعد ممكناً الفصل بين ساحة الحرب ومحيطها، لأنّ طبيعة الصراع نفسه تقوم على توسيع نطاق الضغط عبر استهداف نقاط الحساسيّة الاقتصاديّة والطاقويّة.
هنا تظهر أولى الحقائق القاسية: تحمل الحرب ضدّ إيران في جوهرها احتمال استهداف البنية التحتيّة الخليجيّة. إيران، في منطق الردع الذي تتبنّاه، لا تنظر فقط إلى مصدر الضربة المباشر، بل إلى البيئة العسكريّة والسياسيّة التي تسمح بها. ومع وجود قواعد أميركيّة وانتشار عسكريّ غربيّ في عدد من دول الخليج، تصبح هذه الدول موضوعيّاً جزءاً من الحسابات العسكريّة الإيرانيّة. لذلك لم تكن الضربات الصاروخيّة والمسيّرات ردوداً تكتيكيّة وحسب، بل إعلان عمليّ بأنّ منشآت الطاقة والاقتصاد الخليجيّ تدخل ضمن بنك الأهداف في أيّ مواجهة واسعة.
الحرب القائمة بين أميركا وإسرائيل وبين إيران لم تترك للدول الخليجيّة رفاهية التحليل البارد أو الانتظار، لأنّها انتقلت بسرعة من صراع بين قوى كبرى إلى واقع أمنيّ يطال المدن والمنشآت والممرّات الاقتصاديّة مباشرة
حرب ضدّ الاستقرار
ينقل هذا التحوّل الحرب من كونها صراعاً عسكريّاً إلى كونها حرباً ضدّ الاستقرار ذاته. لا تعتمد اقتصادات الخليج فقط على إنتاج النفط، بل على الثقة العالميّة باستمراريّة التدفّق والأمان الملاحيّ والبيئة الاستثماريّة المستقرّة. أيّ تهديد للمنشآت النفطيّة أو للموانئ أو للملاحة البحريّة في الخليج لا يعني خسارة اقتصاديّة مؤقّتة فحسب، بل اهتزاز صورة المنطقة كركيزة أساسيّة في الاقتصاد العالميّ. ومن هنا تصبح زعزعة الاستقرار الماليّ والتجاريّ أخطر من الضربة العسكريّة نفسها، لأنّ أثرها يمتدّ زمنيّاً ويعيد تشكيل سلوك المستثمرين والأسواق لسنوات.
أظهرت الحرب الحاليّة أيضاً أنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه دول الخليج هو التحوّل التدريجيّ إلى ساحة مواجهة غير مرغوبة. يدفع التصعيد المتبادل المنطقة قسراً نحو الاصطفاف داخل “خندق معادٍ” لم تختَره بالكامل، وهو ما يهدّد الدور الذي حاولت العواصم الخليجيّة ترسيخه خلال السنوات الأخيرة بوصفها جسراً دبلوماسيّاً ومساحة توازن إقليميّ. عندما تتوسّع رقعة الحرب، يتقلّص هامش الحياد، وتصبح الجغرافيا أقوى من السياسة.
يفرض هذا الواقع ضرورة إعادة الحسابات الاستراتيجيّة الخليجيّة بطريقة أعمق من مجرّد تعزيز الدفاعات العسكريّة. يتمثّل أوّل هذه الحسابات في مسألة استخدام الأراضي والأجواء. أثبتت التجربة الجارية أنّ أيّ ارتباط مباشر بالعمليّات العسكريّة ضدّ إيران يرفع احتمالات الردّ الانتقاميّ. لذلك يتّجه التفكير الخليجيّ نحو تثبيت مبدأ واضح: تقليل استخدام الأراضي الخليجيّة كنقطة انطلاق لأيّ عمل عسكريّ هجوميّ، ليس بدافع الابتعاد عن التحالفات، بل لحماية الداخل من الانخراط القسريّ في الحرب.
توازن دبلوماسيّ أكثر تعقيداً
إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة إلى توازن دبلوماسيّ أكثر تعقيداً. لم تعد الدبلوماسيّة هنا خياراً سياسيّاً ناعماً وحسب، بل أداة أمنيّة صلبة. التهدئة، فتح قنوات حوار، وبناء شبكات تعاون إقليميّ، كلّها وسائل لرفع كلفة استمرار الصراع على الأطراف المتحاربة، وتقليل احتمالات انتقاله إلى الداخل الخليجيّ. لقد أدركت دول المنطقة أنّ أفضل وسيلة لحماية أمنها ليست الانتصار في الحرب، بل تقليل احتمالات توسّعها.
يتمثّل التحوّل الأعمق في إعادة مركزيّة مفهوم الأمن القوميّ بمعناه الداخليّ. لم تعد الأولويّة فقط لمعادلات القوّة الدوليّة، بل لحماية الاستقرار الاقتصاديّ والاجتماعيّ المحلّيّ. تحتاج المشاريع التنمويّة الكبرى التي أطلقتها دول الخليج خلال العقد الأخير إلى بيئة إقليميّة هادئة لعقود مقبلة، لا إلى منطقة تعيش دورات صراع متكرّرة. لذلك بدأت تظهر قناعة بأنّ التبعيّة المطلقة لمشاريع الصراع الدوليّة أو الإقليميّة قد تحمل كلفة أعلى من مكاسبها الأمنيّة.
في قلب هذا النقاش يبرز سؤال حسّاس: هل الحماية العسكريّة الخارجيّة ما تزال تحقّق المعادلة نفسها التي حقّقتها في الماضي؟
كان وجود القواعد الأميركيّة لعقود عنصر ردع أساسيّاً، لكنّه في زمن الحرب المفتوحة يصبح أيضاً سبباً مباشراً للاستهداف. لا تعني هذه الازدواجيّة بالضرورة التخلّي عن التحالفات، لكنّها تعني أنّ الأمن الخليجيّ بات مطالَباً بإعادة التوازن بين الحاجة إلى الحماية وبين تقليل الانكشاف الاستراتيجيّ.
أظهرت الحرب الحاليّة أيضاً أنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه دول الخليج هو التحوّل التدريجيّ إلى ساحة مواجهة غير مرغوبة
تعزّز الحرب الحاليّة أيضاً الشكوك في فكرة الحسم العسكريّ ضدّ إيران. يدرك المحلّلون العسكريّون أنّ تفكيك القدرات الإيرانيّة عبر الضربات الجوّية وحدها لا يضمن سقوط النظام أو إنهاء نفوذه الإقليميّ، ما لم يترافق مع تدخّل برّيّ واسع، وهو سيناريو مكلف سياسيّاً وبشريّاً إلى درجة تجعله شبه مستبعد. هذا يعني أنّ المنطقة قد تدخل مرحلة استنزاف طويلة، تتخلّلها جولات تصعيد وهدوء دون نهاية حاسمة.
حرب استنزاف خطِرة
بالنسبة للخليج، حرب الاستنزاف هي السيناريو الأكثر خطورة لأنّها تستنزف الاقتصاد والثقة والاستقرار النفسيّ دون تحقيق وضوح سياسيّ نهائيّ. لا تُقاس الحروب الطويلة بنتائجها العسكريّة فقط، بل بقدرتها على إنهاك المجتمعات وإبطاء مشاريع المستقبل.
من هنا يبدأ التفكير الخليجيّ في ما يمكن تسميته “ما بعد الحرب”، لا بمعنى نهاية العمليات العسكريّة فحسب، بل بمعنى إعادة تعريف العلاقة مع الإقليم كلّه. لم يعد الهدف انتظار “ما بعد إيران” كتحوّل سياسيّ داخليّ فيها، بل البحث عن “ما بعد الفوضى” كبيئة إقليميّة مستقرّة تسمح باستمرار التنمية. أصبح الاستقرار، لا التغيير الجذريّ في موازين القوى، الأولويّة الاستراتيجيّة.
قد تدفع هذه اللحظة دول الخليج إلى إعادة تقويم علاقاتها الدوليّة والإقليميّة بطريقة أكثر براغماتيّة، ليس عبر الانسحاب من التحالفات، بل عبر تنويعها وتقليل الاعتماد الأحاديّ، وبناء منظومة توازن تقلّل احتمالات الانجرار إلى صراعات الآخرين. لن يكون الأمن، في صورته الجديدة، نتاج قوّة واحدة تحمي المنطقة، بل شبكة علاقات تقلّل دوافع الحرب نفسها.
إقرأ أيضاً: خريطة جديدة “لتوازنات” دول الخليج
الأمن الخليجيّ قيد التّشكّل
ما تكشفه الحرب الجارية هو أنّ الأمن الخليجيّ لم يعد مفهوماً ثابتاً، بل فكرة قيد التشكّل. الصواريخ التي تعبر السماء لا تختبر الدفاعات الجوّيّة فقط، بل تختبر فلسفة كاملة بُنيت عليها المنطقة الحديثة: إمكانيّة الجمع بين الازدهار الاقتصاديّ والاعتماد الأمنيّ الخارجيّ في بيئة إقليميّة متقلّبة.
ربّما يكون الدرس الأعمق الذي تفرضه هذه الحرب أنّ الأمن الحقيقيّ لا يتحقّق فقط بمن يملك القوّة، بل بمن يستطيع تقليل أسباب استهدافه. وبين الحماية والانكشاف مساحة دقيقة تحتاج إلى إعادة ضبط مستمرّة. يقف الخليج اليوم داخل هذه المساحة، محاولاً صياغة معادلة جديدة تضمن بقاءه مركز استقرار في منطقة تتغيّر بعنف.
عندما تضع الحرب أوزارها، وهو أمر سيحدث عاجلاً أم آجلاً، لن يكون السؤال من انتصر عسكريّاً، بل أيّ نموذج أمنيّ استطاع البقاء؟ عندها فقط سيتّضح أنّ التحدّي الأكبر الذي واجه الخليج لم يكن الحرب نفسها، بل القدرة على إعادة اختراع مفهوم أمنه في عالم لم يعد يشبه العالم الذي صيغت فيه معادلات الأمس، حتى اشعار آخر على الأقل.
