“الحزب” والدّولة: مساكنة مستحيلة؟

مدة القراءة 5 د

للسيادة مفهوم واحد متعارف عليه دوليّاً، في الأنظمة الديمقراطيّة والسلطويّة كما في الأنظمة الدينيّة والملحدة. في الاتّحاد الأوروبيّ مثلاً، للدول الأعضاء سيادتها ضمن وحدة الموقف المنبثق من أنظمة حكم ديمقراطيّة. أمّا في لبنان فالمفاهيم ملتبسة أو مفصّلة على القياس.

 

احتلّت إسرائيل جنوب لبنان فترة طويلة ودخل جيشها بيروت عام 1982 في انتهاك فاضح للسيادة، المنتهَكة في تلك المرحلة من المنظّمات الفلسطينيّة، صاحبة القرار الحاسم في مناطق نفوذها، وإلى جانبها الميليشيات المسيطرة على الدولة المعطّلة خلال سنوات الحرب. ومنذ مطلع التسعينيّات باتت سوريا صاحبة السيادة المطلقة بغطاءٍ إقليميٍّ ودوليّ، وإيران طليقة اليدين في الشأن العسكريّ عبر “الحزب”.

التّسليم بالأمر الواقع

ارتبطت الانتهاكات المعترَف بها رسميّاً بإسرائيل دون سواها. بلا شكّ، إسرائيل محتلّة وتوسّعيّة، وإن اعترفت بالحدود الدوليّة مع لبنان في اتّفاق الهدنة عام 1949، خلافاً لاتّفاقات الهدنة مع سوريا ومصر والأردن. على الرغم من أنّ الانتهاكات جميعها حصلت بالأدوات العسكريّة، تعدّدت التفسيرات، والضحيّة، أي السيادة، واحدة. إلى جانب إسرائيل المعتدية، سادت وحدة مصيرٍ ومسارٍ مع سوريا، والقضيّة الجامعة مع المنظّمات الفلسطينيّة، ومواجهة الاحتلال الإسرائيليّ مع إيران.

بدورها، سارت أميركا وسواها بالأمر الواقع بعد انتهاء الحرب في لبنان، واكتفت بإصدار بيانات الاستنكار، إلى أن تبدّلت السياسة الأميركيّة تجاه سوريا بعد اجتياح العراق عام 2003، وتجاه المنطقة منذ اعتداءات 11 أيلول، ثمّ تجاه لبنان وسوريا بعد حرب 2023. تتعامل أميركا ودول أخرى اليوم مع لبنان على قاعدة أنّ معادلات الماضي ولّى زمنها.

بعد التحرير عام 2000 ظلّ الجيش اللبنانيّ في غرفة الانتظار إلى حين انتشاره في الجنوب بقرارٍ دوليّ جرّاء حرب 2006. قبل ذلك، تعطّل دور الجيش لأسباب فرضتها ظروف الأزمات المتحوّلة، بدءاً بتظاهرة نيسان 1969 وأزمة الحكم الطويلة التي انتهت باتّفاق القاهرة، مروراً باغتيال معروف سعد عام 1975 لإخراج الجيش من صيدا، بوّابة الجنوب، وصولاً إلى قرار عدم انتشار الجيش في الجنوب في مرحلة ما بعد الحرب.

للنزاع بين لبنان وإسرائيل خلفيّات تاريخيّة وسياسيّة وعسكريّة معقّدة، إلّا أنّ له خصوصيّة مرتبطة بالفراغ الأمنيّ

في السياق عينه، الكلام المتداول حاليّاً محوره عدم جاهزيّة الجيش لمواجهة إسرائيل. لم يكن الجيش جاهزاً عند بدء حرب مخيّم نهر البارد إثر الاعتداء المفاجئ على جنوده، ولم تكن لديه حتّى الذخيرة الكافية. وعلى الرغم من اعتبار البعض أنّ المخيّم “خطّ أحمر”، استطاع الجيش أن يقضي على الإرهاب الذي فتك بالمخيّم. وفي “حرب الجرود” أنجز الجيش ما كان مطلوباً منه مدعوماً من السلطة السياسيّة. عندما يتوافر الدعم السياسيّ والمادّيّ يصبح الجيش بالجاهزيّة المطلوبة للقيام بمهامّه. والسؤال: هل كان “الحزب” بالجاهزيّة المطلوبة للتصدّي لإسرائيل منذ التأسيس في الثمانينيّات؟

الحزب

بعد انتهاء الحرب اقتصر دور الجيش على مواكبة حروب سواه، وتساكن مع “الحزب” بعد حرب 2006، والآن عليه القيام بمهامّه بعد التحوّلات الكبرى في لبنان والمنطقة والعالم. فلا مساكنة دائمة بين جيشين في دولة واحدة، مثلما هي حال أيّ دولة، ومنها إيران، حيث الحرس الثوريّ والجيش تشكيلان عسكريّان بإمرةٍ واحدةٍ باسم الدين والدولة معاً.

انتهت فترة السّماح؟

النزاعات بين الدول متنوّعة وكذلك مقاربات المعالجة، وعددها حاليّاً يتجاوز أربعين بحسب مؤسّسات دوليّة متخصّصة. في الماضي، انسحبت إسرائيل من طابا المحتلّة بالتحكيم الدوليّ لمصلحة مصر بعد ثلاث سنوات من اتّفاق كامب ديفيد. في الحاضر، جزر ثلاث متنازع عليها بين الإمارات العربيّة المتّحدة وإيران منذ نصف قرن، حوّلتها إيران قاعدةً عسكريّة وتعتبرها الإمارات محتلّة، إلّا أنّ الأزمة معلّقة والعلاقات الثنائية طبيعيّة. بين الأرجنتين وبريطانيا نزاع متواصل على جزيرة Falklands/Malvinas منذ مطلع القرن التاسع عشر. أعادت لندن السيطرة عليها بالقوّة عام 1982، وذهب كلّ طرف في طريقه، والنزاع لم ينتهِ.

بعد انتهاء الحرب اقتصر دور الجيش على مواكبة حروب سواه وتساكن مع “الحزب” بعد حرب 2006

إسرائيل قوّة عسكريّة متمكّنة، ضربت إيران ولبنان وسوريا وقطر والعراق عام 1981. القدرات العسكريّة وحدها لا تردع، ولا “توازن الرعب”، لا سيّما في حقبة التكنولوجيا المتطوّرة التي أرعبت الجميع عام 2024. ما قد يردع إسرائيل هو استعادة الدولة دورها وفاعليّتها بقواها الذاتيّة، وبالتالي تحمّل مسؤوليّتها في الداخل وتجاه الخارج.

للنزاع بين لبنان وإسرائيل خلفيّات تاريخيّة وسياسيّة وعسكريّة معقّدة، إلّا أنّ له خصوصيّة مرتبطة بالفراغ الأمنيّ جرّاء غياب الدولة أو تغييبها في منطقةٍ متاخمةٍ لإسرائيل.

إقرأ أيضاً: “الحزب” يفقد ثلثه

قبل مطلع السبعينيّات لم يكن الجنوب ساحة حرب إقليميّة، وإن كان لبنان في نزاعٍ مع إسرائيل. لكن بعد نصف قرنٍ من التضحيات والاحتلال يستحقّ اللبنانيون، وخصوصاً الجنوبيّين منهم، استراحة محارب. فكيف يستفيد لبنان في المرحلة الراهنة من مستوى تخصيب اليورانيوم في إيران أو بربط المصير بإسقاط المشروع الصهيونيّ؟ بات الفصل بين الوقائع والأوهام ضرورةً ملحّة، ولم يعد مناظرةً أيديولوجيّة أو وجهة نظر، لا سيّما أنّ فترة السماح المعهودة أصبحت من الماضي.

 

*أستاذ جامعي وسفير سابق

مواضيع ذات صلة

هل يستميل لبنان فرنسا وأميركا في التّفاوض؟

تتوالى الاستحقاقات على لبنان وما سينجم عنها في الأسابيع المقبلة. بين ثناياها وتواريخها  يختبر اللبنانيّون مراهنتَين على: – أن تصرّ واشنطن على تل أبيب كي…

ترامب “يستدعي” نتنياهو لفرض المرحلة الثّانية

لا يبدو أنّ المرحلة الثانية من خطّة دونالد ترامب ستنطلق قبل زيارة بنيامين نتنياهو لواشنطن، المتوقّعة في نهاية الشهر الحالي. من السذاجة الاعتقاد أنّ التأخير…

أجواء برّي: تعديل اتّفاق الهدنة… وقف النّار أوّلاً

أفسح تعيين مفاوض مدنيّ هو السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد العسكريّ إلى اجتماعات لجنة “الميكانيزم” في المجال أمام البحث في حلول سياسيّة ممّا كان…

بهشلي – بارزاني: خطّان متوازيان… يلتقيان؟

شهدت العلاقات بين أنقرة وإربيل خلال الأعوام الأخيرة تقدّماً ملموساً تجاوز الكثير من العقبات، مدفوعةً بتقاطع المصالح وبناء قنوات ثقة متدرّجة. لكنّ  “حادثة شرناق” وضعت…