عندما تنتصر الشعارات وتنهزم الأوطان

مدة القراءة 6 د

لا ينحصر أثر الحروب على حساب أعداد الضحايا وتكلفة دمار المباني والبنى التحتية، والتكلفة الإجمالية للأضرار على مجمل النشاط الاقتصادي، وإنما يمتد إلى ضرورة إعادة النظر بتفكيرنا وتقييمنا لواقعنا السياسي، وحتى أيديولوجيتنا. وإذا لم تحقق الحرب المراجعة الفكرية، نكون أمام مأزق خطير نحتاج فيه إلى نوع من الصراحة والمكاشفة مع الذات.

 

النقاشات بشأن الحرب التي تكون داخل أسوار الأيديولوجيا، فهي تجعل بعض الكلمات تكتسي بالطابع الصنمي، وترفض مغادرة الثنائية المانوية التي تقسم العالم إلى حق وباطل، نور وظلمة، وخير وشر، ورحمن وشيطان. ولذلك عندما يتخاصم الأيديولوجيون يستحضرون هذه الثنائيات، وعلى أساسها يتم تقييم المواقف وليس وفقاً لحسابات الواقع والمنطق.

لا أحد يريد أن يغادر مساحة تلك النقاشات، والتفكير بمنطق السياسة لا شعارات المتأدلجين. فإذا كانت حروبنا هي معركة حق ضد الباطل، لماذا يجلس الحق مع الباطل على طاولة المفاوضات؟ بالتأكيد، سيكون استحضار التاريخ جاهزاً لتبرير ذلك. وهنا سيقول الإسلاميون إن النبي محمد تفاوض مع كفار قريش في صلح الحديبية، وإن الإمام الحسن بن علي تفاوض مع معاوية بن أبي سفيان، وتنازل عن الخلافة. وكل هذا يتم وفق القاعدة الأصولية في الفقه الإسلامي: “دفع الأفسد بالفاسد”. وكل ما تقدم صحيح، ولكن هذه التبريرات تغطي على سؤال أهم: لماذا الحرب، وماذا حققت من شعاراتنا التي نرفعها؟

محنتنا مع الأيديولوجيا أنها تسوق الأوهام وتحجب الرؤية عن الحقيقة في فترة الحروب وما بعدها، ولذلك تتحول النقاشات بشأن غاية الحرب وأهدافها وتقييم خساراتها إلى نوع من أنواع الخيانة

منتصرون لأننا أحياء؟

محنتنا مع الأيديولوجيا أنها تسوق الأوهام وتحجب الرؤية عن الحقيقة في فترة الحروب وما بعدها، ولذلك تتحول النقاشات بشأن غاية الحرب وأهدافها وتقييم خساراتها إلى نوع من أنواع الخيانة أو النكوص عن شعارات القضية الكبرى التي من أجلها دخلنا الحرب! ولذلك لا يمكن أن تجادل بشأن مفهوم وحسابات الانتصار أو الانهزام وفق حسابات الربح والخسارة، وإنما يجب أن تتماهى مع رفع شارة النصر فوق ركام البنايات المهدمة ومع صور الشهداء الذين سقطوا في هذه الحرب!

ربما نحن منتصرون لأننا بقينا على قيد الحياة، ولا يهم إن كانت هذه الحياة كريمة أو غير ذلك. حياة مع الفقر والمرض، أو مشرّدين خارج منازلنا وقرانا ومدننا. وفي تقييم نتائج الحروب أو السؤال عن غايتها، لا يختلف الأيديولوجيون سواء كانوا قوميين أو إسلاميين.

في خضم المعارك، يُجيد الأيديولوجيون لعبة اختيار تسميات حروبهم ببراعة، إذ يتم تسويقها بشعارات كبرى، ومن يعترض عليها يكون في خانة “الجبناء” و”المتخاذلين”. إذ من يمكنه أن يعترض على معركة يتم وصفها بأنها “معركة كرامة”؟ وإن العدو يريد منا الاستسلام والخضوع والخنوع. هذه العناوين العريضة تُرفع حتى تمنع السؤال الأهم: لماذا هذه الحرب هي حربنا فعلاً للدفاع عن كرامتنا فعلاً، أم أنها حرب بالوكالة عن الآخرين؟

دائماً ما تكون فكرة المواطنة أو الهوية الوطنية الضحية الكبرى في حروبنا، إذ يتم نحرها على مذبح الطروحات الأيديولوجية التي تريد تذويبها لصالح شعاراتها الرئيسة، وهذا ما فعلته الشعارات الماركسية، التي كانت تدعو للأممية، وتخوّن من يحصر فكرة الأولوية في الأوطان، وليس لمبادئ الحزب الذي تقوده دولة كبرى مثل الاتحاد السوفياتي سابقاً.

يدرك الأيديولوجيون أن سياسة الأرض المحروقة لا يمكن أن تكون خياراً، فكيف عندما تمر عبر تدمير البلد الساعي لتحريره أو بتمزيق نسيجه المجتمعي وإشاعة وترسيخ روح التناحر بين مكوناته، أو بتدمير مصادر ثروته وعيشه وبالإجهاز الممنهج على بناه التحتية وبهدر فرص النمو والتطور والاستثمار أو بطرد نخبه وإطالة عذابات أبنائه. لذا فهو مشروع سلطة، والصراع عليها تجذّر عندنا تاريخياً واتسم بأنه لا يبقي ولا يذر.

في خضم المعارك، يُجيد الأيديولوجيون لعبة اختيار تسميات حروبهم ببراعة، إذ يتم تسويقها بشعارات كبرى، ومن يعترض عليها يكون في خانة “الجبناء” و”المتخاذلين”

معايير النصر والهزيمة

لم تتجاوز النخب السياسية التي تحكم دولنا الهشة أزمتنا مع أولوية الأيديولوجيات على هويتها ومصلحتها الوطنية، فالإسلاميون الذين لهم الغلبة في الحكم والسيطرة على السلطة أو بقوة السلاح الموازي رسخوا هذه المحنة، وبدلاً من أن يكون مشروعهم بناء هوية وطنية والدفاع عنها وترسيخها، بات مشروعهم الأول تغييبها تماماً، وتغليب مصلحة المحاور الإقليمية بمشاريعها الطائفية، التي تريد ربط مصير بلدان المنطقة بمحاور الصراع التي لا تنتج إلا الحروب والفقر والعوز.

يبدو أن الإسلاميين ورثوا القوميين في رفع شعارات تتقاطع مع فكرة الوطنية، لأن معضلة النظرية القومية تكمن في أنها نظرية ثقافوية في الأمة العربية أكثر منها نظرية في الدولة الوطنية، وبمعنى آخر – كما يراها محمد جمال باروت – هي ليست نظرية في الدولة – الأمة بقدر ما هي، على وجه الدقة والتحديد، نظرية تفصل بشكل تام بين الأمة والدولة.

إقرأ أيضاً: أخطر مشروع استيطاني في جنين: مليون إسرائيلي في شمال الضفة

لذلك من الطبيعي أن تبقى أصوات الأيديولوجيين في الأيام الأعلى في خطابات الحماسة والحديث عن هزيمة العدو بالصمود في المعركة، وفشله في تحقيق أهدافه. كيف لا تكون هذه الشعارات حاضرة، ما دام لا أحد يمكنه أن يسأل الأيديولوجيين: ما هو معيار النصر والهزيمة في قاموسكم؟ ولا توجد مؤسسات فاعلة تسألهم وتحاسبهم عن كلفة الدخول في الحرب وما هي نتائجها؟

ممّا يُحكى بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، أن صدام حسين في إحدى لقاءاته مع وجهاء وشيوخ العشائر في المحافظات الوسطى والجنوب العراقي، كان يحدثهم عن انتصار العراق في الحرب على أميركا التي قادت تحالفاً دولياً ضمّ 33 دولة شاركت لتحرير الكويت من الاجتياح العراقي. وكان من ضمن الحضور شيخ يضج بالبكاء والنحيب! حين سأله رفاقه عن سبب البكاء، أجاب: أبكي على حال أميركا، إذا كنا نحن المنتصرون، وحالنا حصار ودمار، يا ترى كيف هو حال أميركا المهزومة!

 

*كاتب عراقي

مواضيع ذات صلة

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

لم يعد ملفّ المنطقة في إسرائيل والولايات المتّحدة يندرج تحت بند السياسة الخارجيّة، بل أصبح عنصراً حاكماً في الانتخابات الداخليّة التي ستقرّر حجم قوّة أو…

حزيران 1967 وحزيران 2026

بين الخامس من حزيران 1967، والخامس من حزيران 2026، مرّت تسعٌ وخمسون سنة، أي أن الذي ولد مع الهزيمة التي تواطأ المسؤولون عنها مع اللغة، ليسمونها…

أمجد يوسف: حين يصبح القتل وظيفة في سوريا الأسد

في أحد أكثر التسجيلات إيلاماً في التاريخ السوريّ الحديث، لم يكن ما أثار الرعب سقوط الضحايا وحسب، بل الطريقة التي بدا بها القاتل وكأنّه يؤدّي…

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…