حكومة عليّ الزّيديّ.. وأزمتا الثّقة والأمل

مدة القراءة 7 د

هل تستطيع حكومة علي الزيدي استعادة ثقة العراقيّين بعد سنوات طويلة من الخيبات؟ وهل ينجح العراق أخيراً في الانتقال من دولة المحاصصة والسلاح المنفلت إلى دولة القانون والخدمات؟ وما الذي ينتظره الشارع العراقيّ فعلاً من حكومة جديدة تأتي وسط أزمات داخليّة وضغوط إقليميّة ودوليّة متشابكة؟

 

عندما مُنحت الثقة لحكومة محمّد شياع السوداني، كتب أستاذ الاقتصاد السياسيّ الدكتور عماد عبداللطيف سالم تعليقاً على البرنامج الوزاريّ للحكومة، أشار فيه إلى أنّ “العراق يعاني من أزمتين راسختين في الوعي المجتمعيّ، لم يتمّ ذكرهما في البرنامج الحكوميّ. هاتان الأزمتان هما: أزمة الأمل، وأزمة الثقة بقدرة الحكومة على تحقيق هذا الأمل. الأمل في تحقيق شيء، والثقة في امتلاك القدرة على تحقيقه.. هما كلّ ما نحتاج إليه الآن”.

نمط جديد من الإدارة والممارسة؟

أفضل ما يمكن الحديث عنه بعد تشكيل حكومة علي الزيديّ هو التذكير بأزمتَي “الأمل والثقة بقدرة الحكومة على تحقيق هذا الأمل”. ربّما أهمّ ما ستواجهه سفينة حكومة الزيدي سيكون الإبحار في مواجهة ثلاث موجات عاصفة: أولاها صراع القوى السياسيّة على مغانم السلطة، وكيفية العمل على إرضاء رغباتها الجامحة في توسيع النفوذ السياسيّ والماليّ. وثانيتها، الموجة الأميركيّة العاصفة التي تريد إعادة تمركز نفوذها السياسيّ في العراق وتقليم أظافر إيران وأذرعها في العراق. أمّا العاصفة الثالثة فتتعلّق بتفاصيل حياة المواطن العراقيّ اليوميّة وتلبية احتياجاته في توفير الكهرباء ومعالجة البطالة وسوء الخدمات.

لا يريد العراق بريعه النفطيّ من حكومته إلّا أن تحقّق حدّاً مقبولاً من سلطة القانون، التي تُفضي إلى إيقاف الفساد وإبعاد سطوة أحزاب السلطة ومن يرتبط بها من مافيات المال والسلاح عن مشاريع الخدمات العامّة والاستثمار

تصدّى علي الزيديّ لتشكيل حكومة في بيئة من التناقضات السياسيّة وفقدان بوصلة تحديد الأعداء والحلفاء، وحقول ملأى بالألغام. إلّا أنّه قبِل التحدّي، ثمّ ستكون حكومته مطالَبة بتقديم نمط جديد من الإدارة والممارسة. التحدّي الأكبر هو كيف يمكن أن يثق المواطن بأنّ خطوات عمل هذه الحكومة هي لمصلحته، وليس لاستمرار التخادم بين الحكومة والطبقة السياسيّة فحسب، وربّما الثقة هي مفتاح استعادة الأمل بالحكومة.

بعيداً عن خطاب المتشائمين، وخطاب المطبّلين لحكومة الزيديّ ومن يعتبرها نموذجاً جديداً لشخصيّة تأتي من عالم الأعمال والمال إلى السياسة، ينظر الشارع العراقيّ إلى وجود هذه الحكومة باعتبارها ضرورة لاستحقاقات مرتبطة بتفاصيل حياته المعيشيّة اليوميّة، التي تعطّلت كثيراً بسبب المأزق السياسيّ الذي استغرق زمناً طويلاً لحلّه، ورافقته كلف مدمّرة ساعد عليها غياب الدولة في ظلّ حربٍ تحوَّل العراق إلى إحدى ساحاتها، وهو ما جعل هذا الشارع مترقّباً ومرحّباً، بل وراضياً بأيّ حلّ سياسيّ.

بعد تكرار الخيبات من الحكومات السابقة، وفقدان الأمل والثقة بأنّ تغيير الحكومات يمكن أن يحمل تغييراً على مستوى حياتهم اليوميّة، بات العراقيّون لا يحلمون بمعجزة اقتصاديّة، ولا بالقفز بمعدّلات النموّ، ولا بأن يكون العراق ضمن قائمة الدول العربيّة والإقليميّة الصناعيّة والزراعيّة، ولا أن يعيشوا في ظلّ دولة الرفاه. إنّما باتت أمنياتهم محصورة باستعادة الدولة أوّلاً وأخيراً لأنّ غياب الدولة يعني غياب القانون وسطوة جماعات السلاح المنفلت، والعيش تحت سطوة مافيات الفساد.

حتّى الفساد، الذي لا يختلف على وجوده ومظاهره اثنان من العراقيّين، تحوّلت المطالبة بمحاربته إلى نوع من الأمنيات التي يتحدّث عنها المواطن. أصبحت مطالبه أن تكون هناك حدود معيّنة للفساد، لا أن يجده في المستشفيات العامّة وفي الطرقات العموميّة التي تحوّلت تسمياتها إلى “طرق الموت”، ولا أن يلمس آثار الفساد في جميع تفاصيل حياته اليوميّة.

لا يريد العراق بريعه النفطيّ من حكومته إلّا أن تحقّق حدّاً مقبولاً من سلطة القانون، التي تُفضي إلى إيقاف الفساد وإبعاد سطوة أحزاب السلطة ومن يرتبط بها من مافيات المال والسلاح عن مشاريع الخدمات العامّة والاستثمار. عند ذاك ستعيد عوامل السوق للاقتصاد توازنه، وتكون الدولة مؤتمنة على ثرواته المادّيّة التي هي هبة الله من غير جهد، وعليها فقط أن تفلح في توزيعها، إذ إنّ غاية الطموح المنظور هي أن يكون العراق دولة خدمات مع شبكة ضمانات اجتماعيّة تتأسّس على العدل وتقليص الفوارق.

الزيديّ وفريقه الحكوميّ أمام تحدّيات كبيرة وخطِرة، لكنّه لن يستطيع النجاح في مواجهتها إلّا إذا تجاوز خطاب التذمّر والتشكّي، وتجاوز الشعارات الشعبويّة والعناوين الطائفيّة والقوميّة

رسالة إلى الزيدي

على رئيس الحكومة أن يدرك أنّ المواطن تجاوز مرحلة الملل والتذمّر من سماع التصريحات الحكوميّة التي تتناقلها كاميرات فريقه الإعلاميّ، ووصل إلى مرحلة القرف من كلّ الخطابات التي تنتقد الماضي وتثرثر بالتحدّيات التي تواجه عمل الحكومة وتشخّص الأخطاء فقط، ولا تقدّم آفاقاً للحلول.

المواطن غير معنيّ بالمساومات والترضيات في توزيع المناصب العليا في الدولة على حاشية الزعامات السياسيّة، فما يهمّه هو المنجز الاقتصاديّ والخدميّ الملموس، وتحقيق أمنيته المتمثّلة باستعادة العيش في ظلّ الدولة والقانون، لا تحت حكم قوى السلاح المنفلت.

لا تبني الثرثرة السياسيّة دولة، ولا تمنح المواطن الثقة بالحكومة، والشعارات التي يرفعها السياسيون باتت محلّاً للسخرية أكثر من كونها تحمل بوادر أمل تحقيقها. هذا ليس ذنب المواطن الذي بات يتذمّر ويسخر من كلّ العناوين السياسيّة، وإنّما من يتحمّل المسؤوليّة هي القوى السلطويّة التي فشلت في إقناع المواطن بأنّها تمثّله وتحمل رغبته في حياة كريمة وتأسيس دولة تتعامل معه كمواطن وليس تابعاً لهذه الطائفة أو مقدّماً الولاء لهذا الزعيم حتّى يحصل على وظيفة حكوميّة أو فرصة عمل أو توفير لقمة العيش.

إقرأ أيضاً: العراق: حكومةُ “الوقتِ المُستقطَع”

الزيديّ وفريقه الحكوميّ أمام تحدّيات كبيرة وخطِرة، لكنّه لن يستطيع النجاح في مواجهتها إلّا إذا تجاوز خطاب التذمّر والتشكّي، وتجاوز الشعارات الشعبويّة والعناوين الطائفيّة والقوميّة التي يتوهّم زعماء الطبقة السياسيّة أنّها مصدر لشرعيّة بقائهم في الحكم. إذ عليه التفكير في استراتيجيات واضحة وصريحة تستهدف تفاصيل حياة المواطن اليوميّة، وتكون خطوات تنفيذها هي الطريق الوحيد لمدّ جسور الثقة بين المواطن والحكومة. ثمّ تكون شرعيّة المنجز هي الرهان على بقائه في المنصب، وليست الترضيات والتنازلات للزعامات السلطويّة فحسب.

استعادة ثقة المواطن بحكومته والأمل بقدرتها على ضمان متطلّباته هما ما يقوّي الحكومة ويوفّر لها إجماعاً سياسيّاً وشعبيّاً يضمن صلابة موقفها في مواجهة القوى والأحزاب التي تريد أن تمارس هوايتها بإضعاف الدولة والحكومة معاً. المنجز الاقتصاديّ والخدميّ الذي تقدّمه الحكومة للمواطن سيكون بمنزلة السلاح الأقوى الذي تواجه به ضغوط القوى السياسيّة ورغباتها النرجسيّة التي تمارسها ضدّ الدولة. لكنّ الأمل بالحكومة واستعادة الثقة بها يحتاجان إلى إرادة قويّة، وإلى عزم شديد ورغبة صادقة لا تعرف الضعف، والابتعاد عن الكذب والرياء والنفاق والأقنعة الزائفة في طرح تصوّرات ومعالجات لملفّ الفساد ولمعضلة سلاح القوى الموازية للدولة، لتصبح بعد كلّ ذلك واقعيّة وملموسة، لا شعارات مملّة.

 

*كاتب عراقي

مواضيع ذات صلة

مذكرة التّفاهم: تُنعش إيران وتُفخخ لبنان

كرّست مذكّرة التفاهم الموقّعة بين الولايات المتّحدة وإيران حالة التباس في موازين القوى التي انتهت إليها جولة الحرب التي انطلقت في 28 شباط وتوقّفت في…

إسرائيل بعد الاتّفاق: “لو كنّا نعلم” لما دخلنا الحرب

تتفاعل تداعيات التفاهم المبدئي الأميركيّ – الإيرانيّ داخل إسرائيل كعاصفة سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة، تحوّلت في الخطاب الإسرائيليّ إلى ما يشبه “تسونامي” ضرب مراكز صنع القرار،…

ما بعد هرمز: الأردن بوّابة التّجارة والطّاقة؟

بينما انشغل الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية بالحرب والصواريخ والهدن، كانت مراكز التفكير الغربيّة تبحث في سؤال آخر: ماذا بعد انتهاء هذه المرحلة؟ وكيف تُعاد…

حكومة الصّمود السّياسيّ: إسقاطها كسرٌ للدّولة

ليست المشكلة في الحكومة الحاليّة، بل في الميل المزمن داخل الحياة السياسيّة اللبنانيّة إلى التعامل مع كلّ أزمة باعتبارها فرصة لإعادة تأسيس السلطة من جديد….