سُنّة لبنان وهواية المعارك الخاسرة (1/3)

مدة القراءة 4 د

كيف لسُنّة لبنان أن يشعروا بخطر محدِق يهدّدهم وكأنّهم لم يدركوا أنّ دمشق قد تحرّرت، وأنّ شابّاً دمشقياً اسمه أحمد الشرع يجلس في قصر المهاجرين، وكأنّهم لم يسمعوا ذاك الطفل في مدينة حمص وهو يطلق بحماسة ذاك النشيد “يا إيران جنّي جنّي بدوا يحكمنا سنّيّ”.

 

كيف لسُنّة لبنان أن يتصرّفوا كأقلّيات مهدّدة بالإبادة بسبب عضو مجلس بلدي من هنا، أو مختار زقاق من هناك، كأنّه لا أجهزة تلفاز في منازلهم يشاهدون عليها كيف أنّ قبلتهم السياسية والدينية استضافت قبل أيّام الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصاغت معه مستقبل الشرق الأوسط وقد تحرّر من الهلال الوهميّ والمشاريع التدميرية الخلّبيّة؟

 

الفزعة السُّنّيّة؟

هل سُنّة لبنان بحاجة إلى الانتخابات البلديّة كي يثبتوا وجودهم في المعادلة الوطنية؟ مَن ذاك النابغة الذي أوحى لهم أنّ تهديداً مصيريّاً يحوم حولهم في انتخابات مجلس بلديّ في بيروت لا صلاحيّات له، ومخاتير باتوا جزءاً من نوستالجيا الزمن الجميل، فارتفعت بينهم نداءات الفزعة لحماية الوجود والهويّة والدين في بيروت؟

بات سُنّة لبنان، والعلم عند الله، يهوَوْن الهزائم والمعارك الخاسرة والرهانات الفاشلة المستحيلة. ينقادون خلف عواطفهم وشعارات الجدران التي ما أوصلت جماعة يوماً إلّا إلى المجهول. تراهم لم يبارحوا 26 تموز 1956 عندما أعلن جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، أو يوم 25 حزيران 1967 حين خرج الشارع المصري مستنكراً استقالة ناصر صارخاً “حنحارب حنحارب”.

بات سُنّة لبنان، والعلم عند الله، يهوَوْن الهزائم والمعارك الخاسرة والرهانات الفاشلة المستحيلة

لم يكن سُنّة لبنان في لحظة معافاة سياسية ومجتمعيّة أفضل من هذه اللحظة التاريخية. سقط الحصار الذي كان مضروباً حولهم وحول حواضرهم الكبرى بقاعاً فبيروت وانتهاء بطرابلس عاصمة الشمال. كان الخروج من لبنان برّاً كابوساً سُنّيّاً مخيفاً بسبب خشية الاعتقال من عصابات الأسد عند الحدود، أو من الأجهزة الحليفة له في لبنان عند الرجوع. التهمة ليس من الصعب إيجادها: داعشيّ إرهابيّ من أنصار “القاعدة”، أو حتّى من عبدة الشيطان.

يتحرّك سُنّة لبنان اليوم كما يشاؤون عبر الحدود وفي الداخل، فنشيد “ارفع راسك فوق..” لم يعد نشيداً سوريّاً بل بات نشيداً جماعيّاً عابراً لكلّ الحدود.

من يعتقل السُّنّة؟

عند كلّ استحقاق من يسعى إلى تحويل السُّنّة إلى ما يشبه خزّان وقود، لزوم محرّكاته الشخصيّة وأوهامه الفرديّة وحساباته الضيّقة التي لا تجد من يصرفها في أيّ مكان وزمان.

هناك من يمسك سُنّة لبنان ليفاوض عبرهم على العودة إلى دائرة القرار، وهو المدرك أنّ زمن المعجزات انتهى وأنّ مُلكاً أضاعه كالأطفال لا يمكن البكاء عليه كالنساء، كما قالت تلك المرأة لآخر أمراء الأندلس قبل أن يغادر غرناطة تاركاً كلّ الأمجاد.

يتحرّك سُنّة لبنان اليوم كما يشاؤون عبر الحدود وفي الداخل، فنشيد “ارفع راسك فوق..” لم يعد نشيداً سوريّاً بل بات نشيداً جماعيّاً عابراً لكلّ الحدود

من قال إنّ سُنّة لبنان بحاجة إلى زعيم. من قال إنّ كلّ الطوائف في لبنان تبحث عن زعيم. العالم تغيّر والأجيال الجديدة باتت تفكّر بشكل مغاير. لا وجود في ذاكرتها وقاموسها لمفردة زعيم. الأجيال الصاعدة بحاجة إلى مؤسّسات ومشاريع. تبحث عن المشروع الذي يقودها إلى عالم الأحلام وتحقيق المستحيل، إلى رؤية تقنعها أن ليس مِن مستحيل.

سُنّة لبنان لا يبحثون عن عنوان للزعيم. لقد سبقوا كلّ الطوائف بالتحرّر من ذلك. خاضوا الكثير من الاستحقاقات دون زعيم ونجحوا فيها. انتخبوا المفتين وانتخبوا نوّاباً لهم في البرلمان، وشاركوا في العديد من الحكومات. اجتازوا المراحل الأولى للتغيير والمرحلة الأخيرة قادمة بعد سنة بالتمام والكمال في الانتخابات النيابية.

إقرأ أيضاً: بيروت تنتصر للمناصفة من دون الحريريّة

غداً في الحلقة الثانية: نبيل بدر: مغامرة بائع “النوفوتيه” (2/3)

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

الشّرع للجميّل: النّدّيّة والسّيادة صارتا وراءنا

ثلثا عمر سوريا المستقلّة حكمهما بيت الأسد وحدهم. بانتهاء عصرهم بات كلّ كلام عنها يسمّيها سوريا الجديدة. ما قبل بيت الأسد في حكمها، كان مألوفاً…

نتنياهو و”الحزب”: رفض فصل حرب لبنان عن إيران

احتاطت إسرائيل لإمكان أن يفاجئها دونالد ترامب بوقف الحرب على إيران، فأعلنت أنّ هذا الخيار لا ينطبق على لبنان، حيث ستواصل حملتها العسكريّة ضدّ “الحزب”….

مجتبى خامنئي وتموضع النظام ما بعد الحرب

تكشف الرسالة الأولى التي وجّهها المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، بعد انتظار سياسي وشعبي استمر ثلاثة عشر يومًا، أن الطابع العقائدي والأيديولوجي لا يزال مسيطرًا…

… إخت الصين

على مدى عقدين وأكثر، صدعوا رؤوسنا بفكرة صعود الشرق بوصفها التحول الأكبر في النظام الدولي. قيل إن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الصين بلا منازع،…