باسيل والرئاسة: بوم الأفلام السينمائية

مدة القراءة 4 د

انتابتني موجة ضحك عارمة، حينما رأيت الوزير ?جبران باسيل? على شاشة التلفزيون خطيباً في ?موسكو، ينفي سعيه إلى رئاسة الجمهوريّة، متّهماً من يدّعي ذلك بـ”دخول عالم الخرافات والأفلام السينمائية”.

هذا التصريح أدخلني في موجة ضحك وقهقهة هستيريّة، سمعها سكان المنطقة وصولاً إلى زاروب الطمليص. قهقهت ملء شدقيّ حتّى تلّت (من Tilt) تلفزيوني الذكي وانقطعت عنه إشارة الإنترنت، واحترق سلك “الدِش” حينما لمح ذاك “الوشّ”، فضربت الرطوبة أرجاء الصالون وعَرِقَ السقف وأصابه العفن المائل إلى اللون البرتقاليّ.

حديث باسيل من موسكو، وخصوصاً “فزّورة” السوق المشرقية، أعادتني بالذاكرة إلى حديث مشابه أطلقه من دافوس، تلك المدينة السويسرية الشهيرة بالثلوج والتزلّج والتزحلق. يومئذٍ تزحلق باسيل بتصريح ناريّ مشابه، فدعا الغرب عموماً، والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، إلى التعلّم منه ومن “العهد القويّ” (غسل وكوي) كيف تُدار الدول من دون موازنات. فبتنا، بفضل “طائر البوم” وحَميه، الدولة رقم واحد في العالم من حيث تعدّد أسعار صرف العملات الأجنبية.

ثم بعد ذلك علّم العالم منطق إضاءة المدن والأحياء بلا كهرباء، ومنطق المصارف بلا ودائع، ومنطق المصرف المركزيّ بلا احتياط من الدولارات.

انتابتني موجة ضحك عارمة، حينما رأيت الوزير ?جبران باسيل? على شاشة التلفزيون خطيباً في ?موسكو، ينفي سعيه إلى رئاسة الجمهوريّة، متّهماً من يدّعي ذلك بـ”دخول عالم الخرافات والأفلام السينمائية”

فبعدما فضحنا باسيل و”جاب سمعتنا بالأرض” في الغرب، نفّذ رغبة السيّد فتوجّه شرقاً، إذ دعانا عبر الأثير الروسيّ إلى إنشاء “سوق مشرقيّة” تضمّ لبنان وسوريا والعراق والأردن وفلسطين، وصولاً إلى طهران، فنفخ الروح مجدّداً في “الأمّة السوريّة”، وأعاد النور والبركة إلى مدافن مار الياس بطّينا، حيث يرقد الزعيم القوميّ أنطون سعادة.

نظرت في التلفزيون جيّداً لأرى إن كان الياس بو صعب على يمين باسيل فأستأنس من وجوده النَفَس القوميّ؟ لم أجده، فقلت: سبحان الحيّ الذي لا يموت! بحلقت جيّداً و”عركت” عينيّ لأرى إن كانت كارولاين هناك أيضاً، فلم أجد على يمينه إلاّ  أمل أبو زيد، فقلت في سرّي: “كأنّك يا بو زيد ما غزيت!”.  

البوم يظنّنا مثل السمك، أغبياء وبلا ذاكرة، نأكل ونشرب ونضغط على زر الـRestart كلّ صباح بعد أن نخرج من المراحيض، فننسى ما يقوله وما يطلقه من مواقف، فنصدّق حسّه الوطنيّ المفرط، وحبّه للناس أجمعين، وتعلّقه بالصالح العامّ.

يريد باسيل أن يقنعنا بأنّ اقتحامه عالم السياسة كان لوجه الله تبارك وتعالى، ومن باب الطمع بالثواب، واتّقاء نار السعير، والسعي إلى الفردوس الأعلى.

تابعتُ المؤتمر الصحافيّ كلّه، بسورياليّته وبطروحاته “الخرندعية” وبابا غنّوجه، فعصفت أفكارٌ في ذهني طوال مدّة النقل المباشر، فاختلطت في ذهني صوراً عشوائية من كتب وأفلام وأغانٍ ومسرحيات، وتخبّطت ذاكرتي مع كل كلمة تخرج من فيه باسيل.

عبطاته الحميمة لميخائيل بوغدانوف ذكّرتني بمقطع من أغنية وردة الجزائرية “في يوم وليلة”، وتحديداً بمقطع “نسيت الدنيا وجريت عليه”. فباسيل طار “في يوم وليلة” إلى أرض القياصرة.

نظرت في التلفزيون جيّداً لأرى إن كان الياس بو صعب على يمين باسيل فأستأنس من وجوده النَفَس القوميّ؟ لم أجده، فقلت: سبحان الحيّ الذي لا يموت!

تذكّرت أيضاً كتاب “البومة” للـZoologist الإنكليزي ديزموند موريس، يقول: “إذا طلبت من أيّ شخص أن يرسم صورة البوم، فسوف يبادر إلى ذلك من دون تردّد، أمّا إذا سألته متى آخر مرّة رأيتها؟ فربّما سيصمت لبرهة”.

للأسف، باسيل لا يترك لنا المجال للصمت والسكون. معه نتذكّر ونرى ونتخيّل ونرسم ونلوّن، ونَصِفُ ونبرعُ في علم الـAnatomy، وفي فنّ التشريح، ونتابع تطوّر طائر البوم وقصصه التراثية والشعبية وخرافاته وأساطيره.

إقرأ أيضاً: فوازير غادة عون: تعالوا خذوا دولاراتكم

في الأساطير الهندية يُعتبر طائر البوم أداةً بيد الآلهة لشنّ الهجمات ضدّ الخصوم. وفي أوروبا التي تستعدّ لفرض عقوبات على “كل بوم يعرقل تشكيل الحكومة”، صوّرته الأساطير رمزاً للعناد، على عكس “الأساطير العونيّة” التي تراه رمزاً من رموز رباطة الجأش.

سكّت أثينا، عاصمة الأساطير الإغريقية، صورة البومة على أحد وجهيْ عملتها، وتركت الوجه الآخر للآلهة. أمّا الكتاب المقدّس فيعجّ بتعابير وإشارات تنبذ طائر البوم. وقد ذُكِر 16 مرّة في العهد القديم، بما فيه التوراة، ويتّفق ما قيل عنه مع النظرية التي شاعت لآلاف السنين عن أنّ البوم روح شريرة تحوم بصمت حول الضحايا البشرية… وربّما لهذا السبب فضّل الفاتيكان استقبال الرئيس المكلّف سعد الحريري دون سواه.

 

*هذا المقال من نسج خيال الكاتب

 

مواضيع ذات صلة

إيران وقعت في فخ “قنبلة” المضيق

فتح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب صفحة استراتيجيّة جديدة كتب في عنوانها: “أميركا حارسة مضيق هرمز”. تحتلف هذه الانعطافة جذريّاً عمّا كان يقوله قبل أسابيع من…

وداعاً “لأبطال” الانتصارات الوهمية؟

أين هم أولئك الذين صدعوا رؤوسنا طوال الأسابيع الماضية بالحديث عن الانتصار الإيراني بعد اتفاق إسلام أباد؟ وأين ذهبت تلك التحليلات التي أكدت أن طهران…

الشّرع ضيف النّاتو: من يحتاج إلى سوريا الجديدة؟

تغيّر السؤال ولم يعُد: كيف يتعامل العالم مع الأزمة السوريّة؟ بل أصبح: كيف ستشارك سوريا في صياغة التوازنات الإقليميّة التي تعيش مرحلة إعادة تشكّل؟ لم…

بعد ليندسي غراهام من يهمس في أذن ترامب؟

ليست كلّ الأحداث التي تغيّر الشرق الأوسط تقع في الشرق الأوسط. أحياناً لا يبدأ التغيير من واشنطن بانتخاب رئيس جديد أو بتوقيع اتّفاق أو بإطلاق…