الردع الباكستاني.. مظلةٌ للسعودية أم مظلةٌ لإيران؟

مدة القراءة 6 د

يتّضح خلال الأسبوع الأخير تقاربٌ لافتٌ وغير مريح في الخطاب الاستراتيجي الباكستاني-الأميركي، على حساب أمن ومصالح دول مجلس التعاون.

 

فبعد ستة أيام فقط من تصريح ترامب الذي قال فيه إنّه إذا كانت السعودية وقطر تمتلكان صواريخ باليستية، فمن المقبول أن تمتلك إيران صواريخ مماثلة “بالقدر المتناسب”.

يأتي اليوم رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أثناء زيارة الرئيس الإيراني إلى باكستان، ليؤكد منطقًا سياسيًا قريبًا من ذلك، قائلًا: “نرفض ازدواجية المعايير، ولا يمكن قبول امتلاك دول لصواريخ باليستية، ومنع إيران من امتلاكها”.

وليست المسألة هنا مجرد تشابهٍ عابر في المفردات، بل تقاربٌ في (أصل المعادلة الاستراتيجية) ذاتها.

واشنطن تخفف من (مركزية الخطر الصاروخي الإيراني) حين تطرح بقاءه بوصفه (قدرةً متناسبةً) مع قدرات دول الخليج. وإسلام آباد ترفض، من جهتها، أن يُعامل امتلاك إيران للصواريخ الباليستية بوصفه ملفًا يستوجب القيد أو المنع على ايران، في حين تحتج بأن دولًا أخرى تمتلك القدرات الصاروخية ذاتها، من دون أن تسميها.

صحيح أن واشنطن لم تُسقط ملف الصواريخ من حساباتها كليًا، لكنّها خففت من مركزيته حين تعاملت مع بقاء جزء من القدرة الصاروخية الإيرانية بوصفه أمرًا يمكن قبوله “بالقدر المتناسب” في سياق (التوازن الاستراتيجي الإيراني/الخليجي) من منظور أميركي.

أما الخطاب الباكستاني، فيذهب أبعد من ذلك حين يرفض أصلًا (منطق منع إيران من امتلاك هذه القدرة) في الوقت الذي يعتبر ترامب وجودها لدى إيران مبررًا أمام امتلاك السعودية وقطر ودول أخرى لها.

ولا يعني ذلك تجاهل تعقيدات الموقع الباكستاني، فإسلام آباد دولة تجاور إيران، وتواجه معها ملفات حدودية وأمنية حساسة في إقليم بلوشستان، كما لعبت دورًا وسطيًا في مسار التهدئة الأميركي-الإيراني الأخير.

يتّضح خلال الأسبوع الأخير تقاربٌ لافتٌ وغير مريح في الخطاب الاستراتيجي الباكستاني-الأميركي، على حساب أمن ومصالح دول مجلس التعاون

غير أن تفهّم دوافع التوازن الباكستاني لا يُعفي دول الخليج من مساءلة أثر هذا التوازن على (موثوقية الردع المشترك مع باكستان) ومدى الحاجة إلى تحسينه وضبطه بالشكل الذي يضعه في سياق يوازن بين الاعتبارات الباكستانية والاعتبارات الخليجية في ذات الوقت.

وتزداد حساسية هذا السؤال لأن الاتفاق السعودي–الباكستاني للدفاع الاستراتيجي المتبادل، الموقّع في 17 سبتمبر 2025، قام على مبدأ أن أي اعتداء على أحد الطرفين يُعامل بوصفه اعتداءً على الطرفين.

لكن قوة أي التزام دفاعي لا تُقاس بنصوصه وحدها، بل بوضوح عقيدة الحليف تجاه مصدر التهديد، وبقدرته على التمييز بين أمن شريكه الدفاعي وأمن خصم شريكه الدفاعي.

وهنا يبرز السؤال الذي لا بد من طرحه بوضوح:

ما مدى جدية وفاعلية المظلة الباكستانية التي يُفترض أن يوفرها حلف الدفاع المشترك مع السعودية، إذا كانت باكستان، في الوقت ذاته، تمنح إيران مظلةً سياسية واستراتيجية في أكثر ملفات تهديد الخليج حساسيةً، والمتمثل في الصواريخ الباليستية الإيرانية؟

كيف يمكن لدول الخليج أن تقرأ بطمأنينة حديثَ (الحماية) و(الدفاع المشترك) مع باكستان، بينما تُمنح إيران شرعية سياسية للاحتفاظ بالأداة العسكرية التي استهدفت بها دول الخليج خلال الأسابيع الماضية، وهددت بها عواصمها ومنشآتها المدنية وممراتها الحيوية ومنابعها النفطية والغازية؟

وإذا كان منطق بعض القوى الدولية كواشنطن هو أن امتلاك إيران للصواريخ الباليستية يصبح مقبولًا لمجرد أن دولًا خليجية تمتلك صواريخ، فأين يُوضَع الفارق بين دولٍ تبني أمنها على منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وعلى تحالفات دفاعية معلنة، وبين إيران التي توظف قوتها الصاروخية ضمن عقيدة ردع هجومية وغير متماثلة، تمتد عبر الضغط المباشر والوكلاء وتهديد الممرات الحيوية والمنشآت النفطية الخليجية التي تمثل عصب أمن الطاقة العالمي؟

المشكلة ليست في امتلاك السلاح بوصفه رقمًا مجردًا، بل في عقيدة استخدامه، وسجلّ استعماله، والهدف السياسي الذي يخدمه.

يأتي اليوم رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أثناء زيارة الرئيس الإيراني إلى باكستان، ليؤكد منطقًا سياسيًا

الصاروخ الإيراني ليس بندًا تقنيًا في ميزان تسلحٍ محايد، بل هو جزء من (بنية تهديد إقليمية) استُخدمت لإبقاء دول الخليج تحت ضغط أمني وسيادي دائم.

ولهذا، فإن استقبال باكستان الحافل للرئيس الإيراني، في لحظة لم تُجب فيها طهران بعد عن أثر صواريخها واعتداءاتها على دول مجلس التعاون، لا يمكن فصله عن هذا المناخ السياسي الأوسع.

وهنا تتداعى إلى الذهن صورة شهباز شريف، وهو يمسك (المظلة الباكستانية) خلال استقباله الرئيس الإيراني، فتبدو الصورة رمزيًا، أبلغ من الكلمات:

فهل كانت تلك المظلة تُرفع فعلًا لحماية الحليف الخليجي؟

أم أنها تُرسل إلى إيران رسالةً موازية مفادها:

إن الغطاء السياسي والاستراتيجي الباكستاني لا يقف بعيدًا عن ايران أيضًا؟

ولا تعني هذه الأسئلة الدعوة إلى القطيعة مع باكستان أو التقليل من قيمة الشراكة الأمنية المهمة معها، بل تفتح بابًا لتساؤل استراتيجي مشروع أمام دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، حول إعادة تفكيك معنى هذه المظلة وحدودها العملية.

المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت باكستان مستعدة للوقوف عسكريًا إلى جانب السعودية عند وقوع اعتداء مباشر، بل تتعلق بما قبل ذلك:

هل تتبنى إسلام آباد تعريفًا مشتركًا مع الخليج لمصدر التهديد؟

هل ترى في القدرة الصاروخية الإيرانية خطرًا يجب تقييده، أم حقًا طبيعيًا ينبغي تأمين غطائه السياسي؟

هل يستطيع الحليف الذي يمنح الخصم طمأنةً استراتيجية في وقت السلم أن يشكل عنصر ردعٍ موثوقًا ضده عند لحظة الأزمة؟

وأين تنتهي (سياسة التوازن) المشروعة، وأين تبدأ سياسة تمييع التهديد بما ينعكس على أمن الطرف المتحالف معها؟

الاتفاق السعودي–الباكستاني للدفاع الاستراتيجي المتبادل، الموقّع في 17 سبتمبر 2025، قام على مبدأ أن أي اعتداء على أحد الطرفين يُعامل بوصفه اعتداءً على الطرفين

فالتحالفات الدفاعية لا تُختبر فقط عند انفجار الحرب، بل عند لحظة تعريف العدو، وتحديد التهديد، ورسم الخطوط التي لا يسمح الحليف بتجاوزها.

وعليه، فإن السؤال الأهم ليس: هل تمتلك السعودية مظلة باكستانية؟

بل: لمن تُفتح هذه المظلة عند اشتداد العاصفة، ومن الذي يبقى خارجها؟

إقرأ أيضاً: إيران في المحور الأميركيّ؟

وهل تفرض الأزمة الأخيرة إعادة ضبط مفهوم الردع المشترك، وحدود الالتزام، وتعريف مصدر التهديد داخل هذه الشراكة؟

 

*كاتب كويتي وباحث في الشؤون الدولية والجيوسياسية

مواضيع ذات صلة

شروط الرّياض لاستقرار المنطقة..

تخيّل خارطة طريق لإقامة منطقة تعيش تحوّلات ما بعد الحرب على إيران باتّجاه ما يقيم شرقاً أوسط مستقرّاً، مزدهراً، متعاوناً، ومتقاطع المصالح. لا يحتاج الأمر…

الرباعيّ الإقليميّ: أقل من حلف وأكثر من تفاهم..

لا تكمن أهميّة الاجتماعات المتتالية التي جمعت مصر والمملكة السعوديّة وتركيا وباكستان خلال الأشهر الأخيرة في البيانات الرسميّة التي صدرت عنها، ولا في العبارات الدبلوماسيّة…

إيران في المحور الأميركيّ؟

ما نشهده اليوم هو أكثر من جولة جديدة من التفاوض بين واشنطن وطهران. إذ توحي المؤشّرات المتراكمة بأنّ المنطقة أمام إعادة تموضع استراتيجيّة كبرى، عنوانها…

لبنان بين إيران وإسرائيل: الدّولة هي الضّحيّة

لم تكن إيران الجهة الإقليميّة الوحيدة التي انخرطت في حروب لبنان، بل سبقتها منظّمة التحرير الفلسطينيّة وسوريا وإسرائيل ودول أخرى. ولم يكن ممكناً لإيران أن…