بعد أن أطلقت إيران عبر بنيتها العسكرية وفي مقدمتها الحرس الثوري آلاف المقذوفات (تجاوزت خمسة آلاف صاروخ ومسيّرة) بنسبة تقارب 83% من إجمالي هجماتها باتجاه دول مجلس التعاون، لم يعد تعريف التهديد الأمني الخليجي شأنًا تحليليًا بل حقيقة عملياتية مثبتة، ولم يعد السؤال: من نختلف حوله، بل من استهدفنا فعليًا، لأنّ التهديد لا يُقاس بما تملكه الدول، وإنما بما تستخدمه فعلًا ضدنا.
وفق هذا المعيار تصبح إيران تهديدًا وجوديًا مباشرًا بعدما جمعت بين القدرة والنية والاستخدام الفعلي للقوة ضد المجال السيادي الخليجي.
وعليه، فإنّ ترتيب الأولويات لا يُبنى على موازين القوة المجردة بل على نمط الاستخدام الفعلي لها، فالتهديد الذي يضربك الآن هو التهديد الأول مهما تعددت مصادر التهديد الأخرى.
هنا تتشكل لحظة تأسيسية جديدة تفرض الانتقال من تباين تقدير التهديد إلى توحيد تعريفه مؤسسيًا، عبر تحرّك عاجل على مستوى مجالس الأمن الوطني الخليجية لإعادة بناء تعريف موحد للتهديد الوجودي، وسلم أولويات الردع الجماعي وعقيدة تشغيل مشتركة للاستجابة الفورية وتكامل استخباراتي واعتراضي عابر للحدود.

إنّ نجاح منظومات الدفاع الجوي في اعتراض نسبة كبيرة من المقذوفات لا يلغي الخطر بل يكشف حجمه الحقيقي وكلفته التشغيلية والاقتصادية من استنزاف الاعتراضات وارتفاع كلفة التأمين وتعطل سلاسل الإمداد وتأثر الموانئ والطيران ومنشآت الطاقة لأنّ الأمن لا يُبنى على وفرة السلاح بل على وحدة المفهوم الذي يوجّه استخدامه.
الخطر ليس في قوة إيران.. وإنما في اختلافنا العربي على درجة وأولوية تعريفها كعدو
تشكيل العقد الأمني الخليجي
من هنا يجب أن ندفع باتجاه التقاط اللحظة الإقليمية واستثمارها بطريقة تُفضي إلى تشكيل العقد الأمني الخليجي الجديد، لا بوصفه تحالفًا رمزيًا بل إطار إلزام سيادي مرن يراعي تباينات الدول وقدراتها وعلاقاتها الدولية، لكنّه يحسم في نقطة مركزية لا تقبل التفاوض وهي أنّ وحدة تعريف الخطر هي الحد الأدنى الذي لا يُمس. فإذا توحّد تعريف العدو تقلصت مساحات التباين، وإذا تقلصت مساحات التباين في المفهوم الأمني، انعدمت بالتبعية أرضية الخلافات والتباينات السياسية.
أما إذا تركنا الواقع كما هو فلن ننجح برفع كلفة الاستهداف على العدو الإيراني، وذلك يعني أنّ الاستمرار في التباين يعتبر بحد ذاته ثغرة سيادية خليجية قابلة للاستغلال الإيراني.
من هذا المنطلق يمكن أن نفسّر محاولات الاختراق الإيراني للوحدة الأمنية الخليجية عبر منهجية إيران بعدم استهداف دولة أو دولتين خليجيتين أحيانًا، في الوقت الذي تُقصف فيه بقية الدول الخليجية، حتى يكون هناك تباين أمني في الحسابات الخليجية. عندها ربما يتمكن الإيراني من اختراق الجدار الخليجي الأمني عبر فجوة الحسابات الأمنية الناجمة عن منهجية القصف الإيرانية المُزدوجة.
إقرأ أيضاً: لبنان بين ثلاثة أثمان للسيادة: الدم… الاقتطاع… أم التدويل المنظّم؟
ختامًا، الخطر ليس في قوة إيران.. وإنما في اختلافنا العربي على درجة وأولوية تعريفها كعدو.
*كاتب كويتي وباحث في الشؤون الدولية والجيوسياسية
لمتابعة الكاتب على X:
