لبنان بين ثلاثة أثمان للسيادة: الدم… الاقتطاع… أم التدويل المنظّم؟

مدة القراءة 15 د

 لم يعد السؤال في لبنان: هل يبقى سلاح الحزب أم لا؟

لقد تجاوزت الوقائع هذا المستوى من الجدل. فالدولة اللبنانية، في عهد الرئيس جوزاف عون، انتقلت أصلًا إلى خطاب أكثر صراحة في مسألة احتكار السلاح، فيما يواصل الحزب رفض أي مسار جدي لنزع سلاحه، وتواصل إسرائيل توسيع ضغطها العسكري على الجنوب والعمق اللبناني، بينما يتحرك الخارج على خطوط متوازية بين الوساطة والردع وإعادة هندسة التوازنات. بهذا المعنى، لم يعد لبنان أمام نقاش نظري في “مبدأ” السيادة، بل أمام سؤال عملي أشد قسوة: من الذي سيستعيد السيادة اللبنانية على الأرض، وبأي ثمن، ولصالح أي هندسة إقليمية؟ 

من هنا، فإن لبنان يبدو واقفًا أمام ثلاثة مسارات كبرى لا رابع لها في جوهر المشكلة.

المسار الأول: أن يقوم الجيش اللبناني بنفسه بمهمة نزع سلاح الحزب.

المسار الثاني: أن تفرض إسرائيل هذا المسار بالقوة عبر التوغل والاجتياح وإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية للبنان.

المسار الثالث: أن يرفع الرئيس جوزاف عون المسألة إلى مجلس الأمن تحت الفصل السابع، فتتشكل قوة دولية أو ائتلافية تفرض سيادة الدولة اللبنانية وتباشر مهمة نزع السلاح وملاحقة البنية المسلحة التابعة للحزب.

هذه ليست مسارات متساوية في الشرعية ولا في الكلفة ولا في القابلية للتحقق،  إنها في الحقيقة، ثلاث صيغ مختلفة لتوزيع الكلفة السيادية على لبنان: كلفة الدم الداخلي، أو كلفة الاقتطاع الخارجي، أو كلفة التدويل المنظّم. 

الدولة اللبنانية، في عهد الرئيس جوزاف عون، انتقلت أصلًا إلى خطاب أكثر صراحة في مسألة احتكار السلاح

أولًا: المسار الأول

الجيش اللبناني بوصفه حامل السيادة المباشر:

هذا المسار هو الأصفى من حيث المنطق السيادي. ففيه تستعيد الدولة وظيفتها بنفسها، ولا تستعير قوة السيادة لا من خصم خارجي ولا من وصاية دولية. وهو أيضًا الأكثر اتساقًا مع روح القرار 1701 الذي دعا إلى وقف هجمات الحزب ووقف العمليات الإسرائيلية الهجومية، ومع القرارات اللاحقة التي شددت على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وعلى عدم بقاء سلاح أو سلطة خارجها، بما في ذلك ما أكده القرار 2790 لعام 2025. من هذه الزاوية، لا يوجد مسار أنقى من أن يقوم الجيش اللبناني نفسه بحسم مسألة احتكار العنف المشروع داخل لبنان. 

غير أن نقاء هذا المسار نظريًا لا يعني سهولة تنفيذه عمليًا. فالجيش اللبناني، رغم رمزيته الوطنية، لا يتحرك في فراغ، ولا يواجه مجرد تنظيم معزول، بل فاعلًا مسلحًا متجذرًا سياسيًا واجتماعيًا وعقائديًا ومرتبطًا بشبكات إقليمية ممتدة. كما أن المعطيات المتداولة عن قدرات الجيش وحاجته إلى دعم خارجي، وكذلك الحديث اللبناني الرسمي عن إحياء منحة سعودية سابقة لتسليحه بقيمة ثلاثة مليارات دولار، تعكس أن الجيش قادر على الانتشار والضبط والتثبيت أكثر مما هو مهيأ، في وضعه الراهن، لعملية اقتلاع قسري شامل وسريع ضد الحزب. ولذلك فالمعضلة هنا ليست في مبدأ الشرعية، بل في الفجوة بين الشرعية والقدرة. 

ثم إن الكلفة البشرية في هذا المسار ستكون، في الأغلب، الأعلى على المؤسسة العسكرية اللبنانية نفسها. ذلك أن أي مواجهة مباشرة بين الجيش والحزب لن تكون مجرد عملية أمنية تقليدية، بل ستكون احتكاكًا بين الدولة وكتلة مسلحة متداخلة مع نسيج طائفي وسياسي واجتماعي، بما يرفع احتمالات الخسائر والانقسام والضغط على تماسك المؤسسة الوطنية الجامعة الأخيرة في البلد. ولهذا فإن المسار الأول، رغم شرفه السيادي، ليس مجرد قرار عسكري، بل يحتاج قبل انفاذه إلى بيئة سياسية متماسكة، وإلى سند عربي ودولي، وإلى توافق لبناني واسع يمنع تحوله من معركة استعادة سيادة إلى بوابة تفجير داخلي شامل. 

وعليه، فالمسار الأول هو أفضل المسارات من حيث صفاء الشرعية السيادية، لكنه ليس الأعلى قابلية للتحقق السريع. إنه مسار الدولة حين تريد أن تستعيد نفسها بيدها، لكنه أيضًا المسار الذي يطلب من اللبنانيين أن يدفعوا ثمن استعادة الدولة من لحم مؤسستهم العسكرية نفسها. ولهذا فإن احتماله، في الحساب المركب، يبقى قائمًا لكنه غير غالب: ليس لأنه يفتقد المشروعية، بل لأنه يفتقد حتى الآن إلى فائض القوة السياسية والعسكرية الكافي لحسمه بأقل قدر من الانكسار الداخلي.

روسيا هي الحلقة الأصعب. فهي تحتفظ بشراكة مع إيران، وتدعو علنًا إلى وقف الأعمال القتالية في الخليج

ثانيًا: المسار الثاني

إسرائيل بوصفها القوة التي تفرض نزع السلاح من خارج الدولة:

هذا المسار هو الأكثر فجاجة جيوسياسيًا، لأنه لا يعيد السيادة إلى لبنان، بل يفرض على لبنان إعادة تشكيل أمنه من خلال القوة الإسرائيلية. غير أنه، paradoxically، هو أيضًا من أكثر المسارات قابلية للتحقق من الناحية العملياتية، لأن إسرائيل لا تحتاج لكي تبدأه إلى إجماع لبناني، ولا إلى موافقة الحزب، ولا حتى إلى قرار دولي جديد. وهي بالفعل تتحرك في هذا الاتجاه عبر توسيع عملياتها، وتدمير البنية التحتية، والدفع نحو منطقة أمنية أكثر عمقًا، فيما أشار القرار 2790 نفسه إلى بقاء إسرائيل في خمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يعني أن ” التموضع داخل لبنان ” ليس احتمالًا نظريًا، بل له أصل ميداني  وقانوني قائم وفقًا لإدعاء إسرائيل في السجال الدولي الراهن. 

لكن هذا المسار، مهما بدا ناجعًا عسكريًا، يعاني من عطب بنيوي: إسرائيل تستطيع أن تدمر، وأن تعزل، وأن تدفع الحزب إلى الانكفاء، وأن تعيد رسم نطاقات النار، لكنها لا تستطيع أن تنتج شرعية لبنانية جديدة. بل إن أي توغل إسرائيلي طويل أو هندسة قسرية للجنوب قد تعيد إلى الحزب جزءًا من شرعيته التعبوية التي تضررت داخليًا. فالقوة الإسرائيلية، مهما بلغت فعاليتها في الميدان، لا تصنع دولة لبنانية، بل تصنع فراغًا أمنيًا أو حزامًا أمنيًا أو وقائع احتلالية مؤقتة قابلة للاستطالة. وهذا هو جوهر خطورة المسار الثاني: أنه قد ينجح في إضعاف الحزب عسكريًا، لكنه قد يفعل ذلك على حساب السيادة اللبنانية نفسها. 

ومن ناحية الكلفة، فهذا المسار قد يكون أقل كلفة على أفراد الجيش اللبناني إذا تجنبت القيادة إدخاله في مواجهة مباشرة مع الحزب، لكنه ليس أقل كلفة على لبنان كدولة ومجتمع وجغرافيا. فالتقارير الصحفية خلال مارس/آذار 2026 تحدثت عن ارتفاع كبير في عدد القتلى والنازحين وعن تصعيد إسرائيلي استهدف الجسور والمنازل والبنية التحتية جنوبًا، بما يجعل ” خفض كلفة الدم العسكري اللبناني ” هنا يقابله رفع هائل لكلفة الدم المدني والجغرافي اللبناني. وهذا يعني أن المسار الثاني لا يوفّر الثمن، بل يعيد توزيع الثمن من الجيش إلى الأرض والسكان. 

ولهذا، فإن المسار الثاني يبقى عالي الاحتمال من ناحية القدرة المجردة على الفرض، لكنه أفقر المسارات سياديًا للبنان. إنه يحقق لإسرائيل جزءًا من أمنها، وقد يحقق للبنان جزءًا من إضعاف الحزب، لكنه يفعل ذلك عبر انتقاص سيادة الدولة وإعادة تعريف جنوب لبنان بمنظار القوة الإسرائيلية، لا بمنظار قرار لبناني حر.

ثالثًا: المسار الثالث

التدويل المنظّم: قرار تحت الفصل السابع وقوة منفذة على الأرض:

هذا هو المسار الأكثر تعقيدًا، والأغنى من حيث حساسات التحليل. وهو ليس مجرد خيار قانوني أنيق، بل مشروع هندسي كامل يربط بين الشرعية اللبنانية، وإمكانات مجلس الأمن، والرافعة العربية، وقابلية التنفيذ الميداني. النص القانوني موجود بوضوح: فالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يمنح مجلس الأمن صلاحية تحديد ما إذا كان الوضع يشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، ثم اتخاذ تدابير تحت المادتين 41 و42، بما في ذلك تدابير غير عسكرية أو، عند اللزوم، إجراءات عسكرية. كما أن القرارات غير الإجرائية تحتاج إلى تسعة أصوات وعدم استخدام أي من الأعضاء الدائمين الخمسة للفيتو. إذًا، من حيث البناء القانوني الخالص، المسار الثالث ممكن وليس وهمًا. 

لكن هذا المسار لا ينجح بالنصوص وحدها. إنه يقوم على ثلاث حلقات متتابعة: الاستصدار، ثم منع الفيتو، ثم التنفيذ. والفشل في أي حلقة منها يحوّل القرار من أداة سيادية إلى نص أرشيفي. هنا تحديدًا تبدأ “حساسات” التحليل التي ترفع احتمال هذا المسار أو تخفضه.

دخول قوات سورية إلى لبنان، حتى تحت مظلة دولية، قد يوقظ ذاكرة لبنانية ثقيلة، ويُستخدم داخليًا لإثارة مخاوف تاريخية

1-الرافعة السعودية: من التأييد إلى صناعة الكتلة الدافعة:

الدعم السعودي المحتمل ليس تفصيلًا جانبيًا في هذا المسار لو قرر رئيس الدولة جوزاف عون تبنيه، بل هو أحد أهم مفاتيح رفعه من مجرد فرضية أممية إلى خيار قابل للتسييل السياسي. فالسعودية اليوم ليست طرفًا بعيدًا عن المشهد، هي دولة تعرضت خلال مارس 2026 لتهديدات وهجمات إيرانية مباشرة، وأعلن وزير خارجيتها أن المملكة تحتفظ بحق اتخاذ عمل عسكري ضد إيران، كما استضافت اجتماعًا تشاوريًا لوزراء خارجية عرب ومسلمين لبحث أمن المنطقة واستقرارها. هذا يمنح الرياض دافعًا أمنيًا مباشرًا لتقليص الأذرع الإيرانية الإقليمية، ومنها الحزب، لا بوصفه ملفًا لبنانيًا صرفًا، بل بوصفه جزءًا من بنية التهديد الإقليمي الأوسع. 

لكن أهمية السعودية لا تقف عند مستوى “الرغبة”.  فهي تملك، إذا اختار الرئيس عون هذا المسار رسميًا، القدرة على بناء كتلة عربية وإسلامية داعمة، ورفد الجيش اللبناني سياسيًا وماليًا، وتقديم المظلة التي تمنع ظهور القرار كأنه مشروع غربي منفرد. كما أن الانفتاح السعودي على لبنان في عهد عون، والحديث عن استئناف دعم الجيش، يجعلان من الرياض طرفًا قادرًا على نقل المسار الثالث من مستوى الدبلوماسية الباردة إلى مستوى التحالف الداعم. وعليه، فإن العامل السعودي لا يضمن النجاح وحده، لكنه يرفع بوضوح فرص الاستصدار ويمنح القرار، إذا طُرح، عمقًا عربيًا يفتقده أي مشروع تدويل لا سند له في الإقليم. 

2- العامل الصيني: ليس دعمًا بالضرورة، بل احتمال امتناع بدل النقض:

أما الصين، فالحساب معها يجب أن يكون منضبطًا. لا توجد معطيات تسمح بالقول إن العلاقات السعودية-الصينية كافية وحدها لدفع بكين إلى تأييد قرار تحت الفصل السابع ضد الحزب. لكن توجد معطيات تسمح بفرضية أدق: أن الصين، في بيئة معينة وصياغة معينة، قد تفضّل الامتناع عن استخدام الفيتو. فقد أعلنت بكين في مارس 2026 أنها “لا توافق” على الهجمات على دول الخليج، وأكدت رفضها للهجمات العشوائية على المدنيين والأهداف غير العسكرية، كما واصلت التحذير من أثر الحرب على الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي. هذه اللغة لا تعني اصطفافًا كاملًا مع الرياض، لكنها تعني أن بكين شديدة الحساسية لاستقرار الخليج وأمن التدفقات. 

ومن هنا، فإن أثر العلاقات السعودية-الصينية لا ينبغي تضخيمه بوصفه أداة “تجنيد” للصين، بل فهمه بوصفه أداة تحييد محتمل. فإذا صيغ القرار بلغة سيادية-استقرارية تركّز على بسط سلطة الدولة اللبنانية، ومنع انهيار لبنان، وتقليص مخاطر الحرب الإقليمية، لا على توسيع حرب أمريكية-إسرائيلية، فإن فرص امتناع بكين ترتفع. والامتناع، في حساب مجلس الأمن، يكفي لمرور القرار ما دام لا يوجد فيتو آخر. هذه نقطة شديدة الأهمية، لأن المسار الثالث لا يحتاج بالضرورة إلى أن تصبح الصين جزءًا من جبهة التأييد، يكفيه أحيانًا أن لا تصبح جزءًا من جبهة التعطيل. 

 3-العامل الروسي: بين شراكة إيران وتنسيق إسرائيل:

روسيا هي الحلقة الأصعب. فهي تحتفظ بشراكة مع إيران، وتدعو علنًا إلى وقف الأعمال القتالية في الخليج، بل وصفت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بأنها أساس التصعيد الجاري، وأبدت استعدادًا للمساعدة في تسوية دبلوماسية. هذا يعني أن موسكو ليست في موقع سياسي سهل يسمح بتسويق قرار يبدو كأنه اصطفاف أممي ضد حليف إيراني. 

لكن في المقابل، توجد أيضًا حقيقة أخرى: العلاقات الروسية-الإسرائيلية، رغم توترها وتفاوتها، عرفت في العقد الأخير مستويات مهمة من التنسيق، خصوصًا في الساحة السورية، بما في ذلك آليات منع الاشتباك التي تحدثت عنها رويترز في سياقات سابقة. ومن هنا فإن الحساب الأدق ليس أن موسكو ستتبنى منطق إسرائيل، بل أن إسرائيل قد تستثمر قنواتها مع روسيا لإقناعها بأن عدم تعطيل مسار تدويل مضبوط للبنان أقل ضررًا من ترك إسرائيل تذهب وحدها إلى اجتياح أوسع وأكثر فوضوية. أي أن العامل الإسرائيلي-الروسي قد لا يصنع تأييدًا روسيًا، لكنه قد يساعد في تخفيض احتمال الفيتو إذا قُدم القرار بوصفه مسارًا يضبط الفوضى ويمنع انفجارًا أكبر، لا كغطاء لإخضاع لبنان. 

بمعنى آخر: المسار الثالث لا يحتاج إلى تحوّل روسي استراتيجي، بل إلى كبح الدافع الروسي إلى النقض. وهذه مسافة أقل من مسافة الاستقطاب الكامل، وأكثر واقعية في الحساب.

4-العامل السوري الجديد: الذراع البرية الممكنة، لا العنوان الوحيد:

العامل التنفيذي الأهم في المسار الثالث هو سوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. فهذه ليست مجرد دولة جارة، بل دولة خرجت من حكم الأسد وتسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها وعلاقاتها، فيما ترى في الحزب امتدادًا لبنية إقليمية عادت عليها بأعباء أمنية وسياسية ثقيلة. وقد أفادت رويترز بالفعل بأن الولايات المتحدة شجعت دمشق على التفكير في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح الحزب، لكن الحكومة السورية أبدت ترددًا واضحًا خوفًا من الانجرار إلى حرب أوسع ومن إثارة حساسيات طائفية داخلية وإقليمية. كما أكدت المصادر نفسها أن دمشق شددت على احترام سيادة لبنان. 

مع ذلك، فإن مجرد تداول هذا السيناريو يغيّر الحساب جذريًا. فمشاركة سوريا الجديدة في قوة منفذة، إذا جاءت تحت طلب لبناني صريح وغطاء أممي واضح ومشاركة عربية أوسع، تضيف أربع مزايا دفعة واحدة:

أولًا، تضرب العمق البري واللوجستي الذي استفاد منه الحزب تاريخيًا.

ثانيًا، توفر عنصرًا عربيًا بريًا قريبًا من المسرح العملياتي.

ثالثًا، تنسجم مع مصلحة دمشق الجديدة في تفكيك بقايا النفوذ الإيراني-الأسدي في جوارها.

رابعًا، تمنح القوة الدولية بعدًا مشرقيًا عربيًا، بدل أن تظهر بوصفها تدخلًا غربيًا خالصًا. وكل هذه العوامل ترفع قابلية التنفيذ، لا سيما أن الرئيس أحمد الشرع بات يقدم نفسه في ملفات أخرى، مثل ملف السلاح الكيماوي، بوصفه شريكًا للدول الغربية في تفكيك إرث النظام السابق وإعادة بناء شرعية الدولة السورية الجديدة. 

لكن هذه الميزة نفسها تحمل قيدًا أساسيًا: دخول قوات سورية إلى لبنان، حتى تحت مظلة دولية، قد يوقظ ذاكرة لبنانية ثقيلة، ويُستخدم داخليًا لإثارة مخاوف تاريخية. ولهذا فإن الدور السوري، لكي يكون رافعًا للمسار الثالث لا عبئًا عليه، يجب أن يكون جزءًا من تحالف متعدد الجنسيات، لا عنوانه الوحيد. أي أن سوريا الجديدة تصلح أن تكون ذراعًا مساندة ضمن قوة عربية-دولية، لا أن تتحول وحدها إلى الوجه العسكري المهيمن على العملية.

الاحتمالات: كيف يعاد وزن المسارات بعد إدخال هذه الحساسات؟

في التقدير الأولي، كان المسار الثالث أدنى من غيره احتمالًا، لأن عُقدته الأساسية كانت في مجلس الأمن وفي حلقة التنفيذ. لكن بعد إدخال المتغيرات الأربعة التي جرى تحليلها هنا: الرافعة السعودية، واحتمال تحييد الصين، وإمكان تخفيض الدافع الروسي إلى الفيتو، ومشاركة سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع ضمن قوة منفذة، فإن المسار الثالث يرتفع بوضوح من مسار “قانوني أنيق لكنه ضعيف” إلى مسار جدي قابل للمنافسة. غير أن هذا الارتفاع يبقى مشروطًا، لا مطلقًا. 

والتقدير المنهجي الأقرب، وفق الوقائع المتاحة حتى 23 مارس 2026، يمكن صياغته على النحو الآتي:

المسار الأول يبقى في حدود 28% إلى 30%، لأن شرعيته العالية لا تزال تصطدم بمحدودية قدرة الجيش اللبناني وكلفة الاشتباك الداخلي العالية.

المسار الثاني ستنخفض احتمالاته إلى حدود 32% إلى 35%، في حال ارتفاع قابلية المسار الثالث الذي سيسحب من المسار الثاني (الإسرائيلي الأحادي) بعض الزخم..

أما المسار الثالث فيرتفع إلى حدود 35% إلى 40%، بشرط تحقق السلسلة كاملة: طلب لبناني رسمي من جوزاف عون، ورافعة سعودية-عربية، وصياغة قرار تسمح بامتناع الصين وتخفض احتمال الفيتو الروسي، ثم قوة منفذة متعددة الجنسيات تكون سوريا الجديدة جزءًا منها لا منفردة بها. 

خلاصة الأمر أن لبنان لا يقف بين حلول ثلاث، بل بين ثلاث كلف سيادية:

في المسار الأول، يدفع من دم جيشه كي يستعيد دولته بنفسه.

وفي المسار الثاني، يدفع من أرضه ومدنه وبنيته وسيادته كي يضعف خصمه الداخلي عبر خصم خارجي.

وفي المسار الثالث، يدفع من استقلال قراره لصالح تدويل منظّم، لكنه قد يكسب في المقابل أقل المسارات كلفة على الجيش اللبناني، وأقلها تدميرًا لوحدة الجغرافيا اللبنانية، إذا أُحسن تصميمه سياسيًا وقانونيًا وتنفيذيًا. 

ولهذا، فإن المسألة ليست: أي المسارات “أجمل” نظريًا؟

بل: أيها يحقق أعلى قدر من استعادة السيادة اللبنانية بأدنى كلفة بشرية وجيوسياسية؟

وفي الحساب المركب الراهن، لم يعد المسار الثالث مجرد فرضية بعيدة، بل صار المسار الوحيد القادر، إذا تبناه جوزاف عون، وسندته الرياض، ومرّ من بين أسنان الفيتو، وأسندته قوة تنفيذية فيها عنصر سوري جديد منضبط، على أن يوفّر للبنان مخرجًا لا يمر لا عبر انتحار الجيش، ولا عبر اقتطاع الاحتلال.

إنه ليس المسار الأسهل، لكنه بات، في ظروف معينة، المسار الأكثر عقلانية إذا أراد لبنان أن يستعيد نفسه من دون أن يفقد نفسه.  

*كاتب كويتي وباحث في الشؤون الدولية والجيوسياسية

مواضيع ذات صلة

سلام: التفاوض المباشر أقصر الطرق وأقلّها كلفة

يتمهّل رئيس الحكومة نوّاف سلام في الحكم على الجولتين الأخيرتين، الخامسة والسادسة، من المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة في واشنطن، من دون أن يقلّل من…

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…