عون يُحرّر “بعبدا” من الاحتلال الإيرانيّ

مدة القراءة 7 د

في مقابلة مع شبكة CNN، لم يدعُ رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى الدولة فحسب، بل تحدّث عن سأم الدولة من الدويلة التي يمثّلها حاليّاً “الحزب”. تحدّث أيضاً عن ميزان القوى الذي حكم لبنان منذ عام 1969 وبدء فقدانه قدرته على الاستمرار، مساجلاً إيران عن وجوب تعاملها مع لبنان كدولة، داعياً إيّاها إلى أن تتوقّف عن دعم “الحزب”، وهو ما بدا وكأنّه انطلاقة فعليّة لتحرير لبنان من الاحتلال الإيرانيّ، بعد تحرير كرسي الرئاسة في قصر بعبدا.

 

لم يكن الحوار التلفزيونيّ مع رئيس الجمهوريّة حديثاً عن حرب تدور في الجنوب، ولا موقفاً سياسيّاً من “الحزب” أو إيران أو إسرائيل. أهمّيّته الحقيقيّة أنّه بدا أقرب إلى إعلان سرديّة سياسيّة متكاملة عنوانها أنّ زمن الاستثناء اللبنانيّ يقترب من نهايته، وأنّ الدولة تحاول للمرّة الأولى منذ عقود استعادة موقعها الطبيعيّ بوصفها المرجعيّة الوحيدة للسيادة والقرار.

1969: خروج السّيادة من يد الدّولة

ربّما أهمّ جملة في المقابلة كلّها كانت تلك التي قد تبدو للوهلة الأولى عابرة: “لقد سئمنا هذا الوضع منذ عام 1969”. في الواقع، تختصر هذه العبارة نصف قرن من التاريخ اللبنانيّ. فمنذ اتّفاق القاهرة عام 1969، بدأ لبنان يعيش تجربة فريدة في العالم العربيّ: دولة قائمة ومؤسّسات قائمة، لكنّ قرار الحرب والسلم لم يعُد في يدها، بل عند منظّمة التحرير الفلسطينيّة.

منذ ذلك الحين، تعاقبت على هذا الموقع قوى مختلفة، من التنظيمات الفلسطينيّة وعلى ضفافها اليسار واليمين، ثمّ الاحتلالات والوصايات وصولاً إلى الهيمنة الإيرانيّة عبر “الحزب”، بينما بقيت الدولة تعيش في ظلّ سيادة منقوصة أو موزّعة. لهذا لا يتحدّث عون عن “الحزب” بوصفه مشكلة منفصلة، بل بوصفه الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من ظواهر أخرجت القرار السياديّ من الاحتكار الكامل للدولة.

لا يقف عون في منتصف الطريق بين مشروعين متصارعين، بل خارج منطقهما معاً

إنّه لا يعلن أزمة حزب، بل أزمة نموذج سياسيّ كامل.

لم يكن يتحدّث عون كرئيس يحاول التوفيق بين القوى المختلفة أو إدارة التوازنات التقليديّة. بل يبدو كرئيس يعتقد أنّ الظروف التي جعلت الاستثناء اللبنانيّ ممكناً طوال عقود بدأت تتآكل. ولهذا جاءت عباراته حاسمة بصورة غير مألوفة.

الأفق المسدود

عندما يقول إنّ “الحزب” لن يحقّق أهدافه بالحرب، لا يقدّم نصيحة تكتيكيّة، بل يصدر حكماً سياسيّاً على استراتيجية كاملة حكمت جزءاً كبيراً من الحياة اللبنانيّة خلال العقود الأخيرة. وعندما يقول إنّ إسرائيل لن تحقّق أهدافها بالحرب أيضاً، يصدر حكماً موازياً على الاستراتيجية المقابلة.

بهذا المعنى، لا يقف عون في منتصف الطريق بين مشروعين متصارعين، بل خارج منطقهما معاً. إنّه يقول إنّ الحرب نفسها لم تعد قادرة على إنتاج الحلول التي يعد بها طرفاها.

من أكثر ما يلفت الانتباه أنّ هذا الكلام لا يصدر عن ناشط سلام أو أكاديميّ أو دبلوماسيّ محترف، بل عن قائد جيش سابق ورجل أمضى حياته داخل المؤسّسة العسكريّة. ولهذا تكتسب عبارته أهميّة خاصّة عندما يقول: الحرب تفاوض دمويّ، والمفاوضات حرب بلا دماء. فهذه ليست جملة بلاغيّة. إنّها خلاصة رؤية رجل خبِر الحرب من داخلها.

لكنّ المقابلة التلفزيونيّة لم تتضمّن نقداً لـ”الحزب” وحده، بل حملت أيضاً واحداً من أكثر الانتقادات وضوحاً للاستراتيجية الإسرائيليّة. ذلك أنّ رئيس الجمهوريّة لم يكتفِ بالقول إنّ إسرائيل لن تنجح، بل قدّم تفسيراً سياسيّاً وعسكريّاً لذلك.

فإسرائيل، وفق منطقه، قادرة على تدمير لبنان، وقادرة على إيقاع خسائر هائلة، حتّى إنّها قادرة على غزو الأرض. لكنّها غير قادرة على تحقيق أهدافها النهائيّة. والسبب أنّ “الحزب” ليس جيشاً تقليديّاً يمكن هزيمته بالطريقة التي تُهزم بها الجيوش النظاميّة. وهنا استعاد عون مفهوماً معروفاً في الدراسات العسكريّة: الحروب ضد الفاعلين غير الدولتيّين لا تُحسم بالقوّة العسكريّة وحدها. وبذلك يوجّه عون نقداً مزدوجاً: إلى “الحزب” الذي يراهن على الحرب، وإلى إسرائيل التي تراهن على القوّة العسكريّة وحدها.

لا يتحدّث عون عن “الحزب” بوصفه مشكلة منفصلة، بل بوصفه الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من ظواهر أخرجت القرار السياديّ من الاحتكار الكامل للدولة

منازعة “الحزب” وإيران على التّمثيل والحضور

ربّما من أكثر العبارات جرأة تلك التي قال فيها: “هم الشعب اللبنانيّ وليسوا شعب نعيم قاسم”. هذه العبارة تتجاوز السجال السياسيّ التقليديّ. فهي تعني عمليّاً أنّ رئيس الجمهوريّة ينازع “الحزب” على احتكار تمثيل شريحة واسعة من اللبنانيّين. إنّها ليست معركة على السلاح فقط، بل على الشرعيّة التمثيليّة.

فحين يقول عون إنّه يتحدّث باسم اللبنانيّين جميعاً، بمن فيهم الشيعة الذين التقاهم واستمع إلى معاناتهم، يرفض ضمناً فكرة أن يحتكر أيّ حزب أو تنظيم التعبير عن جماعة كاملة أو أن يختزلها في مشروعه السياسيّ. وهنا تتجلّى إحدى أهمّ رسائل المقابلة: اللبنانيّون مواطنون قبل أن يكونوا جمهوراً لهذا الطرف أو ذاك.

أمّا في ما يتعلّق بإيران، فقد جاء كلامه أكثر وضوحاً ممّا اعتاده اللبنانيّون من رؤسائهم. فهو لم يكتفِ برفض تصريح الحرس الثوريّ الإيرانيّ، بل اتّهم طهران صراحة باستخدام لبنان كورقة تفاوض في حوارها مع الولايات المتّحدة.

لكنّ الأهمّ أنّه لم يطرح ذلك من موقع العداء لإيران، بل من موقع إعادة تعريف العلاقة معها. فإيران، بالنسبة إليه، دولة. وإذا كانت دولة، فيجب أن تتعامل مع لبنان بوصفه دولة أيضاً. وهذه الفكرة تضرب في عمق فلسفة النفوذ التي سادت لعقود، لأنّها تنقل العلاقة من نموذج “دولة – تنظيم” إلى نموذج “دولة – دولة”. إنّها دعوة إلى الاعتراف الكامل بالدولة اللبنانيّة مرجعيّةً وحيدة للعلاقات الخارجيّة.

نبيه برّي.. الإشارة التي لا ينبغي تجاهلها

عندما تحدّث عون عن محاولاته لإنهاء الحرب، لم يكتفِ بالإشارة إلى ضرورة الحوار أو إلى أهميّة التفاوض، بل قال بوضوح إنّه يعتمد على رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وإنّ الأخير يؤيّد المفاوضات وإنهاء الحرب.

في مقابلة مع شبكة CNN، لم يدعُ رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى الدولة فحسب، بل تحدّث عن سأم الدولة من الدويلة التي يمثّلها حاليّاً “الحزب”

في الظاهر قد يبدو هذا الكلام تفصيلاً يتعلّق بآليّة التواصل مع “الحزب”. لكن يحمل في العمق دلالة سياسيّة أوسع بكثير. فبرّي ليس شخصيّة هامشيّة في النظام اللبنانيّ. إنّه أحد أبرز أركان الحياة السياسيّة الشيعيّة منذ عقود، وأحد أكثر الشخصيّات التصاقاً بالمعادلات التي حكمت لبنان منذ نهاية الحرب الأهليّة. ولذلك استحضاره في هذا السياق يحمل معنى يتجاوز شخصه ودوره المباشر.

ما يلمّح إليه عون هنا هو أنّ التحوّل الجاري في لبنان لا يحدث فقط خارج بيئة “الحزب”، ولا يقتصر على القوى التقليديّة الداعية إلى تعزيز سلطة الدولة، بل بدأ يجد صداه داخل أجزاء من المؤسّسة السياسيّة الشيعيّة نفسها.

لحظة الدّولة بعد نصف قرن

قد يكون من المبكر الجزم أنّ لبنان دخل مرحلة جديدة بصورة نهائيّة. فالتاريخ لا يتغيّر بخطاب واحد أو مقابلة واحدة. لكنّ ما كشفه الحوار مع عون هو أنّ ما كان مستحيلاً قوله قبل سنوات قليلة أصبح ممكناً اليوم.

لم يكن رئيس الجمهوريّة يعلن عودة الدولة فقط، بل كان يعلن أنّ البيئة السياسيّة والاجتماعيّة والإقليميّة التي سمحت بقيام الاستثناء اللبنانيّ منذ عام 1969 بدأت تفقد قدرتها على الاستمرار.

إقرأ أيضاً: 1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

لقد بدا عون رئيساً لا يحاول التكيّف مع الجمهوريّة المزدوجة، بل يعلن انتهاء صلاحيّتها التاريخيّة. وربّما لهذا السبب ستُقرأ هذه المقابلة مستقبلاً باعتبارها أكثر من موقف من حرب أو من حزب أو من دولة إقليميّة.

قد تُقرأ بوصفها اللحظة التي قالت فيها الرئاسة اللبنانيّة بوضوح غير مسبوق إنّ لبنان لم يعد يحتمل دولتين وقرارين وشرعيّتين، وإنّ الزمن الذي بدأ عام 1969 يقترب أخيراً من نهايته.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

تزامن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم في 24 أيّار الفائت، في مناسبة ما اصطلح على تسميته “عيد التحرير”، مع تصاعد حدّة التدمير الإسرائيليّ لقرى…

ترامب يُفكّك الدّولة العميقة: الولاء قبل الكفاءة؟

منذ عقود، يدور في واشنطن نقاش لا ينتهي: من يحكم الولايات المتّحدة فعلاً؟ الرئيس المنتخب الذي يمنحه الناخبون الشرعيّة أم البيروقراطيّة الدائمة التي تبقى في…

عندما تنتصر الشعارات وتنهزم الأوطان

لا ينحصر أثر الحروب على حساب أعداد الضحايا وتكلفة دمار المباني والبنى التحتية، والتكلفة الإجمالية للأضرار على مجمل النشاط الاقتصادي، وإنما يمتد إلى ضرورة إعادة…

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

لم يعد ملفّ المنطقة في إسرائيل والولايات المتّحدة يندرج تحت بند السياسة الخارجيّة، بل أصبح عنصراً حاكماً في الانتخابات الداخليّة التي ستقرّر حجم قوّة أو…