أمجد يوسف: حين يصبح القتل وظيفة في سوريا الأسد

مدة القراءة 5 د

في أحد أكثر التسجيلات إيلاماً في التاريخ السوريّ الحديث، لم يكن ما أثار الرعب سقوط الضحايا وحسب، بل الطريقة التي بدا بها القاتل وكأنّه يؤدّي عملاً عاديّاً لا يختلف كثيراً عن أيّ مهمّة يوميّة أخرى. في تلك اللحظة لم يظهر أمجد يوسف باعتباره فرداً فقد إنسانيّته فقط، بل باعتباره نتاج مؤسّسة كاملة أعادت تعريف معنى الإنسان ومعنى السلطة ومعنى الطاعة.

 

صُدم السوريّون والعالم بالمشاهد المرتبطة بمجزرة التضامن، لكنّ الصدمة الحقيقية لم تكن في اكتشاف وقوع جريمة جديدة في زمن الحرب، فالحروب مليئة بالجرائم، بل في اكتشاف الكيفيّة التي يمكن أن يتحوّل بها القتل إلى ممارسة روتينيّة. ما بدا مرعباً في تلك الصور لم يكن العنف وحده، بل غياب التردّد. الجريمة لم تظهر بوصفها انفجاراً للغضب أو لحظة انفلات من السيطرة، بل بدت جزءاً من نظام عمل متكامل كان رأسه الأب حافظ الأسد والابن بشّار الأسد.

من هنا تتجاوز قضيّة أمجد يوسف حدود شخص واحد. ليس الرجل متّهماً بارتكاب جرائم قتل وتعذيب، بل يمثّل نموذجاً سياسيّاً وأخلاقيّاً يكشف جانباً عميقاً من طبيعة الدولة الأمنيّة التي حكمت سوريا لعقود. إنّ الحديث عنه ليس حديثاً عن فرد فقط، بل عن المؤسّسة التي أنتجته، والثقافة التي شرعنت أفعاله، والبيئة التي سمحت بتحويل العنف إلى وظيفة.

من هو أمجد يوسف؟

ولد أمجد يوسف عام 1986 في قرية نبع الطيب، والتحق بالأكاديميّة العسكريّة للاستخبارات عام 2004، قبل أن يتدرّج داخل الأجهزة الأمنيّة حتّى أصبح مساعداً أوّل في شعبة الاستخبارات العسكريّة ومسؤولاً عن العمليّات الأمنيّة في جنوب دمشق خلال سنوات الثورة السوريّة.

ما حدث في حزيران 1967 لم يعد قدراً لا مناص من التسليم به

ارتبط اسمه لاحقاً باتّهامات تتعلّق باعتقال وتعذيب وقتل معارضين ومدنيّين، وارتبط بشكل خاصّ بمجزرة التضامن التي وقعت في نيسان 2013. وقد أعادت التسجيلات التي كُشف عنها لاحقاً تسليط الضوء على تلك الجريمة التي تحوّلت إلى واحدة من أكثر الجرائم توثيقاً وإثارة للصدمة خلال سنوات الصراع السوريّ، علاوة على جرائم أخرى كثيرة، وأبرزها قتله لأولاد الدكتورة رانيا العبّاسي الستّة.

مع إعلان القبض عليه بعد سنوات من الاختفاء، عاد اسمه إلى الواجهة. لكنّ أهميّة القضيّة لا تكمن في مصير الرجل وحده، بل في الأسئلة التي تثيرها عن طبيعة السلطة والعنف والعدالة في سوريا.

أمجد يوسف

تكمن خصوصيّة أمجد يوسف في أنّه لا يشبه الصورة التقليديّة للقاتل التي رسّختها المخيّلة العامّة. فهو لا يظهر باعتباره مجرماً تحرّكه نزوة شخصيّة أو رغبة مباشرة في الانتقام. على العكس من ذلك، تبدو أفعاله مرتبطة بوظيفة ومؤسّسة وتسلسل أوامر. إنّه نموذج لما يمكن تسميته “القاتل البيروقراطيّ”، أي ذلك الشخص الذي لا يقتل لأنّه يكره ضحيّته بالضرورة، بل لأنّه تعلّم أنّ الطاعة أهمّ من الضمير، وأنّ تنفيذ المهمّة أهمّ من التساؤل عن مشروعيّتها. في هذه اللحظة يصبح السؤال الأخلاقيّ ثانويّاً أمام السؤال الوظيفيّ، ويتحوّل الإنسان إلى أداة داخل منظومة أكبر منه.

الدّولة الأمنيّة وإعادة تعريف المواطن

لم تكن تجربة سوريا خلال العقود الماضية صراعاً على السلطة، بل كانت أيضاً صراعاً على تعريف المواطن نفسه. في الدولة الأمنيّة يتراجع مفهوم المواطن بوصفه صاحب حقوق، ويحلّ محلّه مفهوم الفرد الخاضع للمراقبة والاشتباه الدائم.

من هنا لا تبدو شخصيّات مثل أمجد يوسف انحرافاً عن النظام بقدر ما تبدو إحدى نتائجه المنطقيّة. حين تُبنى المؤسّسات على الخوف أكثر ممّا تُبنى على القانون، يصبح العنف جزءاً من آليّة الحكم نفسها، ويصبح إنتاج المنفّذين أسهل من إنتاج المواطنين.

لا تبدو شخصيّات مثل أمجد يوسف انحرافاً عن النظام بقدر ما تبدو إحدى نتائجه المنطقيّة

لهذا اختزال المأساة السوريّة في أسماء أفراد، مهما كانت مسؤوليّتهم كبيرة، لا يكفي لفهم ما جرى. لم تكن المشكلة في وجود قتلة فقط، بل في وجود بيئة سياسيّة وثقافيّة سمحت للعنف بأن يتحوّل إلى لغة يوميّة، وإلى أداة إدارة، وإلى وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع.

هنا تحديداً تصبح الذاكرة ضرورة أخلاقيّة. ليس الضحايا أرقاماً في التقارير، بل بشر كانت لهم أسماء وأحلام وعائلات ومستقبل لم يُتَح لهم أن يعيشوه. وليست العدالة عقاباً للجناة وحسب، بل استعادة للمعنى الإنسانيّ الذي حاول العنف محوه.

الذّاكرة والعدالة ومسؤوليّة المستقبل

إنّ القبض على أمجد يوسف يحمل قيمة رمزيّة مهمّة، لكنّه لا يمثّل نهاية القصّة. فالمحاسبة الحقيقيّة لا تبدأ بمحاكمة فرد واحد وتنتهي عنده، بل تتطلّب كشف الحقيقة كاملة، ومعرفة مصير المفقودين، والاستماع إلى أصوات الناجين، ومساءلة كلّ من شارك في إنتاج منظومة العنف أو حمايتها أو التستّر عليها.

لا تتعافى المجتمعات عبر النسيان، بل عبر مواجهة الماضي. ولا يمكن بناء دولة قانون فوق حقائق مدفونة أو فوق ذاكرة جريحة لم تجد من ينصفها.

إقرأ أيضاً: 1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

قد تنتهي محاكمة أمجد يوسف بحكم قضائيّ، لكنّ القضيّة التي يمثّلها لن تنتهي بسهولة، فالرجل ليس اسماً في ملفّ جنائيّ فقط، بل علامة على عصر كامل من العنف السياسيّ في سوريا. حين يُكتب تاريخ هذه المرحلة يوماً، قد لا يكون السؤال الأهمّ: كم شخصاً قُتل؟ بل كيف أمكن لمؤسّسات كاملة أن تتعايش مع القتل حتّى أصبح جزءاً من روتينها اليوميّ؟ هناك يبدو الدرس الحقيقيّ، وهناك تبدأ أيضاً مسؤوليّة المستقبل.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

لم يعد ملفّ المنطقة في إسرائيل والولايات المتّحدة يندرج تحت بند السياسة الخارجيّة، بل أصبح عنصراً حاكماً في الانتخابات الداخليّة التي ستقرّر حجم قوّة أو…

حزيران 1967 وحزيران 2026

بين الخامس من حزيران 1967، والخامس من حزيران 2026، مرّت تسعٌ وخمسون سنة، أي أن الذي ولد مع الهزيمة التي تواطأ المسؤولون عنها مع اللغة، ليسمونها…

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…