“فتح” و”حماس”: فشل في إدارة ما بقي من أرض!

مدة القراءة 4 د

تواجه حركتا فتح وحماس، كلٌّ في مكانه، مأزقاً أخطر ما فيه أنّ الخروج منه ليس بأيديهما ولا بأيدي حلفائهما إن وُجدوا أصلاً. تواصلحماس” السيطرة على بعض غزّة، وتمضي قدماً في تجديد شرعيّة إطاراتها القياديّة عبر انتخاباتٍ بطريقتها الخاصّة، تحت ساترٍ من السرّيّة. في الوقت ذاته أنجزت “فتح” تجديد شرعيّة مؤسّساتها الرسميّة في مؤتمرها الثامن.

 

ما تفعله “حماس” وما فعلته “فتح” لن يحقّقا خروجاً ولو جزئيّاً من المأزق الذي يتشارك فيه القطبان، وهو المأزق الوجوديّ بالنسبة لهما، والمأزق الفلسطينيّ العامّ أيضاً، الذي يتفاقم كلّ يوم على الصعيد الداخليّ، حيث الأزمات الضاغطة بقوّةٍ على حياة الناس، من دون ظهور مؤشّراتٍ إلى الخروج منها، إضافة إلى الأزمة السياسيّة بسبب تعطّل مسار الحلّ، الذي بدأ جزئيّاً في غزّة، وانغلاق الأفق السياسيّ بشأن حلّ القضيّة الفلسطينيّة عموماً، وهو ما أطلق يد الإسرائيليّين في الضفّة وغزّة من دون ضوابط أو روادع تُذكر.

أساس مأزق “حماس” في غزّة أنّها تبنّت ومارست ازدواجيّةً لا مجال منطقيّاً للنجاح فيها، وهي ازدواجيّة الحكم والقتال، وذلك في جغرافية ضيّقة، وضمن ديمغرافية هي الأكثر اكتظاظاً على مستوى الكون كلّه، بينما الجغرافية والديمغرافية في الواقع أقرب إلى جزيرةٍ مغلقةٍ من الجهات الأربع، تحت سماءٍ مسيطَرٍ عليها تماماً من جانب الخصم.

فقدان نصف المساحة

حكمت “حماس” غزّة لسنواتٍ طويلة، ومنذ طردت السلطة الوطنيّة بفعل الانقلاب عليها تعرّضت غزّة لحروبٍ تدميريّةٍ شرسة، ووقعت تحت حصارٍ خانق إلى أن وصلت الأمور أخيراً إلى فقدان “حماس” سيطرتها على أكثر من نصف مساحة القطاع، وها هي الحالة تتجمّد عند حكمٍ ناقصٍ لها في بعض غزّة، وسيطرةٍ كاملةٍ بالنار والحصار لإسرائيل على كلّ غزّة.

المشترَك بين ما يجري الآن في غزّة والضفّة هو تجسيد لفشلٍ أساسه عدم قدرة من يحكمون ما بقي من غزّة والضفّة على تقديم ما يطالب به ناسهم

أمّا في الضفّة، حيث سُجّلت السلطة المحدودة والمنقوصة باسم “فتح”، فقد آلت الأمور إلى وصول الوضع فيها من حيث نفوذ الحكم والإدارة إلى حالةٍ تشابه حالة “حماس” في غزّة، مع اختلافاتٍ في وسائل العمل الإسرائيليّ باختلافات المكان، ومساحة الحركة المتاحة للسلطة، والسعي الإسرائيليّ إلى تخفيف حدّة الإدانات الدوليّة المتعاظمة عليها وعلى جيشها ومستوطنيها.

غزّة

مأزق “فتح” في الضفّة أساسه مجازفة التصدّي لحكم بلدٍ وشعبٍ قُيّدت جغرافيته وديمغرافيته بقيودٍ صارمةٍ تجعل من الحكم بحدّ ذاته معضلةً. إنّه مأزق حكم عدّة جزرٍ معزولةٍ تقع على جغرافيةٍ واحدة تحت مسمّى “مناطق السلطة” في ظلّ هشاشة الضمانات السياسيّة، التي جسّدتها الاتّفاقات والتفاهمات التي تمّت بين الجانبين، وتواضُع قدرات العالم على حمايتها من الانقضاضات الإسرائيليّة عليها.

أين أبسط حقوق الفلسطينيّين؟

المشترَك بين ما يجري الآن في غزّة والضفّة هو تجسيد لفشلٍ أساسه عدم قدرة من يحكمون ما بقي من غزّة والضفّة على تقديم ما يطالب به ناسهم من حقوق أبسطها بعض راتبٍ شهريّ وحرّيّة الحركة والمرور من مكانٍ إلى آخر، فما بالك بالحرّيّة والاستقلال؟!

أساس مأزق “حماس” في غزّة أنّها تبنّت ومارست ازدواجيّةً لا مجال منطقيّاً للنجاح فيها، وهي ازدواجيّة الحكم والقتال

جدّدت “فتح” قيادتها، و”حماس” ماضيةٌ في ذلك، وإذا كان تجديد شرعيّات قيادة القطبين قد تمّ أو سيتمّ عبر ترتيباتهما الخاصّة، فالذي ما يزال قائماً هو مأزق الطرفين في الحكم والسياسة، فهل يجدان معاً مخرجاً من مأزقهما المشترك أو هل يحاولان؟

على الرغم من إلحاح الحاجة وتماثل موقع الطرفين في ما يؤثّر على مصيرهما، يتصرّفان كما لو أنّهما يواجهان حالةً عاديّة، أو كما لو أنّه ليس أمامهما سوى ترتيب أوضاعهما الداخليّة، بينما الأرض التي يقفان عليها تنزاح من تحت أقدامهما.

إقرأ أيضاً: عبّاس على خطّ الدّفاع الأخير

اللامنطقيّ في الأمر أنّ شراكة القطبين في مأزقهما الذاتيّ، وفي المأزق الوطنيّ العامّ، بدل أن تدفعهما إلى إيجاد وسيلةٍ لمواجهةٍ مشتركةٍ لما يتعرّضان له وتتعرّض له قضيّتهم الوطنيّة، ما يزالان يعالجان أمورهما وكأنّهما يحكمان جزيرتين معزولتين عن الأخطار المحدقة بهما، وهذا ما أصاب العالم بحيرةٍ في أمر أصحاب القضيّة التي يجري الاهتمام بها في كلّ مكانٍ إلّا عند أولي الأمر فيها.

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…