الرّسالة السعوديّة في زمن الحرب: لا سلام بلا فلسطين

مدة القراءة 6 د

منذ اندلاع الحرب الإسرائيليّة ـ الأميركيّة على إيران في شباط 2026، بدا الشرق الأوسط وكأنّه يدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة تتجاوز حدود المواجهة العسكريّة المباشرة. لم تكن الحرب صراعاً مع طهران وحسب، بل محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، وفتح الطريق أمام واقع سياسيّ جديد تكون فيه إسرائيل القوّة المهيمنة بلا منازع. في قلب هذا المشهد، برز الموقف السعوديّ بوصفه أحد أهمّ العوامل التي عطّلت اندفاعة المشروع الإسرائيليّ، ورفضت الانجرار إلى حرب مفتوحة أو إلى تطبيع مجّانيّ يُفرَض تحت ضغط النار والفوضى.

 

في ذروة الانشغال العالميّ بالحرب على إيران، تراجعت القضيّة الفلسطينيّة إلى هامش الاهتمام الدوليّ، على الرغم من أنّ إسرائيل استغلّت هذا الانشغال لتسريع وقائع ميدانيّة خطِرة في غزّة والضفّة الغربيّة والقدس. بينما كانت العواصم الكبرى تتابع الصواريخ والمضائق والقواعد العسكريّة، كانت إسرائيل توسّع مناطقها العازلة في غزّة، وتعمّق الاستيطان في الضفّة، وتدفع نحو ترسيخ نظام فصل جغرافيّ وديمغرافيّ يجعل قيام دولة فلسطينيّة أمراً شبه مستحيل.

شرق أوسط جديد

أعاد هذا الواقع التأكيد أنّ الحرب على إيران لم تكن منفصلة عن المشروع الإسرائيليّ الأوسع في المنطقة، بل جاءت جزءاً من محاولة فرض شرق أوسط جديد تُهمَّش فيه القضيّة الفلسطينيّة، وتُدمج إسرائيل فيه بوصفها القوّة المركزيّة سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً.

هنا تحديداً ظهر التباين السعوديّ مع الرؤية الإسرائيليّة ـ الأميركيّة. المملكة، التي كانت تُقدَّم لسنوات بوصفها “الجائزة الكبرى” المنتظرة في مسار التطبيع، اختارت التمسّك بموقف مختلف يقوم على أولويّة الاستقرار الإقليميّ ورفض تجاوز الحقوق الفلسطينيّة تحت أيّ ظرف.

كانت واشنطن وتل أبيب تراهنان على أنّ الخوف الخليجيّ من إيران سيدفع دول المنطقة إلى الاصطفاف الكامل خلف الحرب

شدّدت الرياض مراراً على أنّ السلام الحقيقيّ لا يمكن أن يتحقّق من دون قيام دولة فلسطينيّة مستقلّة، وأنّ حقوق الفلسطينيّين ليست بنداً قابلاً للمساومة في خضمّ التحوّلات الإقليميّة. لذلك لم تنظر المملكة السعوديّة إلى الحرب على إيران باعتبارها فرصة لفرض وقائع سياسيّة جديدة، بل باعتبارها خطراً قد يدفع المنطقة كلّها نحو انفجار شامل يخدم إسرائيل أوّلاً وأخيراً. كان واضحاً وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان آل سعود عندما خاطب المجتمع الدوليّ بإنكليزيّة فائقة الدّقة، قائلاً إنّ “حقّ الشعب الفلسطينيّ في إقامة دولته غير قابل للتصرّف“، واعتبر أنّ “من الضروريّ أن تقبل إسرائيل بأنّها لا تستطيع أن توجد من دون وجود دولة فلسطينيّة“. أمّا الخلاصة الأكثر تعبيراً عن الموقف السعوديّ السياسيّ فكانت:القضية الفلسطينيّة كانت وما تزال القضيّة المركزيّة للعرب والمسلمين، وهي القضيّة الأولى للمملكة“.

الحرب المفتوحة تهدّد المنطقة برمّتها

تمثّل التحوّل الأبرز في رفض المملكة السعوديّة الانخراط في الحرب أو السماح باستخدام أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليميّة لتوسيعها. لم يكن هذا القرار تفصيلاً تقنيّاً أو موقفاً حياديّاً، بل رسالة سياسيّة واضحة بأنّ أمن الخليج لا يمكن أن يُختزل في خدمة الاستراتيجية الإسرائيليّة، وأنّ استقرار المنطقة ليس تفصيلاً يمكن التضحية به لتحقيق أهداف واشنطن وتل أبيب.

كانت واشنطن وتل أبيب تراهنان على أنّ الخوف الخليجيّ من إيران سيدفع دول المنطقة إلى الاصطفاف الكامل خلف الحرب، لكنّ حساباتهما اصطدمت بواقع مختلف. إذ أدركت دول الخليج أنّ الحرب المفتوحة لا تهدّد إيران وحدها، بل تهدّد اقتصادات المنطقة وأمنها الداخليّ وممرّاتها الحيويّة، وتفتح الباب أمام فوضى طويلة المدى لا يمكن السيطرة عليها.

تمثّل التحوّل الأبرز في رفض المملكة السعوديّة الانخراط في الحرب أو السماح باستخدام أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليميّة لتوسيعها

كشفت الحرب أيضاً، بالنسبة إلى كثير من العواصم الخليجيّة، حدود الرهان على الحماية الأميركيّة. بدت الإدارة الأميركيّة مستعدّة لدفع المنطقة إلى مواجهة واسعة من دون اكتراث حقيقيّ بكلفتها على حلفائها العرب، فيما بقيت الأولويّة المطلقة هي ضمان التفوّق الإسرائيليّ وإعادة تثبيت هيمنة تل أبيب الإقليميّة.

إسرائيل تستغلّ الحرب لتصفية القضيّة الفلسطينيّة

في الوقت نفسه، لم تعُد إسرائيل تحاول حتّى إخفاء طبيعة مشروعها الحقيقيّ. بعد حرب غزّة وما رافقها من دمار هائل ومجازر غير مسبوقة، انتقلت تل أبيب إلى مرحلة أكثر وضوحاً في إعلان مشاريعها التوسعيّة، سواء عبر توسيع الاستيطان أو تكريس السيطرة على الضفّة الغربيّة أو خنق غزّة وعزلها، من دون أيّ حديث جدّيّ عن تسوية سياسيّة أو دولة فلسطينيّة.

لهذا لم يعُد التطبيع، بالنسبة إلى المملكة السعوديّة، مسألة علاقات دبلوماسيّة أو ترتيبات اقتصاديّة فحسب، بل بات مرتبطاً بصورة مباشرة بمصير القضيّة الفلسطينيّة وبطبيعة النظام الإقليميّ الذي تحاول إسرائيل فرضه بالقوّة. تدرك الرياض أنّ أيّ تطبيع مجّانيّ في ظلّ استمرار الاحتلال والحرب والضمّ لن يكون مدخلاً إلى الاستقرار، بل تكريس لميزان قوى مختلّ يمنح إسرائيل قدرة أكبر على فرض شروطها على المنطقة بأكملها.

عزّزت الحرب على إيران قناعة متزايدة داخل المنطقة بأنّ الاتّفاقات مع إسرائيل لا توفّر بالضرورة الحماية أو الاستقرار، وأنّ الاندماج في المشروع الإسرائيليّ لا يمنع تحوّل الدول العربيّة نفسها إلى ساحات ضغط وابتزاز عند أيّ مواجهة كبرى.

لم يعُد التطبيع، بالنسبة إلى المملكة السعوديّة، مسألة علاقات دبلوماسيّة أو ترتيبات اقتصاديّة فحسب، بل بات مرتبطاً بصورة مباشرة بمصير القضيّة الفلسطينيّة

التّطبيع لن يكون جائزة لإسرائيل

من هنا يمكن فهم الإصرار السعوديّ على الربط بين أيّ مسار إقليميّ جديد وبين حلّ القضيّة الفلسطينيّة، ورفض تحويل التطبيع إلى جائزة تُمنح لإسرائيل فيما تواصل سياسات الضمّ والحصار والحرب.

لهذا يبدو الموقف السعوديّ اليوم أبعد من موقف تكتيكيّ مرتبط بالحرب على إيران. إنّه محاولة لرسم حدود واضحة في وجه مشروع إسرائيليّ يسعى إلى استثمار الحروب والفوضى لإعادة تشكيل المنطقة وفق موازين قوّة جديدة، تكون فيها فلسطين الخاسر الأكبر، وتصبح الدول العربيّة مجبرة على التكيّف مع واقع الهيمنة الإسرائيليّة.

إقرأ أيضاً: لبنان: رهان على الرّياض لوقف الحرب… بدل الأوهام

في لحظة إقليميّة شديدة الاضطراب، تبدو الرسالة السعوديّة واضحة: لا استقرار حقيقيّاً من دون فلسطين، ولا سلام دائماً عبر الحروب، ولا تطبيع مجّانيّاً فيما تستمرّ إسرائيل في فرض الوقائع بالقوّة.

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…