ترامب في الصّين: قمّة على حافة النظام العالمي الجديد

مدة القراءة 6 د

عندما يتوجّه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى بكين في الرابع عشر من أيّار الجاري، لن يكون وحده في قمرة القيادة. معه إرث حربٍ مع إيران أعادت خلط أوراق الشرق الأوسط، وهدنة تجاريّة هشّة مع الصين، وملفّ تايوان المشتعل تحت الرماد، ومواجهة مع زعيم صينيّ يُدرك جيّداً أنّه يستقبل نظيره الأميركيّ في لحظة دوليّة أكثر تعقيداً بكثير ممّا كانت عليه قبل أشهر.

 

كان ترامب قد خطّط في الأصل لزيارة بكين في أواخر آذار، قبل أن تؤدّي الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران إلى تأجيل الرحلة إلى منتصف أيّار. وسواء كانت المواجهة قد هدأت عسكريّاً قبل موعد القمّة أو استمرّت ارتداداتها السياسيّة والاقتصاديّة، ستظلّ آثارها الاستراتيجيّة حاضرة بقوّة خلف أبواب بكين المغلقة. هذه ليست زيارة رئيس يمضي إلى محادثات من موقع سيطرة مطلقة، بل رحلة زعيم يصل مثقلاً بتداعيات صراع كبير، وأسواق عالميّة مضطربة، وتحالفات معقّدة، وملفّات متشابكة في واحدة من أكثر اللحظات حساسيّة في ولايته الثانية.

كان ترامب قد خطّط في الأصل لزيارة بكين في أواخر آذار، قبل أن تؤدّي الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران إلى تأجيل الرحلة إلى منتصف أيّار

هدنة استراتيجيّة باردة

من هنا، لا تكمن أهميّة هذه القمّة فقط في كونها أوّل زيارة لرئيس أميركيّ للصين منذ نحو عقد، بل في توقيتها الاستثنائيّ. الخطأ الأكبر هو توقّع اختراقات تاريخيّة كبرى، فيما الخطأ الثاني لا يقلّ خطورة: التعامل معها كأنّها استعراض دبلوماسيّ بلا مضمون. تُظهر خبرة أكثر من خمسة عقود من القمم الأميركيّة الصينيّة أنّ هذه اللقاءات نادراً ما تُعيد صياغة العلاقة جذريّاً، لكنّها كثيراً ما تمنع التنافس من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

ليست العلاقة بين واشنطن وبكين اليوم شراكة، لكنّها ليست حرباً باردة مكتملة أيضاً. إنّها أقرب إلى هدنة استراتيجيّة باردة: غياب للصدام الكبير من دون وجود تفاهم عميق. يعرف كلا الطرفين أنّ المواجهة الشاملة مكلفة، لكنّ كليهما يواصل اختبار حدود الآخر بحذر محسوب، غير أنّ الحرب مع إيران أو حتّى تداعياتها لوحدها قلبت قواعد اللعبة.

لم يفتح الصراع الذي اندلع في الثامن والعشرين من شباط جبهة عسكريّة جديدة أمام واشنطن فقط، بل أعاد ترتيب أولويّاتها الاستراتيجيّة بالكامل. بدلاً من دخول ترامب إلى بكين بوصفه صانع أجندة يسعى إلى فرض شروط المنافسة، يصل اليوم وهو في موقع مدير أزمة يحاول احتواء تداعيات صراع هزّ أسواق الطاقة العالميّة وفرض على إدارته توزيعاً أكثر تعقيداً للموارد والانتباه السياسيّ.

هنا تحديداً تبدو الصين في موقع تفاوضيّ أكثر تقدّماً ممّا كان متوقّعاً.

بكّين، التي تستورد أكثر من سبعين في المئة من احتياجاتها النفطيّة، وتعتمد بشكل كبير على نفط الخليج وإيران، تجد نفسها متضرّرة من اضطراب مضيق هرمز، لكنّها في الوقت ذاته تستفيد من انشغال واشنطن العسكريّ ومن حاجتها الملحّة إلى استقرار اقتصاديّ عالميّ. ليست الصين هنا متلقّياً للأزمة وحسب، بل لاعب يمتلك أوراق ضغط إضافيّة في لحظة دوليّة حسّاسة.

لا تكمن أهميّة هذه القمّة فقط في كونها أوّل زيارة لرئيس أميركيّ للصين منذ نحو عقد، بل في توقيتها الاستثنائيّ

تمحورت ولاية ترامب الأولى إلى حدّ بعيد حول احتواء الصين، بينما جاءت ولايته الثانية موزّعة بين الشرق الأوسط وإيران وأوروبا والانقسامات الداخليّة الأميركيّة. منح هذا التشتّت بكّين وقتاً ثميناً لإعادة التموضع، تعزيز نفوذها، واستكشاف مساحات أوسع للمناورة في ملفّات التكنولوجيا والقيود الاستثماريّة والتعريفات الجمركيّة وتايوان.

في المقابل، يدخل ترامب القمّة بعقليّة رجل الصفقات الباحث عن إنجاز سريع وقابل للتسويق داخليّاً، بينما يتعامل شي جين بينغ معها بعقليّة استراتيجيّة طويلة الأمد ترى في كلّ لقاء فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى العالميّ تدريجاً لا لتحقيق مكاسب ظرفيّة وحسب.

يمكن اختزال جدول أعمال بكّين في ثلاثة ملفّات رئيسة: التجارة، تايوان وإيران.

  • ستكون التجارة العنوان الأكثر وضوحاً، وإن بقي سقف التوقّعات منخفضاً. الأرجح أن تُفضي القمّة إلى تمديد الهدنة التجاريّة الحاليّة، وربّما إعلان صفقات شراء صينيّة لمنتجات أميركيّة مثل طائرات بوينغ والحبوب الزراعيّة، إلى جانب إنشاء آليّات تعاون اقتصاديّ محدودة في قطاعات غير حسّاسة.
  • أمّا تايوان فهي الملفّ الأخطر والأكثر حساسيّة.

ستحاول بكّين انتزاع إشارات أميركية أوضح ضدّ استقلال الجزيرة، وربّما السعي إلى تقييد بعض مبيعات الأسلحة مستقبلاً. في المقابل، تخشى دوائر الأمن القوميّ الأميركيّة من أن يميل ترامب، بأسلوبه الشخصيّ القائم على الصفقات المباشرة، إلى تقديم تنازلات لفظيّة أو سياسيّة غير محسوبة في واحدة من أخطر بؤر التوتّر في العالم.

  • ستكون إيران الحاضر الطارئ فوق الطاولة حتّى لو لم تكن الملفّ الرسميّ الأوّل. سيجعل استمرار تداعيات الحرب على الاقتصاد العالميّ، أمن الطاقة والملاحة الدوليّة هذا الملفّ جزءاً أساسيّاً من خلفيّة المحادثات.

في بكّين، لن يفاوض ترامب الصين فقط، بل سيفاوض أيضاً على شكل النظام الدوليّ نفسه، في زمن تتداخل فيه الحروب الإقليميّة مع صراع القوى الكبرى

منع الانفجار أهمّ من الانتصار؟

على الرغم من كلّ ذلك، لا ينبغي المبالغة في توقّع نتائج دراماتيكيّة. ما قد تحقّقه هذه القمّة ليس إعادة صياغة شاملة للعلاقة الأميركيّة الصينيّة، بل إدارة أكثر انضباطاً لتنافس بالغ الخطورة. قد يُقاس نجاحها الحقيقيّ بقدرتها على تمديد الاستقرار الهشّ، تعزيز قنوات الاتّصال، ومنع تداخل أزمات الشرق الأوسط مع توتّرات آسيا من التحوّل إلى انفجار جيوسياسيّ أوسع.

لكنّ ما يمنح هذه الزيارة بعداً استثنائيّاً إضافيّاً هو توقيتها السياسيّ. تأتي تقريباً في منتصف ولاية ترامب الثانية، وهو ما يمنحها وزناً يتجاوز الحسابات التكتيكيّة الآنيّة. تنظر بكّين إلى عام 2026 بوصفه لحظة مفصليّة لرسم حدود العلاقة مع ترامب لما بقي من حكمه، وربّما لما بعده أيضاً.

في نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح ترامب في بكّين بعدد الاتّفاقات التي يوقّعها، ولا بحفاوة الاستقبال الرسميّ، بل بقدرته على منع جبهاته المفتوحة، من تداعيات هرمز إلى توتّرات تايوان، من التداخل بطريقة تُضعف الموقع الأميركيّ عالميّاً.

إقرأ أيضاً: سقط سجان دمشق … متى تتحرر زنازين بيروت؟

حين تصل واشنطن إلى بكّين مثقلة بارتدادات حروب الشرق الأوسط، يصبح السؤال الحقيقيّ أعمق بكثير من تجارة أو تعريفات جمركيّة: أما تزال القوّة العظمى الأولى قادرة على إدارة تنافسها مع الصين من موقع المبادرة أم بدأت تدريجاً الانتقال من صناعة النظام الدوليّ إلى إدارة أزماته؟

في بكّين، لن يفاوض ترامب الصين فقط، بل سيفاوض أيضاً على شكل النظام الدوليّ نفسه، في زمن تتداخل فيه الحروب الإقليميّة مع صراع القوى الكبرى، وتصبح فيه القدرة على منع الانفجار العالميّ أكثر أهميّة من تحقيق انتصار سياسيّ عابر.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…