مؤرّخ إيرانيّ: المفاوضات الخيار الأقوى داخل إيران

مدة القراءة 7 د

يعتقد المؤرّخ والباحث الإيرانيّ أراش عزيزي أنّ الدبلوماسيّة مع الولايات المتّحدة لا تزال الخيار الأقوى داخل إيران، على الرغم من وجود معارضة داخليّة. يعتبر أنّ الزخم الحقيقيّ داخل النظام الإيرانيّ يميل إلى استمرار العمليّة التفاوضيّة بدل تعطيلها، وأنّ الحديث عن وجود صراع داخليّ في إيران يعرقل المفاوضات مع الولايات المتّحدة هو طرح مبالَغ فيه ومُساء فهمه، فهذه الخلافات، مع وجودها، لا يمكن اختزالها في مواجهة بسيطة بين عسكريّين ودبلوماسيّين، ولا تعني بالضرورة شللاً في مسار التفاوض.

 

يعتبر عزيزي المعروف بخبرته الواسعة في السياسة والتاريخ الإيرانيَّين، ويُعدّ صوتاً بارزاً في الشتات الإيرانيّ، أنّ التفسير الشائع في إدارة دونالد ترامب والإعلام الأميركيّ لوصول المفاوضات بين الولايات المتّحدة وإيران إلى طريق مسدود هو وجود صراعات داخليّة في طهران، خاصّة بين المتشدّدين العسكريّين في الحرس الثوريّ الإسلاميّ والدبلوماسيّين المدنيّين، مبسّط ويعكس سوء فهم للتعقيد الحقيقيّ للنظام السياسيّ الإيرانيّ وطبيعة الخلافات داخله. يرى أنّ هذه الصراعات لا تعني عجز فريق التفاوض عن تمثيل الدولة، ولا تشير إلى غياب مركز قرار واضح، خلافاً لما لمّح إليه ترامب بقوله إنّ إيران لا تعرف من يقودها.

صحيح أنّ هناك صراعات داخليّة داخل النظام الإيرانيّ، لكنّ هذه الصراعات، وفقاً لعزيزي، لا تنقسم ببساطة إلى معسكرين: عسكريّ مقابل مدنيّ. لا تعني أيضاً أنّ فريق التفاوض الإيرانيّ عاجز عن تمثيل الدولة أو اتّخاذ قرارات. في الواقع، مثل هذه التصوّرات يعكس سوء فهم لبنية السلطة في إيران، وقد يؤدّي إلى سياسات أميركيّة غير فعّالة.

يشير عزيزي إلى جهود النظام الإيرانيّ منذ ذلك الحين لإظهار تماسكه الداخليّ، من خلال تصريحات رسميّة ورسائل موحّدة تؤكّد رفض الانقسامات

قاليباف ونفوذه الكبير

يعتبر عزيزي دور رئيس البرلمان الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف مثالاً على هذا التعقيد. هذا الرجل الذي قاد محادثات إسلام آباد مع نائب الرئيس جي دي فانس، لا يستطيع محاوروه الأميركيّون تحديد موقعه بدقّة في تصوّرهم للسياسة الداخليّة الإيرانيّة. وذلك ربّما لأنّ مصادر سلطته وحدودها تتداخل بين الجانبين العسكريّ والمدنيّ، فهو جمع نفوذه من خلال عضويّته في المجلس الأعلى للأمن القوميّ ومجلس الدفاع التابع له الذي تأسّس الصيف الماضي لترسيخ القيادة العسكريّة الإيرانيّة والذي يتألّف من تسعة أعضاء، إلّا أنّ قاليباف هو فعليّاً الرئيس، وهو ما يعني أنّه يدير فعليّاً المجهود الحربيّ.

يرى عزيزي أنّ خلفيّة قاليباف في الحرس الثوريّ، حيث شغل مواقع قياديّة وساهم في تطوير البرنامج الصاروخيّ، تعزّز مكانته داخل المؤسّسة العسكريّة، في حين أنّ طموحه السياسيّ ونهجه التكنوقراطيّ المتعطّش للسلطة يجعلان منه لاعباً مؤثّراً في المجال المدنيّ أيضاً. يعتبره شخصيّة تجمع بين الكفاءة والقسوة، على الرغم ممّا يحيط به من اتّهامات بالفساد وممارسات قمعيّة خلال تولّيه مناصب سابقة.

يشير عزيزي الى علاقات قاليباف الوثيقة مع الدوائر الأمنيّة المحيطة بالمرشد الأعلى الإيرانيّ الجديد، مجتبى خامنئي الذي يعاني من وضع صحّيّ حرج يجعله بعيداً عن الأنظار. يرى أنّ الغموض المحيط بمدى قدرة مجتبى على توجيه صنع القرار يمنح قاليباف مساحة أوسع للحركة، سواء بتفويض ضمنيّ من القيادة أو باستقلال نسبيّ عنها.

يعتبر عزيزي أنّ قاليباف أصبح الواجهة الرئيسة للدبلوماسيّة مع الولايات المتّحدة، وهو أمر كان مثيراً للجدل تاريخيّاً داخل إيران وعارضه المتشدّدون الإسلاميّون المحافظون الذين اعترضوا على نشوء علاقات مع الولايات المتّحدة وسعوا إلى تخريبها. لكنّه يوضح أنّ مصطلح “المتشدّدين الإسلاميّين المحافظين” لا يعني بأيّ حال من الأحوال الحرس الثوريّ الإيرانيّ الذي أصبح الآن منظّمة مترامية الأطراف ولامركزيّة تسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الإيرانيّ، علاوة على مؤسّساتها السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة، وهو ما يجعل غيرَ مرجَّح أن تتّخذ موقفاً موحّداً. مع ذلك، يؤكّد عزيزي أنّ قاليباف يتمتّع بنفوذ كبير داخل الحرس الثوريّ. لم يُعلن أيّ قائد في الحرس الثوريّ معارضته علناً لإدارته للمحادثات، بل إنّ وكالة تسنيم، وهي الوسيلة الإعلاميّة الرئيسة للحرس الثوريّ، انتقدت المتشدّدين الذين حاولوا تقويض الدبلوماسيّة.

في المقابل، يرى عزيزي أنّ هناك بالفعل معارضة سياسيّة داخليّة للمفاوضات، يقودها سعيد جليلي، الذي يتبنّى موقفاً متشدّداً مشابهاً لموقفه خلال مفاوضات الاتّفاق النوويّ عام 2015. يعتقد أنّ جليلي مدعومٌ من بعض النوّاب مثل عليّ خزريان ومحمود نبويان، الذين انتقدوا المفاوضات بشدّة. مع ذلك، يعتبر أنّ تأثيرهم محدود حتّى في البرلمان، حيث يهيمن فصيلهم المتشدّد: في يوم الإثنين الماضي، أصدر 261 عضواً من أصل 290 في البرلمان بياناً يدعم قاليباف وفريقه التفاوضيّ. وقد وقّع خزريان على البيان، بينما لم يوقّع نبويان.

يعتقد عزيزي أنّ ادّعاء وجود صراع بين الحرس الثوريّ وفريق التفاوض يعود إلى سوء تفسير حادثة تتعلّق بتصريحات وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي في 17 نيسان التي أكّد فيها أنّ مضيق هرمز “مفتوح بالكامل للفترة الباقية من وقف إطلاق النار، على المسار المنسّق كما أُعلن سابقاً”، فيما سارعت وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوريّ إلى توضيح أنّ هذا الكلام لا يعني فتح المضيق بشكل كامل، لكن في الحقيقة كانت التصريحات الإيرانيّة متوافقة. لم يكن الجدل في الأوساط الإيرانيّة مرتبطاً بتغريدة عراقجي بقدر ما كان مرتبطاً بتصوير ترامب لها على أنّها تنازل أكبر ممّا هي عليه في الواقع ضمن سلسلة من التصريحات الاحتفاليّة من الرئيس الأميركيّ اعترض عليها الإيرانيّون.

أعلنت الجبهة الإصلاحيّة الإيرانيّة، التي واجهت قمعاً في الأشهر الأخيرة، دعمها للمحادثات مع الولايات المتّحدة، وكذلك فعل الرئيس الوسطيّ الأسبق حسن روحاني

ماذا عن الشّعب الإيرانيّ؟

يشير عزيزي إلى جهود النظام الإيرانيّ منذ ذلك الحين لإظهار تماسكه الداخليّ، من خلال تصريحات رسميّة ورسائل موحّدة تؤكّد رفض الانقسامات. يرى أنّ هذه الجهود تعكس إدراكاً لأهميّة الحفاظ على صورة الوحدة في ظلّ التحدّيات السياسيّة والدبلوماسيّة.

يعتقد عزيزي أنّ المتشدّدين، مع معارضتهم، لا يمتلكون النفوذ المؤسّسيّ اللازم لإحباط الجهود الدبلوماسيّة ولا القوّة المؤسّسيّة الكافية لإفشال المفاوضات، لكنّهم إذا كانوا مصمّمين على ذلك، فبإمكانهم دائماً محاولة حشد قواعدهم الشعبيّة. يشير في هذا السياق إلى دعوة النظام الإيرانيّ أنصاره إلى التوافد إلى الشوارع بالآلاف كلّ ليلة، في محاولة لحشد الدعم للحرب وترهيب المعارضة. يشير إلى أنّ لهؤلاء المتشدّدين قاعدة شعبيّة حقيقيّة، على الرغم من أنّها أقلّيّة، كما ظهر من نتائج الانتخابات السابقة عندما ترشّح جليلي للرئاسة عام 2024 وحصل على 13.5 مليون صوت، وكثير منهم يعارضون الدبلوماسيّة. عندما نشر وزير الخارجيّة الإيرانيّ السابق محمّد جواد ظريف مقالاً في مجلّة “فورين أفيرز” يدعو فيه إلى اتّفاق جديد مع أميركا أحرق المتظاهرون صورته في الشوارع.

إقرأ أيضاً: ميناء “نيوم” بديلاً لمضيق هرمز؟

لكن، وفقاً لعزيزي، تحظى المفاوضات أيضاً بقاعدة شعبيّة. لقد أعلنت الجبهة الإصلاحيّة الإيرانيّة، التي واجهت قمعاً في الأشهر الأخيرة، دعمها للمحادثات مع الولايات المتّحدة، وكذلك فعل الرئيس الوسطيّ الأسبق حسن روحاني، حتّى إنّ بعض معارضي الجمهوريّة الإسلاميّة أعلنوا تأييدهم للدبلوماسيّة. دعا مولوي عبدالحميد، كبير علماء السنّة في إيران، إلى “اتّفاق عادل” واحتجّ على “المتطرّفين الذين يعرقلون المسيرة بعنادهم”.

يخلص عزيزي إلى القول: “نعم، هناك صراعات داخليّة في طهران. لا شكّ أنّ التنافس والتسوية سيؤثّران على طبيعة ومدى التنازلات التي يمكن للمفاوضين قبولها. ينطبق الأمر نفسه على الأرجح على الجانب الآخر من طاولة المفاوضات. لكنّ هذا لا يعني أنّ المتشدّدين الذين يعارضون المحادثات تماماً سيفشلونها. بل على العكس، يبدو أنّ الزخم والقوّة المؤسّسيّة يميلان إلى جانب الدبلوماسيّة”.

لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا

مواضيع ذات صلة

الحرب غيّرت إيران: من الثّورة إلى الدّولة القوميّة؟

يرى الباحثان والي نصر ونرجس باجوغلي أنّ الحرب الأميركيّة–الإسرائيليّة على إيران لم تحقّق هدفها المتمثّل في إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة أو إضعافها بصورة حاسمة، بل أدّت…

جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة

يتوقّع الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، الباحث في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” و”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أن يندلع نوع مختلف من الحرب…

نتنياهو: 30 عاماً في السّلطة… استراتيجية انقسام المجتمع..

صادف يوم 29 أيّار مرور ثلاثين عاماً على تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء الإسرائيليّة، وهو ما يتّخذه الكاتبان الإسرائيليّان نوعام غيدرون، أستاذ العلوم السياسيّة في…

ترامب وفنّ الاتّفاقيات الهشّة: لبنان نموذجاً

يرى الباحث في صحيفة “نيويوركر” سودارسان راغافان أنّ وقف إطلاق النار في لبنان تحوّل إلى النموذج الأكثر وضوحاً لطريقة إدارة دونالد ترامب للصراعات في الشرق…