لا لقاء مع نتنياهو

مدة القراءة 3 د

في لحظة إقليميّة شديدة التعقيد، لم يعُد التفاوض مع إسرائيل ترفاً سياسيّاً، بل ضرورة واقعيّة لإخراج لبنان من عنق الزجاجة. لم تعُد الدولة المثقلة بأزمات اقتصاديّة وأمنيّة تحتمل بقاء ملفّاتها السياديّة رهينة الجمود أو الاشتباك المفتوح. لا يعني التفاوض هنا التنازل، بل إدارة الصراع بعقلانيّة لحماية ما بقي من استقرار.

 

أيّ مسار تفاوضيّ يجب أن يكون مدروساً ومُتدرّجاً، بحيث لا يُستدرج إلى استعراضات سياسيّة أو لقاءات شكليّة. من هذا المنطلق، لا يمكن القبول بأيّ لقاء مباشر مع بنيامين نتنياهو إلّا بعد وصول المفاوضات إلى خواتيم واضحة تُترجم في تفاهمات مكتوبة أو شبه نهائيّة. ليس اللقاء في حدّ ذاته إنجازاً، بل قد يتحوّل إلى ورقة دعائيّة إذا لم يُبنَ على نتائج ملموسة، علماً أنّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون كان قد أبلغ نظيره الأميركيّ أنّه لن يلتقي نتنياهو في هذه المرحلة، ولقي تفهّماً كاملاً من ترامب.

ليس التفاوض خياراً مثاليّاً، بل الخيار الأقلّ كلفة. بين الجمود والانفجار، يبقى المسار التفاوضيّ الطريق الوحيد الممكن لحماية لبنان وإعادة إدخاله في منطق الدولة

أمّا برنامج التفاوض فيجب أن يرتكز على ملفّات محدّدة:

  • أوّلاً: تثبيت الحدود البرّيّة والبحريّة بشكل نهائيّ، استكمالاً لما بدئ به في ترسيم الحدود البحريّة.
  • ثانياً: معالجة النقاط الخلافيّة على الخطّ الأزرق، بما يمنع الاحتكاكات اليوميّة.
  • ثالثاً: ضمانات دوليّة لوقف الاعتداءات الإسرائيليّة، مقابل التزام لبنانيّ واضح للتهدئة.
  • رابعاً: فتح الباب أمام دعم اقتصاديّ دوليّ مرتبط بالاستقرار الأمنيّ.
  • خامساً: العمل على اتّفاق سلام كامل يرتبط بالقرار العربيّ، لا سيما السعوديّ، وضمن وحدة لبنانيّة متكاملة مع حصريّة السلاح وفقاً لاتّفاق الطائف والقرارات الدوليّة ذات الصلة.

إقرأ أيضاً: برّي في بعبدا؟

يبقى ملفّ سلاح “الحزب” الأكثر حساسيّة، وهو بطبيعته يتجاوز الإطار الداخليّ. السلاح مرتبط بتوازنات إقليميّة، لا سيما مع إيران، وهو ما يجعل من الضروريّ أن تبادر الدولة اللبنانيّة بالاتّفاق مع الولايات المتّحدة والمملكة السعوديّة إلى حوار مباشر مع طهران في مستقبل هذا السلاح ودوره. إذ أثبت حصر النقاش داخليّاً محدوديّته، بينما المقاربة الواقعيّة تقتضي التعامل مع جذور المسألة.

في المحصّلة، ليس التفاوض خياراً مثاليّاً، بل الخيار الأقلّ كلفة. بين الجمود والانفجار، يبقى المسار التفاوضيّ الطريق الوحيد الممكن لحماية لبنان وإعادة إدخاله في منطق الدولة.

 

مواضيع ذات صلة

لبنان… ومدرسة حافظ الأسد

الأرقام تتكلّم. الأرقام صادقة لا تخطئ. نحو 400 ألف نازح عادوا إلى الجنوب بعد أقلّ من 24 ساعة على توقيع الاتّفاق الإطار اللبنانيّ الإسرائيليّ في…

إسرائيل تختبر قواعد اشتباك جديدة في سوريا؟

أظهرت أحداث قرية عابدين بريف درعا الغربيّ انتقال النشاط الإسرائيليّ من الاقتراب الدوريّ من القرى إلى محاولة التحكّم بالطرق والمواقع المرتفعة في حوض اليرموك. فقد…

إيران – أميركا: أول الغيث 300 طائرة بوينغ لإيران

صفقة شراء إيران أكثر من 300 طائرة بوينغ أميركيّة حديثة الطراز، مع برامج تدريب للطيّارين وتعاون تقنيّ طويل الأمد، ليست عقداً تجاريّاً عابراً وحسب، بل…

الاتفاق الإطاري: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (2/2)

يستعرض الجزء الثاني واقع التأييد الإسرائيلي لبقاء قوات الدولة العبرية في جنوب لبنان وتأثيره على فرص تنفيذ الاتفاق الإطاري، حيث يظهر استطلاع أن 73% من…