فيصل سنّو أورث المقاصد لنجله حسن

مدة القراءة 7 د

انتهت انتخابات جمعية المقاصد إلى نتيجة واحدة لم تُعلن، وهي أنّ فيصل سنّو أورث الجمعية لنجله حسن، وتولّى مجلس الأمناء في الجمعية عملية حصر الإرث برعاية مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان.

 

حادثتان تؤسّسان لرسم صورة ما حدث في انتخابات جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت يوم الأحد الفائت.

الحادثة الأولى حصلت عام 1970، عندما أعلن وزير الداخليّة حينذاك كمال جنبلاط تعليق انتخابات جمعيّة المقاصد، حرصاً منه على إفشال الانقلاب الذي كان يُدبَّر من المكتب الثاني في حينه على هويّة “المقاصد” ورسالتها، ودور الرئيس صائب سلام التاريخيّ فيها، وأجّل الانتخابات حتّى عادت الأمور إلى نصابها، وبقيت “المقاصد” ملتزمة لوعدها الصادق.

الحادثة الثانية حصلت في عهد الملك الفارسيّ كسرى، عندما تقدّمت امرأة كاشفةً عن وجهها بين الجموع خلال إعدام الوزير والحكيم بزرجمهر، فتساءل الملك: “من تلك المرأة التي تجرؤ على أن تكشف عن وجهها بحضرتي وحضرة كلّ الناس؟”، فتقدّم منها الوزير، فقالت: “أنا ابنة المظلوم بزرجمهر”. وعندما عاد إلى الملك يُخبره بهويّتها، قال الملك منشداً أمام الجموع: “ما كانت الحسناء ترفع سترها لو أنّ في هذه الجموع رجالاً”.

لقد هُزمنا

بدايةً، دعونا نقرّ ونعترف نحن من حملنا لواء الدفاع عن جمعيّة المقاصد وهويّتها، بالقلم والمنبر والصوت والصورة. نحن الذين رفضنا إزالة أسماء أمّهات المؤمنين الصحابة عن مدارسها ومعاهدها. من مدرسة خديجة الكبرى في عائشة بكّار وصولاً إلى مدرسة عائشة أمّ المؤمنين في الطريق الجديدة. نحن الذين هالتنا إزالة صورة المصحف والآية الكريمة القائلة: “وقل ربّ زدني علماً” عن شعار “المقاصد” ورمزها.

ارتكب فيصل سنّو ما يقوله في العلن وفي الغرف المغلقة والصناديق المغلقة

دعونا نعترف بكلّ شجاعة وصدق أنّ فيصل سنّو هزمنا. قد فعل ما يريد بجمعيّة المقاصد وأشباه رجالها في مجلس الأمناء. لقد ارتكب فيصل سنّو ما يقوله في العلن وفي الغرف المغلقة والصناديق المغلقة. ها هو يأتي إلى مجلس الأمناء بنجله حسن سنّو، الذي أعلن تأييده للزواج المدنيّ وحقوق المثليّين عندما كان يريد الترشّح للانتخابات النيابيّة عام 2018، وهو الذي وقفت بوجهه عائلة سنّو الفاضلة، رافضة تبنّي هذا الترشّح.

ها هو حسن سنّو عضو في مجلس أمناء “المقاصد”، ومعه 14 عضواً من صحبه أكثرهم لم يأتِ إلى جلسة الانتخاب لوجودهم خارج البلاد، فانتُخبوا بالتزكية. وأيّ تزكية؟

فيصل سنّو

حاولوا تهريب الانتخابات قبل الحرب، فهاجت بيروت وماجت، واتّصل بنا عشرات الأعضاء، بل المئات، متسائلين: هل نسكت على فيصل سنّو؟ فأُجّلت الانتخابات هرباً، كما وصفها رئيس جمعيّة متخرّجي “المقاصد” مازن شربجي عندما التقيته بداية شهر رمضان الفائت. ثمّ، برسالة صوتيّة إلى أعضاء الجمعيّة العموميّة، نادى فيصل الأعضاء على عجل قبل نهار الأحد: هناك قلم، وهناك صندوق، لكن ليس هناك مرشّحون للانتخابات. فازت امرأة بالتزكية، وأصبحت رئيسة الجمعيّة، والتُقطت صور مع المفتي الشيخ عبداللطيف دريان وقف فيها في الوسط، والسيّدة الفاضلة على يمينه.

فعلها فيصل

مجدّداً نقول: لقد فعل فيصل ما يريد. بل كان همّه ألّا يأتي رجل إليها. استبعد نائب الرئيس الدكتور عماد عيتاني، الحامل شهادة دكتوراه في الاقتصاد من جامعة شيكاغو، لا شهادة بيطرة لم يُنهِ إنجازها من جمهوريّة مصر العربيّة.

دعونا نعترف بكلّ شجاعة وصدق أنّ فيصل سنّو هزمنا. قد فعل ما يريد بجمعيّة المقاصد وأشباه رجالها في مجلس الأمناء

عام 2022، قبل الانتخابات النيابيّة، اتّصل بي حسن فيصل سنّو طالباً اللقاء على فنجان قهوة في مقهى “ستاربكس” في منطقة الحمرا. لبّيت طلبه من دون تردّد. التقينا هناك، عاجلني بالسؤال: “هل تقف إلى جانبنا في الانتخابات النيابيّة؟”. سألته: “وهل أنت مرشّح؟”، أجاب: “نعم، أفكّر في الترشّح مع قوى التغيير”. قلت له: “ما هو برنامجك؟”، قال: “ستعلم به في حينه”. تعجّبت من إجابته.

قلت له: “لا أريد أن أتعرّف إلى برنامجك، لكن أريد منك تعهّداً واحداً، إن قمت به فسأؤيّدك في العلن ومن دون تردّد”. قال لي: “ما هو هذا التعهّد؟”، قلت له: “أن تعلن أنّك ضدّ الزواج المدنيّ وضدّ حقوق المثليّين، أي الشاذّين جنسيّاً”، فأجابني هو أيضاً من دون تردّد: “زوّج ابنتك كما تشاء عند شيخ وبطريقتكم الشرعيّة، لكن عندما تريد أن تسجّل الزواج، سجّله مدنيّاً”. قلت له: “المشكلة مع الزواج المدنيّ عندنا ليست في شكل الزواج، بل ما يترتّب عليه من ميراث وحقوق وواجبات”. استكمل كلامه قائلاً لي: “أمّا عن حقوق المثليّين، فلِمَ الاعتراض؟ في كلّ منزل من منازلنا مثليّ”. وقفت مغادراً وقلت له: “أرجوك، فليتكلّم كلّ واحد منّا عن منزله…”.

رسالة إلى دار الفتوى ووزارة الدّاخليّة

مباركٌ فوز ديانا طبّارة برئاسة “المقاصد”. هي امرأة فاضلة تمتلك صفات الإدارة والتنظيم لكن خسئ أصحاب الأقنعة من المهنّئين والمباركين من نوّاب وشخصيّات ومسؤولين، فكلّهم أبدوا أمامي قبل الانتخابات اعتراضاً على هذا الخيار، وأبدوا استنكاراً لسلوك فيصل سنّو.

مباركٌ لديانا طبّارة الفوز برئاسة جمعيّة المقاصد. هي ابنة عائلة كريمة من بيروت، وابنة عليّ طبّارة الذي له من الأفضال الكثير.

انتهت انتخابات جمعية المقاصد إلى نتيجة واحدة لم تُعلن، وهي أنّ فيصل سنّو أورث الجمعية لنجله حسن

في الختام هناك رسالتان من العتب الكبير:

الرسالة الأولى إلى “مفدينا” الشيخ عبداللطيف دريان نسأله: ماذا بينك وبين فيصل سنّو؟ أنت من طلبت من أمين الفتوى الشيخ أمين الكرديّ أن يتصدّى لإرهاصاته في انتزاع أسماء أمّهات المؤمنين عن المدارس، ثمّ استقبلته على الرغم من تطاوله على الشيخ أمين وكأنّ الإشكال شخصيّ بين أمين الفتوى وسنّو، وهذا ليس بالأمر الصحيح. ما تحرّك الشيخ أمين إلّا بطلب منك وبتوجيهاتك وتعليماتك. ثمّ أدخلت حسن سنّو في صندوق الزكاة لتبييض صفحته من الزواج المدنيّ والشاذّين متجاوزاً نصائح كلّ المؤمنين. عندما اشتكى قبل أشهر الدكتور عماد عيتاني ممّا يفعله فيصل، قلت له: “لا دخل لي بجمعيّة المقاصد ولا بمجلس أمنائها”. هذا يا “مفدينا” أمر مستنكَر غريب. ثمّ رأيناك يوم الأحد الفائت تبارك ما فعله فيصل، وتتحدّث عن الأمانة التي سيحملها مجلس الأمناء الجديد… نكتفي بذلك “مفدينا”. في الفم ماءٌ والقلب حزين.

أمّا الرسالة الثانية فنرسلها إلى معالي وزير الداخليّة والبلديّات أحمد الحجّار، نقول فيها: أما كان على معاليك أن تلجأ إلى أرشيف الوزارة كي ترى كيف وقف وزير الداخليّة حينذاك كمال جنبلاط، ابن الشوف العظيم، إلى جانب جمعيّة المقاصد، فحماها وأوقف انتخاباتها المشبوهة، ومنع هجوم الحاقدين؟ كيف يحصل كلّ ذلك في  عهدك وهناك دعوى مسجّلة عند قاضي الأمور المستعجلة تطعن بشرعيّة رئاسة فيصل سنّو منذ 4 سنوات، من دون أن يُحسم أمرها بفعل تدخّلات المخصيّين؟

إقرأ أيضاً: أمناء “المقاصد”: حماة الرّسالة أم شهود زور؟

بالعودة إلى ابنة الوزير والحكيم بزرجمهر، نقول، من باب الدلالة لا من باب التعيير، إنّ ابنتنا ديانا طبّارة، التي نحبّ ونقدّر، ابنة بيروت، ما كانت لتكشف وجهها في انتخابات “المقاصد” لو كان بين الجموع رجال، وما كان لمجلس الأمناء أن ينكفئ رجاله لو لم يكن هؤلاء الرجال خصياناً في الحق والواجب والمسؤولية التاريخية لجمعية بلغت من العمر 148 عاماً.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…