ما هو المطلوب من اللّبنانيّين لإنقاذ الشّيعة؟ (2/2)

مدة القراءة 4 د

تقدّمت منّي يوم الأحد الفائت، خلال تناول الغداء في أحد مطاعم بيروت برفقة بعض الزملاء، سيّدة في أواخر الستّين من العمر، تبدو عليها ملامح الرقيّ وأيّام الزمن الجميل. خاطبتني مبتسمة: “أنت زياد عيتاني، ما بدّك تخفّف عنّا شوي؟ أنا أتابعك دائماً ويعجبني كلامك، لكنّك في الفترة الأخيرة قسوت علينا كثيراً. أنا من الجنوب، من آل حلاوي، وأسكن في تلّة الخيّاط منذ صغري. تربّيت وتعلّمت في الجامعة الأميركيّة، لكنّني أشعر بحرقة كبيرة على الجنوب وشبابه. للمرّة الأولى أخاف على الغد”.

 

كثرة الأسلحة الفرديّة التي وُجدت مع الشيعة النازحين إلى بيروت وجبل لبنان، من قرى الجنوب والضاحية الجنوبيّة لبيروت. أنتجت سؤال محوريّ: لماذا يمتشق الشيعيّ النازح سلاحاً فرديّاً لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يمنع عنه أن يكون من سكّان الخيم المنصوبة على الشاطئ أو من المقيمين في المدارس التي تحوّلت إلى مراكز لإيواء النازحين؟

الجواب سهل ومؤلم، وهو أنّ الخوف يمتلك هذا النازح ممّا يسمعه من خطاب الكراهية، إن عبر “الحزب” وأبواقه وجيوشه الإلكترونيّة، أو عبر بعض خصومه المتماهين معه برقصة “سولو” على بقايا الوطن والمواطنين.

تورّط أكثرنا بحملة الجنون الحاصلة. منهم من اتّهم الآخرين بأنّهم صهاينة، حتّى وصل هذا الاتّهام إلى رئيس الحكومة نوّاف سلام، فيما لم يتوانَ البعض الآخر عن اتّهام خصومه بأنّهم أدوات في مشروع طهران والملالي فيها. لم يسعَ أحدنا إلى طمأنة الآخر. لا بيئة “الحزب” وشيعته حاولوا طمأنة باقي الطوائف إلى أنّ تصفية الحساب مع إسرائيل لن تكون في الداخل، وتحديداً في بيروت، بل أمعن بعضهم في التهديد والوعيد بأنّ حساب الآخرين سيأتي بعد انتهاء الحرب، وانطلقت ميليشيا الدرّاجات الناريّة صارخة في أزقّة وأحياء بيروت بالشعار المؤذي للشيعة قبل الآخرين: “شيعة… شيعة… شيعة”.

تبدو وظيفة اللبنانيّين كافّة الأهمّ هي طمأنة شيعة لبنان لتكون الخطوة الأولى في مسار الألف ميل

في المقابل، عمد الآخرون إلى اللجوء إلى مفردات الانتقام والشماتة على أثر إرهاصات ما بقي من “الحزب” وأبواقه. ذهب البعض إلى رفع دعاوى قضائيّة يميناً ويساراً وصلت إلى الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم، فيما انجرف البعض بمطالبة الشيعة بالرحيل إلى العراق.

نجح “الحزب”، عبر حفلة الجنون هذه، في إقناع شيعة لبنان بأنّ الحرب التي يخوضها بالتوقيت الإيرانيّ هي حرب وجوديّة لهم، معركة حياة أو موت: إمّا أن يبقوا بعدها أو يندثروا من هذه الأرض.

مسار الطّمأنينة

من خلال مشهديّة الجنون الحاصلة، تبدو وظيفة اللبنانيّين كافّة الأهمّ هي طمأنة شيعة لبنان لتكون الخطوة الأولى في مسار الألف ميل. علينا، نحن اللبنانيّين، إنتاج الطمأنينة المجتمعيّة وتعميم خطاب الطمأنينة في المجال العامّ اللبنانيّ، مستندين إلى الحصانة التي منحها اتّفاق الطائف لكلّ المكوّنات اللبنانيّة، وضمانة المشاركة في صنع القرار وتنفيذه.

الشيعة

وضع اتّفاق الطائف حصانة لوجود كلّ المكوّنات، طوائف ومذاهب، ولا أحد قادر على إلغاء أحد. لا وجود فيه لمنطق الأكثريّة والأقليّة، ولا لعدّادات الطوائف والمذاهب، ولا لعدّادات المنتصرين والمنهزمين.

أرسى “الطائف” منطق حتميّة التعايش بين المكوّنات كافّة، وهو اتّفاق ما يزال صالحاً لاستعادة الكيان والدولة، ومعهما الحيويّة السياسيّة. لقد تخصّص المسيحيّون بفكرة الكيان، وربط السنّة مصيرهم بمصير الدولة، ويتنفّس الشيعة وجوديّاً عبر الحيويّة السياسيّة وديناميكيّتها.

نجح “الحزب”، عبر حفلة الجنون هذه، في إقناع شيعة لبنان بأنّ الحرب التي يخوضها بالتوقيت الإيرانيّ هي حرب وجوديّة لهم

بعد ترسيخ هذا المفهوم، علينا جميعاً الانتقال إلى الخطوات العمليّة للإجابة على ثلاثة أسئلة:

1- متى ستجري الانتخابات النيابيّة، ووفقاً لأيّ قانون؟ لأنّ الانتخابات وحدها قادرة على إعادة إنتاج الحياة السياسيّة السويّة، وعبرها فقط يمكن تنفيس هذا الاحتقان الطائفيّ البغيض.

2- فتح باب خدمة العلم الإلزاميّة في الجيش اللبنانيّ لدمج الشباب اللبنانيّ المسيحيّ والمسلم بفكرة الوطن والدولة. يكون الجيش، عبر الخدمة الإلزاميّة، ملجأً للشباب عوضاً عن الميليشيات والمجموعات المسلّحة غير الشرعيّة.

3- إطلاق إعادة إعمار الجنوب والضاحية عبر خطّة وطنيّة بعيدة عن التنفيعات الحزبيّة والطائفيّة.

إقرأ أيضاً: أنقذوا الشيعة كي ننقذ لبنان (1/2)

علينا نحن اللبنانيّين العمل دوماً، كفعل يوميّ، على طمأنة بعضنا. هذا قدر الديمغرافيا وقدر الجغرافيا كي يبقى لنا وطن ودولة.

إنقاذ لبنان يكون باللجوء إلى مقولة السيّد هاني فحص، رحمه الله، الداعية إلى العمل معهم على العودة إلى لبنانيّتهم.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

لبنان… ومدرسة حافظ الأسد

الأرقام تتكلّم. الأرقام صادقة لا تخطئ. نحو 400 ألف نازح عادوا إلى الجنوب بعد أقلّ من 24 ساعة على توقيع الاتّفاق الإطار اللبنانيّ الإسرائيليّ في…

إسرائيل تختبر قواعد اشتباك جديدة في سوريا؟

أظهرت أحداث قرية عابدين بريف درعا الغربيّ انتقال النشاط الإسرائيليّ من الاقتراب الدوريّ من القرى إلى محاولة التحكّم بالطرق والمواقع المرتفعة في حوض اليرموك. فقد…

إيران – أميركا: أول الغيث 300 طائرة بوينغ لإيران

صفقة شراء إيران أكثر من 300 طائرة بوينغ أميركيّة حديثة الطراز، مع برامج تدريب للطيّارين وتعاون تقنيّ طويل الأمد، ليست عقداً تجاريّاً عابراً وحسب، بل…

الاتفاق الإطاري: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (2/2)

يستعرض الجزء الثاني واقع التأييد الإسرائيلي لبقاء قوات الدولة العبرية في جنوب لبنان وتأثيره على فرص تنفيذ الاتفاق الإطاري، حيث يظهر استطلاع أن 73% من…