لبنان بين “روح إيران” وحدود التّسوية: تفاوض بلا توقيت

مدة القراءة 4 د

في لحظات الاشتباك الكبرى، لا تُقاس الوقائع بما يُقال على الطاولات، بل بما يتراكم خارجها من موازين قوّة وتعقيدات متشابكة. لبنان يقف في قلب هذا التشابك، حيث يتقدّم الشكل التفاوضيّ على حساب المضمون، وتبدو المسارات المفتوحة أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى إنتاج حلول. بين ضغط الخارج وانقسام الداخل، تتبدّى معادلة شديدة الحساسيّة تجعل أيّ حديث عن تسوية نهائيّة سابقاً لأوانه، بل أقرب إلى محاولة التقاط صورة سياسيّة في زمن غير مكتمل الشروط.

 

ليست تغريدة السفارة الإيرانيّة في لبنان التي وصفت لبنان بأنّه “روح إيران” تفصيلاً عابراً، بل تختصر بدقّة طبيعة العلاقة التي تربط الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة بـ”الحزب”. منذ نشأته، وُلد “الحزب” من رحم الثورة الإسلاميّة، وارتبط بها ارتباطاً عضويّاً، سياسيّاً وعقائديّاً وأمنيّاً، بحيث لا يمكن مقاربة موقعه أو دوره داخل لبنان بمعزل عن هذا الارتباط البنيويّ.

في المقابل، يفرض الواقع اللبنانيّ على “الحزب” التعامل مع أجندة داخليّة لا يمكن تجاهلها، خصوصاً في ظلّ الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة التي تضيق فيها الخيارات. يدفع هذا الواقع باتّجاه “لبننة” جزئيّة للحلول، بانتظار ما ستؤول إليه التطوّرات المرتبطة بإيران نفسها، وتحديداً على مستوى مفاوضاتها أو استثماراتها السياسيّة والعسكريّة في المنطقة، التي يشكّل “الحزب” إحدى أبرز أدواتها.

من هنا، يتطوّر خطاب “الحزب” ومقارباته في الداخل ضمن مسارين متوازيَين: مسار إقليميّ يحكمه الارتباط الاستراتيجيّ بإيران، ومسار لبنانيّ تفرضه ضرورات الواقع. إلّا أنّ هذه الازدواجيّة لا تُقابَل بقراءة واقعيّة من قبل خصوم “الحزب”، حيث لا يؤدّي إنكار البعد العقائديّ والدينيّ لهذا الارتباط إلّا إلى تعميق الانقسام الداخليّ، بدل أن يشكّل مدخلاً لفهم أعمق لكيفيّة التعامل مع هذا الواقع المركّب.

يزداد التعقيد مع عدم جاهزيّة بنيامين نتنياهو للذهاب نحو اتّفاق مع لبنان، في ظلّ استمراره بالدفع نحو التصعيد مع إيران

عليه، أيّ تحوُّل جدّيّ في وظيفة “الحزب” من دور عسكريّ إلى دور سياسيّ كامل داخل الدولة لا يمكن أن يكون نتاج تفاهمات داخليّة فقط، بل يحتاج إلى مسار أوسع يبدأ من إيران نفسها، أو من تفاهمات إقليميّة تعيد رسم حدود هذا الدور. من دون ذلك، تبقى أيّ طروحات داخليّة ناقصة أو غير قابلة للتطبيق.

تفاوض بلا أرضيّة: من رمزيّة اللّقاء إلى استحالة التّسوية

انطلاقاً من هذا المشهد، يصبح التفاوض الجاري في واشنطن، أقرب إلى خطوة رمزيّة منه إلى مسار فعليّ منتج. حتّى الآن، لا تبدو نقطة التقاء حقيقيّة بين الأطراف: لبنان يطالب بوقف إطلاق النار، فيما تضع إسرائيل نزع سلاح “الحزب” شرطاً أساسيّاً، وهو ما يلغي وجود أيّ قاسم مشترك يمكن البناء عليه.

لبنان

 

في الداخل، يعكس موقف حركة “أمل” الرافض لأيّ تفاوض مباشر مع إسرائيل والمتمسّك بآليّة “الميكانيزم” تقاطعاً واضحاً مع موقف “الحزب”، وهو ما يعزّز جبهة داخليّة رافضة لهذا المسار، ولو مع الفصل الشكليّ بين المواقع المؤسّساتيّة والسياسيّة للرئيس برّي.

إلى جانب ذلك، فإنّ فشل الجولة الأولى من التفاوض في إسلام آباد والاستعداد لتصعيد مختلف في شكله ومضمونه يضعان عنوان التفاوض في مرتبة ثانوية، فيصبح أقرب إلى غطاء سياسيّ لمسار ميدانيّ مرشّح لمزيد من التوتّر. يزداد هذا التعقيد مع عدم جاهزيّة بنيامين نتنياهو للذهاب نحو اتّفاق مع لبنان، في ظلّ استمراره بالدفع نحو التصعيد مع إيران.

لبنان يطالب بوقف إطلاق النار، فيما تضع إسرائيل نزع سلاح “الحزب” شرطاً أساسيّاً، وهو ما يلغي وجود أيّ قاسم مشترك يمكن البناء عليه

حتّى في حال حصول اللقاء، ستكون صورته رمزيّة أكثر منها عمليّة، لأنّه الأوّل من نوعه من حيث التوقيت والشكل، لكنّه يفتقر إلى أرضيّة داخليّة صلبة تسمح بتحويله إلى مسار تفاوضيّ حقيقيّ. ليس التفاوض، في جوهره، اجتماعاً وحسب، بل نتيجة توازنات واستعدادات غير متوافرة حتّى الآن.

إقرأ أيضاً: من إسلام آباد إلى واشنطن: نواف سلام يجلس على كرسي الدولة..

بناءً على كلّ ما سبق، تبدو الخلاصة الدبلوماسيّة الأكثر واقعيّة أنّ لحظة الحلّ لم تنضج بعد، وأنّ المسار اللبنانيّ لا يزال رهينة تقاطعات إقليميّة ودوليّة أوسع. بين التصعيد والتهدئة، ستبقى “الطبخة اللبنانيّة” على نار متقلّبة، تتحكّم بدرجتها حسابات الخارج، وتحديداً مصالح الحكومة الإسرائيليّة، في انتظار تبدّل الشروط التي قد تفتح الباب أمام تسوية فعليّة لا عناوين تفاوضيّة فقط.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@josephinedeeb

مواضيع ذات صلة

فرنسا: ندعم المفاوضات ولكن…

أتت زيارة الموفد الفرنسيّ إلى لبنان جان إيف لودريان لبيروت ضمن المسار “الاستلحاقيّ” الذي تحاول باريس من خلاله الإبقاء على دور “وظيفيّ”، أو مؤثّر، في…

ماكرون إلى سوريا قريباً؟ باب الاستثمار السعودي والفرنسي

لا يبدو أنّ الانفتاح الاقتصادي على سوريا يسير من باب واحد. في دمشق، تتقاطع اليوم ثلاثة مسارات: أولاً، مسار سوري يبحث عن إعادة تشغيل الاقتصاد،…

أخطر مشروع استيطاني في جنين: مليون إسرائيلي في شمال الضفة

  لم تكن محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، خلال العقدين الماضيين ضمن الخارطة الاستيطانية الإسرائيلية الأكثر نشاطاً، إذ شكل إخلاء المستوطنات الأربع عام 2005 نقطة…

إتفاق نزع سلاح “الحزب” أولاً… ثم وقف النار؟

وصف رئيس الجمهورية جوزف عون إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصّل إليه الوفدان اللبناني والإسرائيلي، فجر الخميس، في الجولة الرابعة من المفاوضات التي تستضيفها…