يصرّ كتبةٌ عربٌ على التحزّب لإيران في الحرب الدائرة. وإذا اعتبرنا ذلك معقولاً لأنّ إسرائيل وأميركا تهاجمان إيران، فلماذا هذه المعاداة لدول الخليج والأردن وسورية التي تلقّت ضربات من إيران أكثر بكثير من إسرائيل؟
ليست لدى إيران ولدى الكتبة العرب معذرة غير الكراهية والحسد! إذ هما نهجان: نهج إيران وحلفائها في التمذهب والتخريب والانقسام، ونهج دول الخليج في الاستقرار والتنمية المستدامة والانفتاح على المستقبل والعالم، وقد صارت هذه الدول نموذجاً للتقدّم والسلام في المنطقة والعالم.
الحرب الجارية هي التي دفعت المفكّر الكويتيّ الصديق الدكتور محمّد الرميحي إلى إعادة نشر مجموعة المقالات التي عبّر فيها المفكّرون العرب 1990-1991 عن مواقفهم من غزو العراق للكويت. دفعته لذلك مواقف عبّر فيها كتّاب عرب عن دعمهم لإيران في الحرب الحاضرة، وهؤلاء منهم مصريّون قوميّون وإسلامويّون، ومن تونس والجزائر وفلسطين. لقد اشتهرت في هذا الصدد خطبة عيد الفطر التي ألقاها شيخ أزهريّ بحضور الرئيس المصريّ عبدالفتّاح السيسي ودعا فيها بدعاءٍ شيعيّ (وحقّ فاطمة وبعلها وأبيها … إلخ) أن يقي المسلمين من شرور اللؤماء الذين اعتبر الخطيب الهُمام أنّهم ضدّ إيران، والمفهوم أنّهم الخليجيّون الذين تلقّوا أكثر الضربات من إيران بما يفوق بثلاثة أو أربعة أضعاف ضربات إيران على إسرائيل!
اعتبر الأستاذ الرميحي أنّ مواقف هؤلاء الجدد أسوأ بكثير من مواقف سابقيهم في حرب مطلع التسعينيّات. لقد اشتهر أيضاً وأيضاً السجال الذي دار بين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد في الموضوع نفسه قبل أسابيع، وقد دفعني ذلك للتذكير بصفحةٍ من كتاب السياسيّ الإيرانيّ عبد الأمير عبد اللهيان “صُبح الشام” الذي يقول إنّه قابل عمرو موسى مطلع عام 2014 وأخبره أنّه والمصريّين مع إيران ضدّ العرب الذين وقفوا مع أميركا وإسرائيل.
تتحكّم بإيران ثلاث عُقَد: الموقع والدور والأيديولوجية. وليس منذ الآن بل منذ قيام الدولة الإيرانيّة الجديدة عام 1979
شاعت الآن تلك الانقسامات بين المثقّفين العرب بسبب دعم العديد منهم لإيران في الحرب الحاليّة بحجّتين: أولاهما أنّ أميركا وإسرائيل تشنّان الحرب على إيران، وثانيتهما أنّ إيران تستحقّ التأييد لأنّها تدافع عن نفسها، ولأنّها تعادي إسرائيل وأميركا.
لماذا هذا العداء؟
ليس المقصود من ذكر هذا النزاع زيادة الانقسام ولا الخوف من تأثير هؤلاء الكتبة في مصائر الحرب، إذ هم عديمو التأثير. إنّما السؤال: لماذا هذا العداء الإيرانيّ وعداء الكتبة لدول الخليج وللأردن وسورية في الحرب الدائرة، وبخاصّةٍ أنّ تلك الدول لا تشارك في الحرب، وقد حاولت تجنّبها بأيّ ثمن، وما يزال موقفها في ضرورة وقف الحرب والعودة إلى التفاوض السياسيّ؟!

تتحكّم بإيران ثلاث عُقَد: الموقع والدور والأيديولوجية. وليس منذ الآن بل منذ قيام الدولة الإيرانيّة الجديدة عام 1979. الهضبة الإيرانيّة عندما تقوم فيها دولةٌ واحدةٌ قويّة تعتبر نفسها ذات موقعٍ متميّز ينبغي أن يسود بين دول الجوار الإقليميّ والعالميّ. هذا الموقف ظاهر منذ أيّام الشاه في الستّينيّات والسبعينيّات. في سؤال الدور تميل إيران القويّة للامتداد في الإقليم والعالم. هذا هو ما فعلته عندما اخترقت العراق وسورية ولبنان والبحرين… واليمن وفلسطين في الثمانينيّات والتسعينيّات وما بعد.
قسّمت المجتمعات، ثمّ عمدت إلى إنشاء ميليشيات مذهبيّة فيها، ثمّ تحالفت مع الإخوان المسلمين وأعداء منظّمة التحرير في فلسطين والأردن، ورفعت الراية الفلسطينيّة. منذ التسعينيّات نشرت الاضطراب والحروب من خلال الميليشيات المصنوعة في شتّى الأنحاء. ما بقي بمعزلٍ عن تأثيرها أو قدراتها على الاختراق غير دول الخليج. عندما خافت تلك الدول على البحرين أرسلت إليها جنوداً من دول مجلس التعاون من أجل الاستقرار ومنع الاختراق.
ما يفعله مثقّفو إيران وأتباعها هو الإمعان في الفشل، والتسبّب في الجمود على التخلّف باسم القوميّة أو باسم الإسلام، أو الذهاب باتّجاه الانتحار
العقدة الأيديولوجيّة
العالم الثالث أو العقدة الثالثة عند إيران أيديولوجيّة الطابع ومحدوديّة المطامح، ولو أنّ شعار الثورة ودستورها يتحدّثان عن تصدير الثورة. ما كان الأمر تحريضاً على التمرّد فقط، بل نشر التشيّع الانقساميّ في كلّ الدول. هو التشيّع الثأريّ المختلط بالنزعات القوميّة الفارسيّة. إيران تلبس لكلّ حالةٍ لَبوسها.
لدى الأقليّات الشيعيّة تتحدّث عن المظلوميّة والثأريّة والانتقام، وتتحدّث عن اقتراب مجيء المهديّ ليضرب الخراسانيّ والسفيانيّ، ولدى الإسلامويّين والمتأخونين تتحدّث عن نصرة الإسلام، ولدى ذوي الميول القوميّة تتحدّث عن تحرير فلسطين.
إنّما في عام 2014 وقد انعقد اجتماعٌ لما سُمِّي بمحور المقاومة في طهران، وقد احتلّ “الحزب” بيروت، واحتلّت “حماس” غزّة، تحدّث الإيرانيّون أثناء الاجتماع المذكور عن احتلال أربع عواصم عربيّة هي دمشق وبيروت وبغداد… وصنعاء. أمّا الإغراء بالراية الفلسطينيّة (و”حماس” حاضرة) فكان من خلال ذكر الإيرانيّين أنّ تحرير غزّة مقدّمة لتحرير القدس والأقصى! لكي يظلّ الإغراء المذهبيّ حاضراً إلى جانب القوميّ والإمبراطوريّ والإسلامويّ، يذكر السياسيّ والعسكريّ عبدالأمير عبداللهيان في كتابه “صبح الشام” أنّهم إنّما احتلّوا سورية عام 2012 لاستنقاذ مزار السيّدة زينب الذي كان الثوّار على الأسد يهدّدونه بالتدمير!
هذه هي أهداف إيران ومطامحها ومطامعها التي لا تخفيها منذ ثمانينيّات القرن العشرين، وإنّما لماذا هذه الحماسة لإيران لدى الإسلامويّين العرب وبعض علمانيّيهم ويساريّيهم؟! لأنّ بعضهم يصدّق مسألة تحرير فلسطين التي يرفع لوأها لواءها الإيرانيّون والمتأيرنون. لكنّ معظمهم من إسلامويّين ويساريّين يكرهون الدول العربيّة المستقرّة التي ترفض فوضويّتهم ونزعاتهم التخريبيّة.
يتحجّج بعض هؤلاء بعداء أميركا وإسرائيل لإيران، لكن ماذا يقولون عندما تستهدف إيران دول الخليج والأردن وسورية الجديدة أكثر ممّا تستهدف إسرائيل؟!
ليست لديهم حجّة يمكن ذكرها غير الكراهية المحضة مثل إيران تماماً. تستألف الدول الخليجيّة طوال عقود إيران وتتجنّب النزاع معها لأيّ سببٍ كان. لكنّهما نهجان: نهج الاستهداف والتخريب، ونهج السلامة والسلام والتنمية والتقدّم.
العالم الثالث أو العقدة الثالثة عند إيران أيديولوجيّة الطابع ومحدوديّة المطامح، ولو أنّ شعار الثورة ودستورها يتحدّثان عن تصدير الثورة
أكثر من 15 مليون مستثمر في الخليج
في المشرق العربيّ والعالم صارت دول الخليج نموذجاً للاستقرار والتقدّم والإقدام على دعم التنمية وجهود السلام في كلّ أنحاء العالم. يحتاج العالم كلّه إلى دول الخليج، إذ يعمل ويستثمر فيها أربعون مليوناً بينهم أكثر من 15 مليون عربيّ.
هكذا العداء الإيرانيّ والإسلامويّ واليساري لدول الخليج هو خصامٌ على النهج. قال لي مثقّف إيرانيّ قبل سنوات: منذ أيّام الشاه ما عندنا أوتوستراد جديد ولا منشأة تعليميّة حقيقيّة، وأنا مدير عامّ ومرتّبي تسعون دولاراً في الشهر، بينما نشأت في الخليج دول وأنظمة جديدة تخدم شعوبها وتبني بلدانها، وتخدم سلام العالم وأمنه. ثمّ يكمل من الذي خدم القضيّة الفلسطينيّة: نحن الإيرانيّين وميليشياتنا أم دول الخليج؟!
إقرأ أيضاً: لا فرق لدى إيران بين العدوّ والصّديق!
ك ما يفعله مثقّفو إيران وأتباعها هو الإمعان في الفشل، والتسبّب في الجمود على التخلّف باسم القوميّة أو باسم الإسلام، أو الذهاب باتّجاه الانتحار بحجّة الاستمرار في التحرير الموهوم.
سيفوز نهج البناء والإعمار وسلم الناس ومصالحهم: }فأمّا الزبد فيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض{ (سورة الرعد، الآية 17) صدق الله العظيم.
لمتابعة الكاتب على X:
