تفاديًا ليوم يطالب فيه لبنانيون… بحقّ العودة!

مدة القراءة 5 د

بفضل إيران وسيطرتها الكاملة على الحزب، انتقلت إسرائيل إلى مرحلة جعل الجنوب اللبناني، حتّى نهر الليطاني، خاليا من السكان بعدما كان المطلوب إسرائيليا أن يكون خاليا من السلاح؟ يفترض في المسؤولين اللبنانيين استيعاب هذا الواقع، واقع تدمير القرى وتهجير السكان، والسعي إلى تفاديه. لا يكون ذلك سوى بتحمّل مسؤولياتهم والإرتقاء إلى مستوى الأحداث بدل الهرب منها

ذلك يبدو التحدي الأساسي الذي يواجه لبنان في وقت لم يعد سرّا أنّ إطلاق الصواريخ الستة من جنوب لبنان كان بمبادرة من “الحرس”.

 

لا يزال التصعيد سيّد الموقف في لبنان. بات أكيدا أنّ الحزب، أدخل البلد في مرحلة أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها في غاية الخطورة، بل مصيريّة، خصوصا بعدما قرّر “الحرس الثوري” الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة عبر أطراف مثل باكستان وتركيا ومصر.

يبدو التحدي الأساسي الذي يواجه لبنان في وقت لم يعد سرّا أنّ إطلاق الصواريخ الستة من جنوب لبنان كان بمبادرة من “الحرس

الخاسر الأكبر؟

لماذا المرحلة مصيريّة؟ لسبب في غاية البساطة، يعود إلى أن إسرائيل تفصل بين حرب لبنان وحرب إيران وذلك بغض النظر عن كلّ المعلومات التي تتحدّث عن رغبة أميركيّة في وقف الحرب مع “الجمهوريّة الإسلاميّة”. لن تتوقف إسرائيل عن متابعة حرب لبنان حتّى لو توقفت الحرب على إيران بناء على رغبة الرئيس دونالد ترامب.

يبدو أنّ لبنان سيكون خاسرا كبيرا، إن لم يكن الخاسر الأكبر، في حرب إيران. سيخسر لبنان بسبب قدرة إسرائيل على التفرّد به. سيخسر أيضا كون إيران لا تعتبره أكثر من ورقة في اللعبة التي تمارسها منذ قررت الدخول في مواجهة مع أميركا وإسرائيل بدل الإستجابة للشروط التي قدّمها لها المفاوض الأميركي في جنيف الشهر الماضي وعبر الوسطاء في الأيام الأخيرة.

إلى إشعار آخر، تعتبر “الجمهوريّة الإسلاميّة” أنّ في استطاعتها رفض هذه الشروط، خصوصا في ضوء قدرتها على إغلاق مضيق هرمز من جهة وتهديد دول الخليج العربي من جهة أخرى. لا مفرّ من الإعتراف بأن لدى إيران أوراقها، بما في ذلك الصواريخ الباليستية التي تمتلكها، لكنّ ماذا لدى لبنان يدافع به عن نفسه غير الإبتعاد عن إيران بدل توفير غطاء لها. ليس كافيا في هذا المجال الكلام عن التضامن مع الدول العربيّة التي تتعرّض لهجمات إيرانيّة بمقدار ما الحاجة إلى إستراتيجية تحمي لبنان وتجعله قادرا على الدفاع عن مصالحه.

في وقت تبدو “الجمهوريّة الإسلاميّة” مستعدة لدخول مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إدارة دونالد ترامب لوقف الحرب، يمرّ لبنان في حال ضياع على كل صعيد. في أساس الضياع الفشل في إيجاد طريقة لوقف الحرب التي تشنّها إسرائيل منذ لحظة إطلاق الصواريخ الستة. كذلك، في أساس الضياع اللبناني الفشل في عقد لقاء بين الرؤساء الثلاثة (عون وبرّي وسلام) من أجل وضع إستراتيجية للتفاوض مع إسرائيل. يفترض في هذا اللقاء تشكيل وفد يمثلّ كل القوى السياسية، بمن في ذلك “الثنائي الشيعي” من أجل القول لإسرائيل أنّ لبنان تغيّر وأنّه ليس مجرّد أداة إيرانيّة وأنّه ليس محكوما من “الحرس الثوري” الإيراني.

تهديد مستحيل؟

يرى لبنان الكارثة المتمثلة في إخلاء الجنوب من سكانه حتّى نهر الليطاني تزحف من دون أن يجد ما يفعله غير التفرّج عليها. ليس كافيا أن يقول رئيس مجلس النوّاب أنّه “مطمئن” لوجود رئيس الجمهوريّة كي تتوقف الحرب. أكثر من أي وقت، على لبنان الإعتراف بهزيمته في الحرب التي جرّه إليها “الحرس الثوري”. إذا كان تدمير كلّ هذه القرى وتهجير ما يزيد على مليون مواطن من أرضهم ليسا هزيمة، فما الذي يمكن، إذا، تسميته هزيمة؟ هل يعترف لبنان بهزيمته في اليوم الذي سيطالب فيه لبنانيون خرجوا من قراهم بحق العودة، على غرار الفلسطينيين الذين غادروا ارضهم إلى المخيمات في العام 1948؟

محاولات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تراوح مكانها في ضوء العجز عن الذهاب إلى أبعد من التفرج على الأحداث

يقف لبنان عاجزا أمام الأحداث التاريخية التي يمرّ فيها غير مدرك أن لدى إسرائيل حسابات خاصة تريد تصفيتها معه وأنّ “الحرس الثوري” الإيراني عبر “الحزب” وفّر لها الفرصة لتصفية هذه الحسابات. هل يريد لبنان المحافظة على أرضه والسعي إلى عودة النازحين إلى أرضهم… أم يريد الرهان على الوقت، وهو رهان على خروج إيران منتصرة من حربها مع أميركا وإسرائيل. مثل هذا الرهان هو رهان على وهم أكثر من أي شيء.

من الواضح أن محاولات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تراوح مكانها في ضوء العجز عن الذهاب إلى أبعد من التفرج على الأحداث، خصوصا بعدما صار النازحون قنبلة موقوتة. لا شكّ أنّ اعتبار السفير الإيراني الجديد محمّد رضا شيباني “شخصا غير مرغوب به” خطوة في الإتجاه الصحيح، لكنّها خطوة متأخرة كان يجب اتخاذها لدى إصابة السفير السابق في تفجيرات الـ”بيجرز” في 2024… مثله مثل أي عنصر في الحزب.

في النهاية، الخيار واضح. إمّا بقاء سلاح “الحزب” أو بقاء الاحتلال الإسرائيلي لقسم من الجنوب يجرى إخلاؤه من أهله تدريجا. تبيّن أنّ لا وظيفة لهذا السلاح غير خدمة الاحتلال وصولا إلى يوم المطالبة بحق العودة…

إقرأ أيضاً: حلال على قاليباف… حرام على برّي؟!

من المستغرب عدم وجود إجماع لبناني في مواجهة هذا الواقع في وقت لم يعد المسؤولون في الحزب يمتلكون القدرة على استيعاب أنّ ليس في الإمكان تكرار أحداث السابع من أيّار، أي إجتياح بيروت والجبل، وتخوين الحكومة وكبار المسؤولين في البلد…

إنّ التهديد بحرب أهلية مستحيل لسببين. أوّل السببين أنّ إيران تغيّرت إلى حد كبير وهي تستطيع، بالكاد، المحافظة على بقايا النظام الذي قامت عليه “الجمهوريّة الإسلاميّة”. أمّا السبب الآخر فيعود إلى أن سوريا، التي كانت ممرا للأسلحة الإيرانية والأموال المرسلة إلى لبنان، لم تعد موجودة.

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…