بين الكرنتينا وبعبدا: دولة معلّقة

مدة القراءة 6 د

ليس الانقسام في لبنان في السياسة فقط، بل ينعكس أيضاً من بابٍ إنسانيّ واجتماعيّ. تجلّى الانقسام السياسيّ في تشكيل وفد للتفاوض مطابق لأغنية الراحلة صباح: “وين محمود وين معروف وين الياس ووين حسين”. ثم تجلى مجدداً في التخبط بين الرئاسات ووزارة الخارجية حول قرار طرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني واعطائه مهلة حتى يوم الاحد. وتجلّى الانقسام الاجتماعيّ من بوّابة المرفأ، تحديداً الكرنتينا، التي لا تزال معلّقة في الذاكرة الجماعيّة للحرب اللبنانيّة.

 

تحوّل المشهدان إلى مرآة تعكس عمق الأزمة اللبنانيّة، حيث تختلط الهواجس الأمنيّة بالمخاوف الديمغرافيّة، وتعود اللغة الطائفيّة لتتقدّم على أيّ نقاش آخر. استُعيدت مفردات الماضي في لحظة مفصليّة وخطِرة يمرّ بها لبنان، فبدا المشهد وكأنّه استعادة مصغّرة لصراعات أكبر، تُعيد طرح الإشكاليّة نفسها: هل نجح لبنان أن يتحوّل إلى شبه دولة أم لا يزال مجموعة جماعات تتقاسم القلق والقرار؟

 

الكرنتينا… حاضنة ذاكرة الحرب الأهليّة

أثار طرح فتح أبواب الكرنتينا سجالاً حادّاً تجاوز مسألة الإيواء إلى ما هو أعمق. تمحور جزء من الاعتراضات حول الخوف من أيّ تغيير ديمغرافيّ محتمل، في ظلّ حساسيّة تاريخيّة لم تُحلّ. في المقابل، رفض عدد من النازحين الانتقال إلى الموقع لاعتبارات صحيّة ومعيشيّة تتّصل بوجوده قرب مسلخ ومسمكة، وهو ما جعله غير صالح للسكن الإنسانيّ.

أثار طرح فتح أبواب الكرنتينا سجالاً حادّاً تجاوز مسألة الإيواء إلى ما هو أعمق. تمحور جزء من الاعتراضات حول الخوف من أيّ تغيير ديمغرافيّ محتمل، في ظلّ حساسيّة تاريخيّة لم تُحلّ

بين هذين الموقفين، برز التناقض اللبنانيّ المزمن: النازح لبنانيّ وله حقّ الإقامة حيث يشاء، لكنّ الخوف أيضاً ليس وهماً بالكامل. أظهرت التجارب الأخيرة أنّ بعض الاستهدافات طالت أحياءً سكنيّة لم تكن في قلب الصراع، قبل أن يتبيّن وجود عناصر أو قيادات داخلها. هكذا يتداخل الإنسانيّ بالأمنيّ، ويتحوّل القلق إلى انقسام مفتوح يستحضر في خلفيّته شبح الصدام الأهليّ.

بعبدا مطوّقة… والأمن يتقدّم على السّياسة

وسط هذا المناخ المقلق، تبدو بعبدا مطوّقة سياسيّاً. لا مبادرات دوليّة أو دبلوماسيّة حاضرة لوقف الحرب، فاقتصر عمل “السلطة” على حراك مدفوع بهاجس أساسيّ: منع انفجار داخليّ في لحظة إقليميّة شديدة الحساسيّة.

بناء عليه، تقاطعت مقاربات القوى الأساسيّة، فكانت لقاءات بعبدا، وحضور رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، رئيس الحكومة نوّاف سلام، ورئيس الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ وليد جنبلاط، محلّ نقاش في كيفيّة تطويق المشهد الأمنيّ في البلد. برّي قلق جدّاً من كميّة التحريض على النازحين، ويتشارك معه القلق وليد جنبلاط. أمّا سلام فيعمل ليل نهار على الإيواء والإغاثة والأمن وسط هواجس كبيرة لا قدرة رسميّة على استيعابها ومعالجتها دفعة واحدة.

وبينما كان المسؤولون مشغولون بالبحث عن كيفية تطويق شرارة الحرب الأهلية، فوجئ الداخل والخارج بقرار وزارة الخارجية بطرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني، وتأكيد الوزارة أن القرار منسّق مع رئاستي الجمهورية والحكومة. سرعان ما خرج من قصر بعبدا ردود متناقضة بين التبني وعدمه، فوصل جواب بعبدا إلى عين التينة بحسب مصادر الأخيرة بأن الرئيس عون “لم يكن يعلم” بالقرار. وتحول القرار إلى مادة انقسامية إضافية تهدد الحكومة وتزيد من حدة الأزمة السياسية والأمنية في البلاد .

وبينما تتجه بعبدا إلى التزام الصمت الأستراتيجي في عدم توضيحها لموقف الرئيس الحقيقي من بيان الخارجية، يبقى الاستحقاق الأكبر هو في يوم الأحد موعد تطبيق هذا القرار.

والى ذلك الحين، يتقدّم الأمن على السياسة، لكن من دون أن يعالج الإشكاليّة الحقيقيّة، بل تقتصر المعالجات على أن تكون موضعيّة. يبقى أيّ قرار، حتّى في المنعطفات المفصليّة، رهينة التوازنات الطائفيّة، وهو ما يعيد إنتاج الأزمة نفسها: سلطة تحتاج إلى موافقة مكوّناتها قبل أن تتحوّل إلى دولة قادرة على الفعل.

تبدو بعبدا مطوّقة سياسيّاً إلى حدّ العزل. لا مبادرات دوليّة أو دبلوماسيّة حاضرة لوقف الحرب، فاقتصر عمل “السلطة” على حراك مدفوع بهاجس أساسيّ: منع انفجار داخليّ في لحظة إقليميّة شديدة الحساسيّة

بين شرعيّة الدّولة وواقع السّلطة… مأزق بلا ضامن

نظريّاً، الدولة وحدها تملك حقّ التفاوض وتوقيع الاتّفاقات، وهي الجهة المفترض أن تضمن تنفيذها. لكن عمليّاً هذا الدور متعذّر في لبنان. القرار موزّع، الشرعيّة مجتزأة، والسلطة تدير الدولة بدل أن تخضع لها.

لا يعكس هذا الواقع المشهد الداخليّ فقط، بل ينسحب على أيّ مسار خارجيّ محتمل، من التفاوض إلى التوصّل إلى أيّ اتّفاق مقبل. بالتالي كيف يمكن لاتّفاق أن يصمد إذا كانت الجهة التي توقّعه غير قادرة على فرضه؟ من يضمن تنفيذه إذا كانت أدوات الدولة نفسها محلّ نزاع؟

تقول مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” إنّه قد لا يكون مستغرباً أن تُطرح في بعض الورش السياسيّة والدبلوماسيّة أفكار تتجاوز الصيغ التقليديّة، من بينها إنشاء مجلس انتقاليّ يتولّى إدارة مرحلة فاصلة بين حكم السلطة الحاليّة وبناء دولة فعليّة، أو ورشة عمل لإنتاج مجموعات من رحم الأجيال الجديدة تعكس تطلّعات المستقبل بعيداً عن احتكار السلطة من القوى التقليديّة بتفرّعاتها السياسيّة والطائفيّة.

إقرأ أيضاً: هل يقبل لبنان مفاوضات تحت النّار؟

تعكس هذه الطروحات حجم المأزق أكثر ممّا تقدّم حلّاً جاهزاً، بل تفتح باباً لإنتاج حلّ في بلد يوازن بين هاجس السيادة وهواجس الضمانات الخارجيّة.

في مقابل هذا الطرح، يفرض التاريخ اللبنانيّ احتمالاً أكثر قسوة: أن لا تأتي التسويات إلّا بعد انفجار كبير يعيد خلط الأوراق ويفرض توازنات جديدة، كما حصل في محطّات سابقة وصولاً إلى “الطائف”.

ينكشف بين الكرنتينا وبعبدا عجزُ الدولة عن إنتاج قرار موحّد، ومحاولة سلطة إدارة الانقسام بدل حسمه. يصبح في هذا الفراغ كلُّ ملفّ، من الإيواء إلى التفاوض، اختباراً لكيان الدولة نفسه. بالتالي لن يكون السؤال: هل يوقّع لبنان؟ بل من يملك فعلاً حقّ التوقيع ومن يملك القدرة على ضمانه؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@josephinedeeb

مواضيع ذات صلة

فرنسا: ندعم المفاوضات ولكن…

أتت زيارة الموفد الفرنسيّ إلى لبنان جان إيف لودريان لبيروت ضمن المسار “الاستلحاقيّ” الذي تحاول باريس من خلاله الإبقاء على دور “وظيفيّ”، أو مؤثّر، في…

ماكرون إلى سوريا قريباً؟ باب الاستثمار السعودي والفرنسي

لا يبدو أنّ الانفتاح الاقتصادي على سوريا يسير من باب واحد. في دمشق، تتقاطع اليوم ثلاثة مسارات: أولاً، مسار سوري يبحث عن إعادة تشغيل الاقتصاد،…

أخطر مشروع استيطاني في جنين: مليون إسرائيلي في شمال الضفة

  لم تكن محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، خلال العقدين الماضيين ضمن الخارطة الاستيطانية الإسرائيلية الأكثر نشاطاً، إذ شكل إخلاء المستوطنات الأربع عام 2005 نقطة…

إتفاق نزع سلاح “الحزب” أولاً… ثم وقف النار؟

وصف رئيس الجمهورية جوزف عون إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصّل إليه الوفدان اللبناني والإسرائيلي، فجر الخميس، في الجولة الرابعة من المفاوضات التي تستضيفها…