“الأمن الخليجيّ” إلى الرّدع المتوازن

مدة القراءة 4 د

وأخيراً، بعد أن أكد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش أنّ صوت المنطقة هو صوت الهدوء والعقلانية وأنّ المنطقة لا تحتاج حقاً إلى حرب أخرى أو مواجهة عسكرية أخرى، والاتصال الهاتفي أمس بين وزير خارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الأميركي ماركو روبيو. لم يعد الأمن في الخليج مفهوماً ثابتاً كما كان خلال العقود الماضية، بل يقف اليوم أمام اختبار تاريخيّ قد يعيد تعريفه بالكامل. التصعيد العسكريّ الواسع في المنطقة واتّساع نطاق الاستهداف ليشمل دولاً لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع يكشفان أنّ معادلات الردع التقليديّة لم تعد كافية لضمان الاستقرار، وأنّ الخليج ربّما يدخل مرحلة أمنيّة جديدة تختلف جذريّاً عمّا عرفه منذ نهاية حرب الخليج الأولى.

 

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، استند الأمن الخليجيّ إلى ثلاث ركائز رئيسة: المظلّة الأمنيّة الأميركيّة، احتواء التوتّر مع إيران دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، والحفاظ على حدّ أدنى من التنسيق داخل مجلس التعاون الخليجيّ. تشكّلت هذه المعادلة عمليّاً بعد تحرير الكويت عام 1991، حين عزّز الوجود العسكريّ الأميركيّ دوره كضامن للاستقرار الإقليميّ، وأصبحت القواعد العسكريّة والتعاون الدفاعيّ جزءاً أساسيّاً من بنية الأمن في المنطقة.

لكنّ التجارب اللاحقة بدأت بزعزعة هذه المسلّمات تدريجاً. مثّلت الهجمات على منشآت آرامكو السعوديّة عام 2019 أوّل إنذار حقيقيّ بأنّ التفوّق العسكريّ التقليديّ لا يمنع الضربات غير المتكافئة. على الرغم من خطورة الحدث، لم يتحوّل إلى نقطة تغيير استراتيجيّة شاملة آنذاك، إذ فضّلت دول الخليج احتواء الأزمة وتجنّب التصعيد الواسع.

يبدو المشهد اليوم مختلفاً. يطرح سؤالاً جوهريّاً استهدافُ بنى تحتيّة مدنيّة واقتصاديّة في عدّة دول خليجيّة، على الرغم من عدم مشاركتها المباشرة في العمليّات العسكريّة: هل يمكن لدول الخليج البقاء خارج الصراعات الكبرى في محيطها؟ لم تعد الإجابة واضحة كما في السابق.

 التحدّي الأكبر يتمثّل في صعوبة الحفاظ على سياسة “التوازن” في بيئة صراعيّة مفتوحة

إعادة التّفكير في مفهوم الأمن

يدفع هذا الواقع العواصم الخليجيّة إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن نفسه، وليس فقط أدواته. بدلاً من الاعتماد الحصريّ على قوّة خارجيّة واحدة، تتّجه المنطقة نحو نموذج أكثر تعقيداً يقوم على تنويع الشراكات الدوليّة، وهي خطوة قطعوا فيها أميالاً قبل الاعتداء الإيراني، وتعزيز القدرات الدفاعيّة الذاتيّة، وتوسيع أدوات الدبلوماسيّة الوقائيّة. يمكن ملاحظة بوادر هذا التحوّل في التقارب السعوديّ-الإيرانيّ برعاية صينيّة عام 2023، وفي القنوات الحواريّة التي أبقتها الإمارات وعُمان وقطر مفتوحة مع مختلف الأطراف الإقليميّة.

غير أنّ التحدّي الأكبر يتمثّل في صعوبة الحفاظ على سياسة “التوازن” في بيئة صراعيّة مفتوحة. مع تصاعد المواجهات، يزداد الضغط على الدول لتحديد مواقعها بوضوح ضمن محاور متنافسة، وهو ما يجعل الغموض الاستراتيجيّ الذي كان يُنظر إليه سابقاً كأداة ذكاء سياسيّ يبدو أحياناً مصدر هشاشة.

اقتصاديّاً، يضيف أمن الطاقة بعداً آخر للتحوّل. أثبت التاريخ أنّ كلّ أزمة كبرى في الخليج تعيد رسم خريطة الأسواق العالميّة، كما حدث خلال حرب أكتوبر/تشرين الأوّل 1973 أو حرب الناقلات في الثمانينيّات. مع عودة المخاوف على أمن الممرّات البحريّة، خصوصاً مضيق هرمز، يصبح الأمن الاقتصاديّ جزءاً لا ينفصل عن الأمن العسكريّ.

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، استند الأمن الخليجيّ إلى ثلاث ركائز رئيسة

تعزيز العمل المشترك

في الوقت ذاته، قد تتحوّل الأزمة إلى فرصة لتعزيز العمل الخليجيّ المشترك. يظهر التاريخ أنّ الأزمات الكبرى كثيراً ما تدفع نحو التكامل، إذ تأسّس مجلس التعاون الخليجيّ نفسه عام 1981 في ظلّ اضطرابات إقليميّة عميقة. اليوم قد تدفع التحدّيات الراهنة نحو تعاون أعمق في الدفاع الجوّيّ، تبادل المعلومات الاستخباريّة، وأمن الملاحة البحريّة.

في النهاية، لا تكمن نقطة التحوّل في حجم التهديدات فقط، بل في الطريقة التي ستختار بها دول الخليج الاستجابة لها. إمّا أن تتحوّل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الكبرى، أو تنجح في تحويل رصيدها الدبلوماسيّ والاقتصاديّ إلى نموذج أمنيّ جديد يقوم على الردع المتوازن والانفتاح السياسيّ معاً. وبين هذين المسارين، يتشكّل مستقبل الأمن الخليجيّ للسنوات، وربّما العقود، المقبلة.

مواضيع ذات صلة

الاتفاق الإطاري: الجيش ساحة الاشتباك السّياسيّ؟

في موازاة الانقسام السياسيّ بين المرجعيّات في رأس هرم السلطات وبين الأفرقاء على الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ، جرجر أذياله أخيراً إلى حيث يقتضي أن لا…

اتّفاق الإطار… حين أنهت الدبلوماسيّة ما عجزت عنه الحرب

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، لم يكن الجيش الإسرائيليّ يحتلّ مواقع داخل الأراضي اللبنانيّة كما هو الحال اليوم. ما استدعى هذا الواقع لم يكن…

العراق: “حالة الاستثناء” مدخل لاستعادة هيبة الدّولة

في عشرينيات القرن الماضي، ألّف المفكّر السياسي والفقيه القانوني الألماني كارل شميث كتاباً بعنوان “اللاهوت السياسي”، تناول فيه السيادة بوصفها مفهوماً نظرياً مجرداً، ورأى أن…

النّاتو في أنقرة: إعادة تعريف الحلف ودوره

لم يعُد حلف شماليّ الأطلسيّ (الناتو)، الذي أُسّس في منتصف القرن العشرين ليكون تحالفاً واضح الوظيفة والخصومة، يتحرّك اليوم داخل التوازنات الكلاسيكيّة التي رسمت معالمه…