إيران لا تسقط من فوق

مدة القراءة 4 د

مع أنّه لا صلةَ مباشرة بين الحدثين، تقارب زمنيّاً اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو مع تصاعد واتّساع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران. لم يستفِق الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بعد من نشوته العارمة بنجاح العمليّة المثيرة التي أدّت إلى استمتاعه برؤية مادورو مكبّل اليدين والرجلين، محاطاً بالجنود في الطريق إلى المحكمة الفدراليّة في نيويورك.

 

 

كانت التظاهرات الشعبيّة في إيران قد اندلعت محدودة العدد، ثمّ ما لبثت أن اتّسعت فوصلت إلى ما هي عليه الآن من اشتباكٍ عنيفٍ مع السلطة. تفاوتت تقديرات أعداد ضحايا القمع الشرس، من قتلى وجرحى ومعتقلين، لكن حسب تراث الاشتباكات المألوفة بين الشارع الإيرانيّ والسلطات، لا بدّ أن يكون الضحايا كثيرين، ذلك أنّ النظام المسلّح حتّى الأسنان يخوض معركةً مصيريّةً مع الشوارع التي تجاوزت بهتافاتها ولافتاتها حدود المطالبات بتحسين الخدمات إلى المناداة بإسقاطه.

لا بدّ أن يأتي التغيير من داخل إيران بادئاً بإقرارٍ صريحٍ ومباشرٍ بأنّ الأحلام الإمبراطوريّة تنتج كوابيس لا فكاك منها، وأنّ الإنفاق على الأذرع لا يؤدّي إلّا إلى نقصٍ في الماء والغذاء والكهرباء

الرئيس ترامب الذي أخذه الانبهار بإنجازه المثير في فنزويلّا استسهل توجيه إنذارٍ ناريٍّ لسلطات طهران بأنّه سوف يتدخّل إذا ما واصل النظام قتل المتظاهرين. أمّا بنيامين نتنياهو الذي يحرّض ترامب على الإسراع في التدخّل لإسقاط النظام، ويُبدي جاهزيّته للمساعدة في هذا العمل، فيصِل أحياناً في غلوائه إلى ادّعاء القدرة على أن يقوم بالمهمّة منفرداً، وما على أميركا إلّا أن توفّر الغطاء السياسيّ والمعدّات النوعيّة التي لا تمتلك إسرائيل مثلها.

ما العمل في إيران؟

بعد أيّامٍ على اندلاع التظاهرات في إيران وارتفاع عدد الضحايا، نشأ اختلافٌ في إدارة ترامب على ماهيّة العمل المطلوب.

في إسرائيل ترقُّب لمعرفة القرار الأميركيّ النهائيّ بهذا الشأن، مع ارتفاع معزوفة التحريض والتبشير بقرب سقوط النظام، تزامناً مع التلويح ببديلٍ جاهزٍ للحلول محلّه، وهو ابن الشاه الذي يطرح نفسه حلّاً للمعضلة من خلال استعادة النظام الإمبراطوريّ الذي فشلت أميركا في الحفاظ عليه أمام اجتياح الشارع الإيرانيّ للنظام بقيادة أشرطة الكاسيت التي كان يرسلها الخميني من باريس إلى الشعب.

لا يُنكَر الوجود الفعّال لأجهزة الأمن الإسرائيليّة داخل إيران، ولا يُنكَر وجودٌ مماثلٌ ومتفوّقٌ أكثر للأجهزة الأميركيّة الاستخباريّة أيضاً، ولا تُنكَر قدرة سلاح الجوّ الإسرائيليّ على ضرب أيّ هدفٍ داخل إيران، ولا تُنكَر القدرة الأميركيّة المجرّبة على قصف أهدافٍ منتقاةٍ مدنيّةٍ وحربيّةٍ في عموم إيران. ليس السؤال عن المواقف والإمكانات، وإنّما عن القدرة على الحسم من خلال الطائرات والقذائف والاستخبارات.

أصل الحكاية مع إيران هو ما تمتلك من إمكاناتٍ تغذّي عناد قيادتها في التمسّك بأحلامها الإمبراطوريّة، والتضحية بكلّ شيء جرياً وراء هذه الأحلام

جمهور عقائديّ واسع

أصل الحكاية مع إيران هو ما تمتلك من إمكاناتٍ تغذّي عناد قيادتها في التمسّك بأحلامها الإمبراطوريّة، والتضحية بكلّ شيء جرياً وراء هذه الأحلام. أصل الحكاية أيضاً أنّ إيران ليست بلداً صغيراً أو متوسّطاً حتّى يذهب الأميركيّ والإسرائيليّ لمقاتلته على أرضه.

مهما بلغ عديد المتظاهرين فإنّ لدى النظام الإيرانيّ جمهوراً عقائديّاً واسعاً تعبّئه صلوات الجُمَع وخطبها اللاهبة. يستند أيضاً إلى قوّاتٍ مسلّحة إن لم تنضمّ للمحتجّين فلا أمل للشارع الأعزل ولا للوعود الأميركيّة والإسرائيليّة بإسقاط النظام.

إقرأ أيضاً: صدمة كاراكاس في طهران

لا تعاني إيران المجتمع والدولة والنظام من تدخّلاتٍ خارجيّة تنتج اضطراباتٍ داخليّة، بل تعاني من إهدار طاقاتٍ وإمكانات رُصدت لتحقيق المستحيل الإمبراطوريّ الذي تتطلّع إليه على حساب لقمة عيش الناس والنقص الفادح في جميع مكوّنات الحياة العاديّة، وتعاني أيضاً من نزيف الإنفاق على الأذرع التي كانت عبئاً عليها وهي في عافيتها، وبعد بتر العديد منها صارت عبئاً أثقل.

لن تستطيع أميركا وإسرائيل تغيير النظام بإنزال ابن الشاه أو غيره مثلاً من الطائرة ليُحتفى به إمبراطوراً على إيران، ولن تستطيع إرسال قوّاتٍ برّيّة لحصد “غلال” الطائرات والقنابل الغبيّة والذكيّة، بل لا بدّ أن يأتي التغيير من داخل إيران بادئاً بإقرارٍ صريحٍ ومباشرٍ بأنّ الأحلام الإمبراطوريّة تنتج كوابيس لا فكاك منها، وأنّ الإنفاق على الأذرع لا يؤدّي إلّا إلى نقصٍ في الماء والغذاء والكهرباء. ذلك أنّ تجارب إيران مع النظام والشوارع سجّلت حقيقةً لا يصحّ إنكارها والتغاضي عنها، وهي أنّه حين يكون الداء من الداخل، فمن الداخل فقط يتمّ الشفاء منه.

مواضيع ذات صلة

زيارة عون لواشنطن التّاريخيّة: مظلّة سعوديّة لعودة الدّولة

ينتقل لبنان إلى مرحلة جديدة من خلال الزيارة التاريخيّة لرئيس جمهوريّته العماد جوزف عون لواشنطن ولقائه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب اليوم. ما سيحصده لبنان من…

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

ليست هذه العبارة لي بل لأبي الحسن بني صدر أوّل رئيس للجمهوريّة بإيران. وهي عبارةٌ مأزقيّة إذ قالها عندما كان يخطّط للهرب من الخمينيّ ومن…

إيران بعد خامنئي: نهاية نظام

شكّل مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي ضربة قاسية لنظام قام، عملياً لا نظرياً، على شخص “الولي الفقيه”. فقد صُمم هذا النظام على مقاس الخميني، ثم…

المسيحيون وسوريا: من عبء الجغرافيا إلى فرصة التاريخ (4/4)

لم تكن العلاقة بين المسيحيين اللبنانيين وسوريا علاقة عادية بين شعبين متجاورين، بل كانت دائماً علاقة مركبة، يختلط فيها التاريخ بالهوية، والجغرافيا بالسياسة، والذاكرة بالخوف….