تقف “قوّات سوريا الديمقراطية” اليوم أمام مفترق طرق حاسم: التقدُّم نحو مشروع وطني سوري جامع، أو البحث عن عباءات محلّية وإقليمية جديدة توفّر لها الحماية. هل هو سيناريو نهاية “قسد” على يد “حزب العمّال الكردستاني” بعد التفاهمات التي تدور بين الأخير وأنقرة؟ أم العكس هو الصحيح؟ هل “قسد” هي من تتخلّى عن علاقتها بحزب العمّال لإرضاء أكثر من لاعب محلّي وإقليمي وللخروج من ورطتها؟
تردّد القيادات الكردية في سوريا أنّ موضوع “حزب العمّال الكردستاني” هو شأن تركيّ لا علاقة لها به. لكنّ تمسُّك أنقرة بالربط بين نقاشات الداخل التركي وما يدور في شرق الفرات السوري يقلق “قسد” وحلفاءها المحلّيين والإقليميين.
كشف المتحدّث باسم الوفد التفاوضي الذي تقوده قيادات “الإدارة الذاتية” في شرق الفرات عن التوصُّل إلى اتّفاق مع الحكومة السوريّة يقضي بتشكيل لجان تقنيّة مشتركة لتطبيق الاتّفاق الموقَّع بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي في العاشر من آذار المنصرم من أجل “آليّات دمج مؤسّسات الإدارة الذاتية و”قسد” في المؤسّسات السورية، وتفعيل اتّفاقَيْ الأشرفية والشيخ مقصود من أجل تسليم هذه المناطق للسلطة المركزية في دمشق”.
حوار في بدايته
إنّها خطوة تفاؤلية، على الرغم من تصريحات فايزة يوسف، “الرئيسة المشتركة لهيئة التفاوض”، التي أدلت بها لموقع “أساس ميديا”، وقالت فيها إنّ الحوار ما يزال في بدايته، وإنّ مسألة ترتيب الأولويّات لم تُحسم، فلكلّ جانب أجندته السياسية والدستورية والأمنيّة المتباعدة.
ستفقد “وحدات الحماية الكردية” من دون شكّ ورقة “حزب العمّال” في سوريا. لكنّها ما تزال تملك الكثير من الأوراق القادرة على تحريكها في مفاوضاتها مع السلطة السياسية الجديدة في دمشق. هناك ورقة الثروات الطبيعية التي تدير شؤونها في شرق الفرات، مثل النفط والغاز والمياه. وهناك شمّاعة “داعش” التي تحرّك خلاياها النائمة بانتظار الفرص للانقضاض.
تُعلن قيادات شرق الفرات أنّها مع وحدة سوريا وضدّ التقسيم، لكنّ هدفها يبقى، وهي تستقوي بالمكتسبات التي حصلت عليها، الاستقلالية السياسية والإدارية
بالإضافة إلى ذلك، تمسك “قسد” بملفّ إدارة شؤون معتقلات ومخيّمات “داعش”، بدعم من قوّات التحالف الدولي. وما تزال واشنطن متمسّكة بتحالفها معها، على الرغم من قرار الانسحاب العسكري من سوريا، ، حتّى مع رغبتها في تسليم ملفّ “داعش” لدمشق وأنقرة.
مع الوحدة وضدّ التّقسيم
تُعلن قيادات شرق الفرات أنّها مع وحدة سوريا وضدّ التقسيم، لكنّ هدفها يبقى، وهي تستقوي بالمكتسبات التي حصلت عليها، الاستقلالية السياسية والإدارية وفرضها في الدستور السوري الجديد تحت مسمّيات مختلفة مثل اللامركزية، بدلاً من الديمقراطيّات المحليّة والإدارة الذاتية والفدرالية.
تساعد توصيات “كونفرنس” القامشلي (مؤتمر وطني كردي عُقد في مدينة القامشلي في أواخر نيسان الماضي) على معرفة حقيقة أهداف المشروع الذي يريده ويتبنّاه البعض في سوريا. فمن هو المُلزِم؟ اتّفاق مظلوم عبدي مع أحمد الشرع؟ أم قرارات قيادات “قسد” وشركائها قبل أسابيع، وتفسيراتها لاتّفاقات العاشر من آذار؟
تقول “قسد” إنّها الضامن الأوّل لوحدة سوريا، وإنّ المشكلة تكمن في شكل رؤية المسائل والتعامل معها، وإنّها ما تزال في حالة ثورة، على الرغم من إعلان الشرع بداية سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة في سوريا. تلتفت صوب ما يجري جنوب سوريا وتراهن على حصول بؤر توتّر وانفجارات أمنيّة وشعبية تعطيها ما تريد، خصوصاً بعدما فقدت “العامل الخارجي” نتيجة الحراك الإقليمي والدولي الواسع لحكومة الشرع، الذي حرمها الكثير من الفرص والرهانات.
لا تريد قيادات “قسد” أن ترى الإنجازات التي حقّقتها حكومة الشرع في الأشهر الأخيرة، داخليّاً وخارجيّاً. يقلقها الانفتاح الاستراتيجي على تركيا. قد تكون محقّة في انتقاد بنود الإعلان الدستوري، وقد تجد من يقف بجانبها وهي ترفض التريّث لسنوات قبل الذهاب إلى صناديق الانتخاب. لكنّ ما تطرحه من بديل هو انتظار اجتماعات وتوصيات “مجالس الثورة الشعبية”، وضرورة قبول خصوصيّتها السياسية والدستورية، ورفضها تسريع دمشق عمليّات البناء السياسي والدستوري والأمنيّ، بعيداً ورغماً عنها.
تراهن “قسد” على متغيّرات خارجية قد لا تأتي، بينما تتحرّك دمشق ومعها الإقليم لرسم مشهد سوريّ جديد بمعزل عنها
لا انسحاب تركيّاً قريب
يقول وزير الدفاع التركي يشار غولر إنّه لا انسحابات عسكرية تركية من شمال سوريا في الوقت الراهن. يأتي الانسحاب التركي بعد استقرار سوريا وضمان أمن الحدود المشتركة بين البلدين، وزوال خطر الإرهاب، وحسم ملفّ داعش بشقّه السوري، وحلّ مسألة اللجوء والنزوح. ما تتحدّث عنه أنقرة هو أبعد من ذلك أيضاً: المزيد من التعاون والتنسيق العسكري مع الحكومة السورية الجديدة، وبناء وتدريب وتسليح القوّات النظامية السورية عند الطلب. خيارات دمشق معروفة وواضحة من ناحية علاقتها بأنقرة. وأزمة ترتيب الأولويّات في الحوار بين دمشق والقامشلي ليست شكليّة، بل في صلب المسائل.
يعني رفض “قسد” الذهاب وراء النصائح الأميركية والإقليمية أنّها تراهن على لعب ورقة المماطلة وكسب الوقت، بانتظار حدوث مفاجآت سياسية في الداخل التركي والسوري، أو الدخول في معركة عسكرية لا مفرّ منها، أو الرهان على انفجار إقليمي مرتبط بسوريا يعطيها ما تريد.
خيّبت “قسد” آمال تركيا بسبب تصلّبها في الحوار مع دمشق، لكنّ خيبة أمل “قسد” حيال الحراك السوري الواسع على أكثر من جبهة، والدعم العربي والتركي والإقليمي لحكومة الشرع لتُواصل ما بدأته في معركة إعادة بناء سوريا، ستكون أكبر.
تصف قيادات “قسد” جولة الحوار الأخيرة مع دمشق بأنّها كانت تعارُفيّة أكثر منها تفاوضيّة. وحتّى لو سارت الأمور على ما يرام، فاحتمال أن نرى الأطراف في خندق سوريّ واحد ليس بقريب، كما يبدو. لكنّ المشكلة ليست فقط في توقيت اللقاءات، بل في توقيت القراءة السياسية.
إقرأ أيضاً: مسيَّرات أوكرانيا تستهدف مفاوضات إسطنبول: أوروبا متورّطة؟
تراهن “قسد” على متغيّرات خارجية قد لا تأتي، بينما تتحرّك دمشق ومعها الإقليم لرسم مشهد سوريّ جديد بمعزل عنها. “قسد” بحاجة اليوم إلى مراجعة سريعة لمواقفها، لأنّها قد تجد نفسها آخر من يصل إلى الطاولة.
لمتابعة الكاتب على X:

