في السياسة، لا توجد مناطق تجريبيّة، بل إرادات تجريبيّة. وما طُرح في روما يومَي 13 و14 تمّوز الماضيين، بحسب ما تردّد عن النقاشات، لم يكن اختباراً لرقعة جغرافيّة في جنوب لبنان، ولا تصوّراً أمنيّاً لانتشار الجيش في “منطقتين تجريبيّتين”. كان، في حقيقته، امتحاناً متزامناً للدولة اللبنانيّة، ولـ”الحزب”، ولإسرائيل، وللولايات المتّحدة. يعتقد الجميع أنّه يختبر الآخر، بينما الحقيقة أنّ الجميع يجلس على مقعد الامتحان نفسه. وهذه هي الفكرة التي ستحدّد مصير المرحلة المقبلة.
في السياسة، لا تُقاس الاتّفاقات بما يُكتب في محاضر الاجتماعات، بل بما يصمد عند أوّل احتكاك بالواقع. والحدود الجنوبيّة ليست مساحة تحتاج إلى ترتيبات أمنيّة وحسب، بل هي المكان الذي ستُختبر فيه صدقيّة الوعود، وقدرة القوى الإقليميّة والدوليّة على ترجمة التفاهمات إلى وقائع، لا إلى بيانات.
لهذا السبب، لا يجوز النظر إلى مبدأ “المناطق التجريبيّة” بوصفه خطوة تقنيّة، بل باعتباره مختبراً سياسيّاً متكاملاً. وإذا نجحت التجربة، فلن يكون النجاح جنوبيّاً فقط، بل سيصبح نموذجاً قابلاً للتعميم. أمّا إذا فشلت، فلن يسقط انتشار هنا أو انسحاب هناك، بل ستسقط معه فرضيّة أنّ الأزمة اللبنانيّة يمكن أن تُعالج بالتدرّج، وأنّ الثقة يمكن أن تُبنى خطوة بعد أخرى.
الدّولة أمام امتحان السّيادة
الاختبار الأول هو اختبار الدولة اللبنانيّة، ومن خلفها قيادة الجيش. فليس المطلوب إرسال وحدات عسكريّة إلى الجنوب، لأنّ الانتشار بحدّ ذاته لا يصنع السيادة، بل المطلوب أن تدخل الدولة بكلّ معناها.
ما يبدأ في الجنوب لن يبقى في الجنوب. فإذا نجحت التجربة، فلن تكون قد أثبتت فقط أنّ الجيش قادر على الانتشار، أو أنّ “الحزب” قادر على الانضباط
للمرّة الأولى منذ سنوات، لن يكون السؤال: كم جنديّاً سينتشر؟ بل أيّ دولة ستدخل مع هؤلاء الجنود؟ فالجيش لن يكون مطالَباً فقط برفع العلم اللبنانيّ، أو بإقامة الحواجز، أو بتنظيم الحركة. فهذه كلّها إجراءات يمكن لأيّ مؤسّسة عسكريّة أن تقوم بها. أمّا الامتحان الحقيقيّ، فيبدأ بعد ذلك.
هل يستطيع الجيش أن يمارس كامل صلاحيّاته بوصفه القوّة الشرعيّة الوحيدة؟ هل يستطيع أن يمسح المنطقة أمنيّاً، وأن يكشف المواقع العسكريّة، وأن يصادر أيّ سلاح خارج سلطة الدولة، من دون استثناء أو تمييز؟ هنا يصبح الانتشار سياسيّاً قبل أن يكون عسكريّاً.
إذا مارس الجيش هذه الصلاحيّات كاملة، يكون لبنان قد استعاد، ولو في جزء من أراضيه، أحد أهمّ مقوّمات الدولة الحديثة، وهو احتكارها الشرعيّ للقوّة. أمّا إذا بقي الانتشار محكوماً باعتبارات سياسيّة تمنع المؤسّسة العسكرية من أداء دورها كاملاً، فلن يكون أمام اللبنانيّين سوى مشهد جديد بوجوه قديمة: انتشار بلا سيادة، وسلطة بلا احتكار، ودولة حاضرة بالاسم وغائبة بالفعل.
“الحزب”… امتحان الثّقة لا القوّة
لكنّ الدولة ليست وحدها أمام الامتحان، فـ”الحزب” أيضاً يدخل هذه التجربة وهو يحمل عبئها السياسيّ كاملاً. فالاختبار لا يتعلّق بما سيقوله، بل بما سيفعله. وليس المطلوب إعلان التأييد، وإنّما احترام الإجراءات التي تعتمدها الدولة، والامتناع عن أيّ اعتراض أو التفاف أو ازدواجيّة في المرجعيّة الأمنيّة.
إنّ أيّ تجربة من هذا النوع لا يمكن أن تنجح إذا بقيت السلطة موزّعة بين قرارين، أو إذا بقي السلاح موزّعاً بين مرجعيّتين. فجوهر الدولة لا يكمن في وجود مؤسّساتها فحسب، بل في أن تكون صاحبة القرار الأخير.

لهذا سيكون “الحزب” أمام امتحان يختلف عن كلّ الامتحانات السابقة. إنّه امتحان الانتقال من منطق فائض القوّة إلى منطق احترام السلطة العامّة، ومن معادلة الشراكة في القرار الأمنيّ إلى معادلة الاحتكام إليه. وهذا هو الفارق بين هدنة مؤقّتة وبين مشروع بناء دولة.
يعتقد كلّ طرف أنّه يدخل الجنوب ليمتحن الآخرين. فالدولة تريد اختبار التزام “الحزب” وسلوكه السياسيّ والعسكريّ، و”الحزب” يريد اختبار نيّات الدولة اللبنانية
إسرائيل وواشنطن… اختبار النّيّات والضّمانات
أمّا إسرائيل فليست مراقباً لهذه التجربة، بل أحد أطرافها. فمن السهل المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة، لكنّ الأصعب هو الاعتراف بحقّ هذه الدولة، إذا قامت بواجبها، في أن تصبح المرجعيّة الوحيدة على الأرض.
من هنا، لن يكون الامتحان الحقيقيّ لإسرائيل في بياناتها السياسيّة، بل في سلوكها الميدانيّ. فهل تنسحب قوّاتها العسكريّة من المناطق التي يُفترض أن يتولّى الجيش مسؤوليّتها، وتترك له تقدير ما هو صواب تقنيّاً وما هو مطلوب سياسيّاً منذ لحظة دخوله أم ستُبقي لنفسها حقّ التدخّل، فتتحوّل التجربة إلى إدارة مشتركة للأزمة، لا إلى حلّ لها؟
في المقابل، تقف الولايات المتّحدة أمام اختبار الضامن. فالوسيط الحقيقيّ لا يُقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدها، بل بقدرته على إلزام جميع الأطراف بما تعهّدوا به. وإذا كانت واشنطن قد رعت التفاهمات التي يجري الحديث عنها، فإنّ مسؤوليّتها لا تنتهي عند توقيعها، بل تبدأ منه.
ذلك أنّ أيّ ضغط يُمارس على طرف واحد لن يصنع استقراراً، بل توازناً هشّاً. أمّا نجاح التجربة فيتطلّب أن يكون الالتزام متبادَلاً، والضمانات متساوية، والمساءلة واحدة على الجميع. وهنا تكمن العقدة الأساسيّة.
في السياسة، كما في التاريخ، لا تسقط التجارب لأنّها كانت صغيرة، بل لأنّها كشفت أنّ الإرادات كانت أصغر من حجم التحدّي
الجميع على مقعد الامتحان
يعتقد كلّ طرف أنّه يدخل الجنوب ليمتحن الآخرين. فالدولة تريد اختبار التزام “الحزب” وسلوكه السياسيّ والعسكريّ، و”الحزب” يريد اختبار نيّات الدولة اللبنانية، وإسرائيل تريد اختبار قدرة لبنان وجيشه، فيما تريد الولايات المتّحدة اختبار الجميع، بينما يبقى دورها وقدرتها موضع اختبار أيضاً. لكنّ الحقيقة مختلفة: الجميع هو من يخضع للاختبار.
لهذا ما يبدأ في الجنوب لن يبقى في الجنوب. فإذا نجحت التجربة، فلن تكون قد أثبتت فقط أنّ الجيش قادر على الانتشار، أو أنّ “الحزب” قادر على الانضباط، أو أنّ إسرائيل قادرة على الانسحاب، أو أنّ الولايات المتّحدة قادرة على تقديم الضمانات، بل ستكون قد أثبتت أنّ لبنان، للمرّة الأولى منذ سنوات طويلة، قادر على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة. أمّا إذا أخفق طرف واحد، فسيرسب الجميع في الامتحان.
إقرأ أيضاً: عون يكتب تاريخ تحرير لبنان من الاحتلاليْن
في السياسة، كما في التاريخ، لا تسقط التجارب لأنّها كانت صغيرة، بل لأنّها كشفت أنّ الإرادات كانت أصغر من حجم التحدّي.
لمتابعة الكاتب على X:
