الأردن أمام أخطر اختبار إقليمي: النّار أو الحياد!

مدة القراءة 6 د

شكّل وصول الضربات الإيرانيّة إلى الأراضي الأردنيّة ، ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيّين، منعطفاً غير مسبوق في مسار المواجهة بين واشنطن وطهران. لم يعد الأردن يراقب الحرب من وراء حدوده، بعدما أصبحت أراضيه وأجواؤه جزءاً من المشهد العسكريّ المتسارع. ثمّ جاء استهداف منطقة العقبة، بمحاذاة إيلات الإسرائيليّة، ليؤكّد أنّ رقعة الاشتباك تتّسع بوتيرة تنذر بتحوّلات تتجاوز الحسابات التقليديّة لجميع الأطراف.

 

تكمن خطورة هذه التطوّرات في أنّها تضع الأردن أمام واقع أمنيّ لم يسعَ إليه، لكنّه بات مضطرّاً إلى التعامل معه. فالمملكة التي أعلنت مراراً أنّها لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً لأيّ عمل عسكريّ ضدّ أيّ دولة، تجد نفسها اليوم مطالبة بحماية سيادتها من جهة، والحفاظ على شراكاتها الدفاعيّة من جهة أخرى، في وقت تتقلّص فيه المسافات الفاصلة بين ساحات القتال والدول المحيطة بها.

في لحظة يزداد فيها الحديث عن احتمال اتّساع الحرب إلى مواجهة إقليميّة مفتوحة، تبدو عمّان أمام اختبار بالغ التعقيد، إذ إنّ استمرار تبادل الضربات بين الولايات المتّحدة وإيران قد يجعل الجغرافيا الأردنيّة عرضة لمزيد من الضغوط العسكريّة، سواء باستهداف الوجود الأميركيّ العامل في إطار التعاون الدفاعيّ مع القوّات المسلّحة الأردنيّة، أو عبر سقوط الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل الأراضي الأردنيّة، أو من خلال محاولات فرض وقائع ميدانيّة جديدة على حدود المملكة.

ماذا لو توسّعت الحرب؟

يفرض هذا الواقع سؤالاً يتجاوز النقاش التقليديّ في الحياد: هل يستطيع الأردن أن يبقى خارج حرب تتقدّم نحوه خطوة بعد أخرى أم تفرض تطوّرات الميدان عليه خيارات لم يكن يرغب في مواجهتها؟

الأردن قد يجد نفسه داخل دائرة الاشتباك من دون أن يتّخذ قراراً بالانضمام إليها

منذ الأيّام الأولى للتصعيد، تمسّكت القيادة الأردنيّة بخطاب سياسيّ واضح. فقد أكّد الملك عبدالله الثاني في أكثر من مناسبة أنّ الأردن لن يكون ساحة حرب، ولن يسمح باستخدام أراضيه للاعتداء على أيّ دولة، فيما شدّد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجيّة أيمن الصفدي على أنّ سيادة المملكة وأمنها خطّ أحمر، وأنّ الأردن لن يسمح لأيّ طرف بجرّه إلى صراعات الآخرين، وأنّ كلّ الإجراءات التي تتّخذها القوّات المسلّحة الأردنيّة هدفها الوحيد حماية الوطن والمواطن.

الأردن

سياسيّاً، يبدو هذا الموقف واضحاً ومنسجماً مع النهج الذي اتّبعته عمّان طوال السنوات الماضية، لكنّ المشكلة تكمن في أنّ الحروب لا تُدار بالبيانات السياسيّة وحدها، وإنّما بميزان القوّة وحسابات الميدان. فإيران لا تنظر إلى المنطقة من زاوية المواقف المعلنة للدول، بقدر ما تنظر إلى أماكن انتشار القوّات الأميركيّة وشبكات الدعم اللوجستيّ المرتبطة بها. ومع كلّ جولة تصعيد، تتوسّع قائمة الأهداف المحتملة، بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة بين الدولة المضيفة والولايات المتّحدة.

المعضلة الأردنيّة

هنا تحديداً تبدأ المعضلة الأردنيّة. فالحكومة تؤكّد باستمرار أنّه لا توجد قواعد أميركيّة على الأراضي الأردنيّة، بل عدد من العسكريّين الأميركيّين الذين يعملون ضمن برامج التدريب والتعاون الدفاعيّ مع القوّات المسلّحة الأردنيّة وفق اتّفاقيّات معلنة بين البلدين. غير أنّ هذا التوصيف، مهما بلغت دقّته القانونيّة، قد لا يغيّر كثيراً في الحسابات العسكريّة للطرف الآخر إذا دخلت المواجهة مرحلة أكثر اتّساعاً، لأنّ أيّ وجود عسكريّ أميركيّ قد يُنظر إليه باعتباره هدفاً مشروعاً.

 لا يستطيع الأردن التخلّي عن شراكته الدفاعيّة مع الولايات المتّحدة، التي تمثّل إحدى أهمّ ركائز منظومته الأمنيّة منذ عقود

هذا يعني أنّ الأردن قد يجد نفسه داخل دائرة الاشتباك من دون أن يتّخذ قراراً بالانضمام إليها. فإذا تعرّض الوجود الأميركيّ داخل المملكة لهجمات جديدة، فإنّ الضربات ستقع على الأراضي الأردنيّة، حتّى لو كان الهدف أميركيّاً. وإذا ردّت القوّات الأردنيّة دفاعاً عن سيادتها أو اعترضت الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تخترق أجواءها، فقد يفسّر الطرف الآخر ذلك بأنّه مشاركة في الحرب، على الرغم من أنّ أيّ دولة في العالم ستقوم بالإجراء نفسه لحماية أراضيها ومواطنيها.

تضارب الرّوايات

ربّما ما زاد من الجدل الداخليّ ليس الضربة الإيرانيّة بحدّ ذاتها، بل تضارب الروايات في ما جرى. ففيما أعلنت القيادة المركزيّة الأميركيّة (سنتكوم) أنّ الجنديَّين الأميركيّين قُتلا أثناء التصدّي لهجمات إيرانيّة بالصواريخ الباليستيّة والطائرات المسيّرة، خرج النائب علي الخلايلة بتصريح قال فيه إنّ الجنديّين لقيا حتفهما خلال نزهة مع رعاة أغنام، مضيفاً أنّ هذه المعلومة نقلها عن وزير الخارجيّة أيمن الصفدي. وبين الروايتين، لم يصدر توضيح رسميّ يحسم هذا التباين، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات أكثر ممّا قدّم إجابات.

لا تقف المخاطر عند حدود الجانب العسكريّ، فاستمرار تعرّض الأردن لمثل هذه الهجمات ستكون له تداعيات اقتصاديّة مباشرة، تبدأ من قطاع السياحة والاستثمار، ولا تنتهي عند حركة الطيران والتجارة. يبحث المستثمر أوّلاً عن الاستقرار، ويراقب السائح مستوى المخاطر، وأيّ انطباع أنّ الأردن أصبح جزءاً من ساحة حرب إقليميّة ستكون له كلفة باهظة على الاقتصاد الوطنيّ.

سيضع استمرار التصعيد المؤسّسة العسكريّة الأردنيّة أمام معادلة معقّدة، فهي مطالَبة بحماية الحدود والمجال الجوّيّ بكلّ الوسائل المتاحة، وفي الوقت نفسه مطالَبة بتجنّب أيّ خطوة قد تُفسّر على أنّها انخراط مباشر في العمليّات العسكريّة. وهي معادلة ليست سهلة، لأنّ القرار العسكريّ في مثل هذه الظروف يحمل أبعاداً سياسيّة وإقليميّة تتجاوز حدود الاشتباك نفسه.

يبقى الرهان الأردنيّ معلّقاً على نجاح الجهود الدبلوماسيّة في احتواء المواجهة قبل أن تتحوّل إلى حرب إقليميّة شاملة

الشّراكة مع واشنطن

في المقابل، لا يستطيع الأردن التخلّي عن شراكته الدفاعيّة مع الولايات المتّحدة، التي تمثّل إحدى أهمّ ركائز منظومته الأمنيّة منذ عقود، ولا يستطيع في الوقت ذاته أن يمنح أيّ انطباع أنّه جزء من الحرب الأميركيّة على إيران، لأنّ ذلك يتناقض مع السياسة التي انتهجها طوال السنوات الماضية القائمة على تجنّب سياسة المحاور والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.

هذه هي العقدة التي تواجه صانع القرار الأردنيّ اليوم. فكلّما عزّز الإجراءات الأمنيّة لحماية الوجود الأميركيّ على أراضيه، قد يزداد خطر استهدافه من قبل إيران أو حلفائها. وكلّما حاول تقليص هذا الوجود أو إبعاده عن المشهد، يضع أحد أهمّ أركان شراكته الاستراتيجيّة مع واشنطن أمام اختبار صعب. إنّها معادلة لا تملك عمّان ترف اختيار أحد طرفَيها.

إقرأ أيضاً: الأمن المائي… امتحان الدولة الأردنية

يبقى الرهان الأردنيّ معلّقاً على نجاح الجهود الدبلوماسيّة في احتواء المواجهة قبل أن تتحوّل إلى حرب إقليميّة شاملة. لكن إذا استمرّت دوّامة الضربات والردود، فإنّ هامش المناورة سيتقلّص تدريجاً، وقد تجد المملكة نفسها مضطرّة إلى اتّخاذ قرارات لم تكن ترغب في اتّخاذها، ليس لأنّها اختارت الحرب، بل لأنّ الحرب اقتربت منها أكثر ممّا ينبغي.

*كاتب وصحافي أردني

مواضيع ذات صلة

كيف لا نبدّد قمّة الفرصة التّاريخيّة؟

دخل الرئيس اللبنانيّ جوزف عون إلى البيت الأبيض في الحادي والعشرين من تمّوز 2026 في لحظة شكّلت فرصة تاريخيّة للبنان. بعيداً عن النثر والشعر في…

بارّاك يرسم الطريق بين بغداد ودمشق

تتشكّل بين دمشق وبغداد علاقة جديدة تتجاوز استعادة الروابط الطبيعيّة بين بلدين جارين، بعد سنوات من الاضطراب وتداخل النفوذ الإيرانيّ. يتّجه التقارب الجاري نحو شراكة…

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

دخل لبنان مرحلة ما بعد النظام الإقليميّ الإيرانيّ الذي فرضته الولايات المتّحدة بعدما أسقطت النظام العراقيّ في العام 2003 وسلّمت العراق إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في…

السّعوديّة وتركيا وباكستان: نحو معادلة أمنيّة جديدة؟

لا تبدأ التحوّلات الأمنيّة الكبرى عند توقيع الاتّفاقات، بقدر ما تبدأ عندما تعيد الدول تعريف أمنها ومصالحها. من هذا المنطلق تكتسب الحالة السعوديّة – التركيّة…