السعوديّة ترعى الانتقال من مسار الحرب إلى مسار واشنطن…

مدة القراءة 5 د

لم يكن المشهد الذي جمع رئيس الجمهوريّة جوزف عون مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في البيت الأبيض حدثاً عاديّاً. ولم يكن رفع رئيس الحكومة نوّاف سلام العلم اللبنانيّ في زوطر الغربيّة محطّة رمزيّة على هامش إطلاق المناطق التجريبيّة. فالخطوتان معاً أرادتا تكريس صورة واحدة، وهي أنّ الدولة اللبنانيّة تحاول استعادة المبادرة على الأرض، بالتوازي مع محاولة أميركيّة لإطلاق مسار سياسيّ ــ أمنيّ جديد يمنع عودة الحرب ويؤسّس لتطبيق اتّفاق الإطار.

 

هذا المسار، الذي يبدو متماسكاً من جهة واشنطن وبيروت، يصطدم حتّى الآن بمسار موازٍ تقوده إسرائيل من جهة، و”الحزب” من جهة أخرى، ولا تزال حسابات الطرفين مختلفة جذريّاً عن الحسابات الأميركيّة. وبين المسارين، يقف لبنان، وجنوبه تحديداً، أمام استحقاق هو الأصعب منذ وقف العمليّات العسكريّة.

السّعوديّة… الرّاعي الهادئ لمسار واشنطن

بحسب معلومات دبلوماسيّة لـ”أساس”، لم تكن زيارة عون للبيت الأبيض لتتمّ بهذا الزخم لولا الجهد السعوديّ الذي سبقها ورافقها حتّى لحظة انعقادها.

تؤكّد المصادر أنّ الاتّصال الذي أجراه الرئيس عون بوليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان قبل لقائه ترامب جاء في سياق تنسيق سياسيّ متواصل شاركت فيه الرياض على أعلى المستويات، وعبر متابعة مباشرة من وزير الخارجيّة الأمير فيصل بن فرحان، وبإشراف يوميّ من الأمير يزيد بن فرحان، الذي تولّى إدارة الاتّصالات المتعلّقة بالزيارة .

لم يقتصر الدور السعوديّ على التنسيق مع واشنطن، بل امتدّ إلى الداخل اللبنانيّ أيضاً، عبر الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى السياسيّة، وفي مقدَّمها رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، باعتباره أحد اللاعبين الأساسيّين في أيّ ترتيبات مقبلة. وبناء عليه جاء اتّصال الأمير يزيد بن فرحان بالرئيس برّي قبل زيارة واشنطن في إطار محاولة تثبيت عناصر الاستقرار الداخليّ وتوفير الحدّ الأدنى من التوافق قبل الدخول في الاستحقاقات التي ستلي اللقاء الأميركيّ ــ اللبنانيّ.

تعمل واشنطن على تثبيت اتّفاق الإطار باعتباره وسيلة لفصل الجبهة اللبنانيّة عن أيّ مواجهة إقليميّة

لكن على الرغم من كلّ هذا الجهد، تدرك العواصم المعنيّة أنّ نجاح المسار لن يُقاس بعدد اللقاءات أو مستوى الدعم السياسيّ، بل بالنتائج الميدانيّة. ولذلك كان موقف برّي واضحاً عندما ربط نجاح هذا المسار بشرط واحد: الانسحاب الإسرائيليّ الكامل، باعتباره المدخل الوحيد لإثبات جدّيّة أيّ اتّفاق.

مساران متوازيان… لا يلتقيان

في المقابل، تقول مصادر دبلوماسيّة أخرى لـ “أساس” إنّ الوقائع الميدانيّة لا تعكس حتّى الآن وجود قرار إسرائيليّ بالسير في الاتّجاه الذي تريده واشنطن. إذ لا تزال تؤكّد التصريحات الإسرائيليّة التمسّك بالبقاء في المواقع التي تعتبرها تل أبيب ضروريّة لأمنها، فيما جاء إطلاق النار على وحدات الجيش اللبنانيّ قبل ساعات من إعلان البدء بالمناطق التجريبيّة ليشكّل، بحسب المصادر، رسالة عمليّة بعدم موافقة إسرائيل على الآليّة المطروحة.

واشنطن

لا تزال إسرائيل تعتبر أنّ حربها على لبنان لم تحقّق أهدافها الكاملة، وأنّها لم تنتهِ بعد ممّا تسمّيه “الأعمال الأمنيّة”، ولا تزال تتحدّث عن استكمال عمليّاتها وصولاً إلى كلّ المنشآت التي تعتبرها مرتبطة بالبنية العسكريّة لـ”الحزب”.

بالتالي، تتعامل المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة مع المرحلة الحاليّة على أنّها استراحة عمليّاتيّة أكثر منها نهايةً للحرب، فيما تتحدث تقديرات دبلوماسيّة عن تحضير لجولة ثالثة قد تكون، إذا وقعت، أعنف من الجولتين السابقتين، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابيّ الإسرائيليّ، الذي تدخل فيه الحسابات السياسيّة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بقوّة في رسم الخيارات العسكريّة.

في المقابل، لا يبدو “الحزب” مستعجلاً للدخول في مسار اتّفاق الإطار. فهو، وفق القراءة الدبلوماسيّة، لا يزال يربط قراراته الكبرى بمسار التطوّرات في إيران، ويعتبر أنّ أيّ تسوية نهائيّة في لبنان تبقى مؤجّلة ما دام مستقبل العلاقة بين طهران وواشنطن لم يستقرّ بعد.

بحسب معلومات دبلوماسيّة لـ”أساس”، لم تكن زيارة عون للبيت الأبيض لتتمّ بهذا الزخم لولا الجهد السعوديّ الذي سبقها ورافقها حتّى لحظة انعقادها

من هنا، يتحدّث الطرفان، إسرائيل و”الحزب”، عن مرحلة تهدئة مؤقّتة، لكنّ كلّاً منهما يستخدمها لإعادة التموضع والاستعداد لما يعتبره الجولة المقبلة، لا للانتقال إلى مرحلة السلام.

هنا تكمن المفارقة الأساسيّة. فبينما تعمل واشنطن على تثبيت اتّفاق الإطار باعتباره وسيلة لفصل الجبهة اللبنانيّة عن أيّ مواجهة إقليميّة، لا تزال إسرائيل و”الحزب” ينظران إلى لبنان باعتباره جزءاً من معادلة الصراع الكبرى.

في هذا السياق، تبرز نقطة الخلاف الأساسيّة بين واشنطن وتل أبيب. فالإدارة الأميركيّة لا ترغب في أن يتحوّل أيّ تصعيد جديد مع إيران إلى حرب تقودها إسرائيل أو توسّعها، لأنّ الحسابات الأميركيّة تقوم على ضبط المواجهة والإبقاء على خطوط التفاوض مفتوحة، فيما ترفع إسرائيل سقف أهدافها إلى حدّ السعي إلى إنهاء المشروع الإيرانيّ في المنطقة عسكريّاً.

لهذا يصبح استقرار الجبهة اللبنانيّة مصلحة أميركيّة مباشرة، لا فقط لحماية لبنان، بل أيضاً لمنع إسرائيل من استخدام هذه الساحة مدخلاً إلى حرب إقليمية أوسع.

إقرأ أيضاً: بعد زوطر الغربيّة: ماذا عن اليوم التّالي؟

عليه، يكون السؤال: هل ينجح مسار الدولة اللبنانيّة، المدعوم أميركيّاً وسعوديّاً، في فرض نفسه على الأرض، أم مسار الحرب الذي يستعدّ له اللاعبان، إسرائيل و”الحزب”، الأكثر تأثيراً على الحدود سيبقى هو الذي يرسم مستقبل الجنوب؟ حتّى الآن، لا تزال الإجابة معلّقة بين صورة في البيت الأبيض، وعلم رُفع في زوطر الغربيّة، وبين رصاص لم يتوقّف عن تذكير الجميع بأنّ السياسة وحدها لم تنتصر بعد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@josephinedeeb

مواضيع ذات صلة

خليل الحيّة… حين تربح إيران صندوق “الشّورى”

عندما تكتب صحافة الشرق الأوسط مشاهد التحوّل الكبيرة، فإنّها تبحث دائماً عن تلك اللحظات الخفيّة التي تُصنع فيها اللحظات الإقليميّة بعيداً عن أضواء العدسات. وفي…

بعد زوطر الغربيّة: ماذا عن اليوم التّالي؟

دشّنت الدولة اللبنانّية بدء مرحلة الانسحاب الإسرائيليّ، وفقاً لمندرجات اتّفاق 26 حزيران، عبر رفع رئيس الحكومة نوّاف سلام العلم اللبنانيّ في زوطر الغربيّة، إحدى البلدات…

الشّرع لا يريد لبنان… فلماذا يصرّ ترامب؟

الروايات تُروى مرّة. أمّا عندما تُكرَّر تتحوّل إلى رسائل. وهذا تماماً ما يفعله دونالد ترامب. فمنذ لقائه بالرئيس السوريّ أحمد الشرع في أنقرة، يكاد لا…

المنطقة التّجريبيّة الأولى: مَن “يتحقّق” من السّلاح؟

بدأت رسميّاً، منذ يوم الإثنين، أولى مراحل تنفيذ “المناطق التجريبيّة”، وسط إحاطة رسميّة واسعة أخذت مداها في لقاء رئيس الجمهوريّة جوزف عون، الأوّل منذ انتخابه،…