تشهد الساحة الدوليّة سلسلة من التحوّلات المتسارعة التي توحي بإعادة رسم موازين القوى وإعادة توزيع مناطق النفوذ بين القوى الكبرى. فمن أوروبا إلى شرق آسيا، مروراً بأوكرانيا والشرق الأوسط، تتراكم مؤشّرات سياسيّة وعسكريّة تثير تساؤلات عن طبيعة النظام الدوليّ الذي يتشكّل، وعن انعكاسات هذه المتغيّرات على الأزمات الإقليميّة. وفي هذا السياق، محاولة لقراءة دلالات تلك التطوّرات واستشراف معانيها السياسيّة والاستراتيجيّة.
تحوّلات أميركيّة لإعادة ترتيب أولويّات النّفوذ العالميّ
ماذا يعني أن تلغي الولايات المتّحدة صفقة بيع صواريخ توماهوك إلى ألمانيا؟ وماذا يعني الانسحاب الأميركيّ مع وقف التنفيذ من حلف شماليّ الأطلسيّ الذي يشكّل العمود الفقريّ لاستراتيجية الدفاع عن أوروبا؟ وماذا يعني توقّف الولايات المتّحدة عن تزويد أوكرانيا بالأسلحة المتقدّمة لمواجهة الاتّحاد الروسيّ؟ وماذا يعني أن يعلن الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين أنّه مستعدّ للتفاوض مع الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي على قاعدة التفاهم الأميركيّ – الروسيّ الذي تمّ بينه وبين الرئيس دونالد ترامب في آلاسكا؟
تعكس علامات الاستفهام هذه أبعاد التحوّلات التي طرأت على العلاقات الروسيّة – الأميركيّة. فالسكوت الروسيّ على الهيمنة الأميركيّة على فنزويلا، وكأنّ شيئاً لم يقع، ليس طبيعيّاً. والسكوت على التهديدات الأميركيّة الموجّهة الى كوبا ليس طبيعيّاً أيضاً. فقد كانت كوبا رأس حربة موسكو في الخاصرة الأميركيّة، إلّا أنّها تحوّلت الآن الى هراوة بيد “شرطيّ السير” الجديد في البحر الكاريبيّ!
يهدّد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من موقع القادر الرئيس الكوبيّ ميغيل دياز كانيل بتعريضه للمصير ذاته الذي تعرّض له الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو. وكما مرّ التغيير العسكريّ الأميركيّ في فنزويلّا، سيحصل تغيير مماثل في كوبا، وربّما لم يعد يحتاج إلّا الى مزيد من الوقت.
يهدّد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من موقع القادر الرئيس الكوبيّ ميغيل دياز كانيل بتعريضه للمصير ذاته
ثمّ ماذا يعني أن توقف الولايات المتّحدة بيع تايوان الأسلحة التي سبق أن تعاقدت معها على تزويدها بها؟ وماذا يعني أن يأتي هذا التوقّف “المفاجئ” بعد زيارة الدولة التي قام بها الرئيس ترامب لبكّين حيث كان موضع ترحيب مبالغ فيه.
لكن لم يكد الرئيس ترامب يعود إلى واشنطن من زيارته تلك، حتّى قامت الصين بمناورات عسكريّة جويّة ـ بحريّة حول تايوان مذكّرة بالتعهّد الذي قطعه الرئيس الصينيّ المعروف بـ “شي (شي جين بينغ)” على نفسه، وهو استرجاع تايوان إلى الحضن الوطنيّ الجامع قبل عام 2029 ، تاريخ انتهاء ولايته الدستوريّة.
التّفاهمات الدّوليّة وانعكاساتها على ملفّات أوكرانيا وإيران والشرق الأوسط
تكشف هذه التحوّلات عن خلفيّات موقفَيْ الصين وروسيا من التطوّرات التي تعصف بالشرق الأوسط خلف غبار الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران (وعلى أذرعها في المنطقة لبنان والعراق واليمن) وللمساعدة على إنهاء هذه الحرب.
تطرح كلّ من موسكو وبكّين الاستعداد بل والرغبة في تخزين اليورانيوم الإيرانيّ العالي التخصيب لديها، في إطار تسوية تجرّد إيران من إمكانيّة صناعة قنبلة نوويّة. وذلك على أساس أنّ اليورانيوم الإيرانيّ لن يضيف شيئاً يُذكر كمّاً ونوعاً الى الصناعة العسكريّة النوويّة لكلّ من الصين أو روسيا، وهما الدولتان اللتان تملكان مثل الولايات المتّحدة من القنابل النوويّة والهيدروجينيّة ما يكفي لإبادة الحياة على الكرة الأرضيّة.
تلقي هذه المتغيّرات الضوء على أسباب التحوّل في موقف الرئيس زيلينسكي الذي يطرق الآن أبواب الكرملين للقاء الرئيس بوتين بحثاً عن حلّ عجزت الحرب عن تحقيقه.
تعكس أسباب التحوّل في الموقفين الإيرانيّ – الأميركيّ من المجابهة العسكريّة إلى طاولة المفاوضات الباكستانيّة.
يبدو لبنان مسحوقاً بين رحى المساومات الإيرانيّة على التسوية مع إسرائيل عبر الولايات المتّحدة، وبين حجر محاولات دفع مسيرة الطريق الإبراهيميّ إلى الأمام
إسرائيل ولبنان في مواجهة تداعيات النّظام الدّوليّ المتحوّل
تقف إسرائيل وحدها خارج هذه التطوّرات، فاستمرار الحرب كانت ولم تزل أداة لتحقيق مكاسب سياسيّة لرئيس حكومتها بنيامين نتنياهو. وفي مقدَّم هذه المكاسب رفع لقب مجرم حرب الذي أطلقته عليه محكمة العدل الدوليّة واعتمار قبّعة “صانع السلام” في الشرق الأوسط على قاعدة تحقيق المطامع التوسّعيّة الإسرائيليّة عبر مخطّط “الطريق الإبراهيميّ”.
من هنا يبدو لبنان مسحوقاً بين رحى المساومات الإيرانيّة على التسوية مع إسرائيل عبر الولايات المتّحدة، وبين حجر محاولات دفع مسيرة الطريق الإبراهيميّ إلى الأمام.
إقرأ أيضاً: إسرائيل في الطّريق إلى الشّرق الأوسط الجديد؟
يتغيّر العالم. وترسم معادلة النظام العالميّ الجديد علاماتها المميّزة على أرض الواقع، أحياناً بتمرير تفاهمات سياسيّة من وراء الستار، وأحياناً بالقوّة العسكريّة، وغالباً بالاثنين معاً… ويقع لبنان في خضمّ هذه المتغيّرات.
