“الأوكتاغون” المصريّ: قوّة الرّمز (1/2)

مدة القراءة 7 د

العمران والدولة صنوان مترافقان منذ عهد الفراعنة في مصر. إنّها علاقة تتوارثها السلطة، وهي بمنزلة محاكاة لصناعة التاريخ وفقاً لاحتياجات الحاضر والمستقبل.

 

على خلفيّة ذلك افتتحت مصر أخيراً مشروعاً يحمل أبعاداً معماريّة واستراتيجيّة وسياسيّة كبيرة، وهو مقرّ “القيادة الاستراتيجيّة للدولة” المعروف باسم “الأوكتاغون”، ولا يشمل المجمّع العسكريّ الجديد الضخم للقوّات المسلّحة المصريّة فقط، بل يضمّ أيضاً مركزاً أساسيّاً لمؤسّسات الدولة.

بُني “الأوكتاغون” في قلب العاصمة الإداريّة الجديدة. هذه الأخيرة هي مدينة تقع شرق القاهرة، وتبلغ مساحتها حوالي 700 كيلومتر مربّع، وتُعدّ أحد أضخم مشاريع البنية التحتيّة في تاريخ مصر الحديث، وقد أُسّست بهدف تخفيف الازدحام عن القاهرة، ونقل مراكز الحكم والإدارة إلى بيئة تكنولوجيّة متطوّرة ومؤمّنة بالكامل.

ليس مشروع “الأوكتاغون” تجمّعاً لمبانٍ عسكريّة وحسب، بل بنية صنع القرار الأمنيّ في البلاد، وتجميع مراكز القيادة والاستخبارات والبنية التحتيّة الحيويّة داخل حرم واحد مصمّم ليكون قادراً على العمل في ظروف الحرب والطوارئ.

جاء افتتاح هذا الصرح في 4 تمّوز الحاليّ وسط احتفاء رسميّ وعروض عسكريّة لافتة، لكن بالقدر الذي حمل فيه المشروع رسائل قوّة واستقلاليّة إقليميّة، فتح أيضاً نقاشاً واسعاً في مخاطر مركزيّة السلطة وتبعات هذه الخطوة على الصعيدين الأمنيّ والاقتصاديّ.

العمران والدولة صنوان مترافقان منذ عهد الفراعنة في مصر. إنّها علاقة تتوارثها السلطة، وهي بمنزلة محاكاة لصناعة التاريخ وفقاً لاحتياجات الحاضر والمستقبل

لماذا بُني “الأوكتاغون”؟

تتمثّل الأولويّة التي قادت إلى إنشاء “الأوكتاغون” في تقديم حلّ لمشكلة قديمة، وهي تشتّت مؤسّسات القيادة العسكريّة في القاهرة، وهو واقع جعل شبكات القيادة والتواصل معرّضة لمخاطر متعدّدة تراوح بين الازدحامات والاختناقات المروريّة والثغرات في البنى التحتيّة المُدُنيّة واحتمال تأثيرات الاحتجاجات والتوتّرات الشعبيّة على القرارات العسكريّة.

أكثر من ذلك، جاء المشروع ضمن رؤية أوسع أعلنتها الحكومة المصريّة تحت مسمّى “الجمهوريّة الجديدة” وضمن مخطّط العاصمة الإداريّة الجديدة، بهدف إخراج مراكز صنع القرار من دائرة الكثافة السكّانيّة وضمان استدامتها والقيام بوظيفتها في حالات الأزمات الداخليّة والحروب الخارجيّة.

كانت الفكرة الأساسيّة من المشروع توحيد الأجهزة العسكريّة والأمنيّة والاستخباريّة في مركز متكامل وحديث بما يُسرّع اتّخاذ القرار ويُعزّز القدرة على إدارة الأزمات بكفاءة أعلى، وهذا هو اليوم مفهوم فعّاليّة الجيوش والقوّات المسلّحة المعاصرة، الذي يقوم على ثلاث ركائز:

ـ الأولى هي السيطرة على البيانات: دمج فوريّ للمعلومات التي ترسلها الأقمار الصناعيّة، طائرات الاستطلاع، الطائرات المسيّرة، أجهزة الرادار، المصادر السيبرانيّة، والمعلومات الاستخباريّة، التي تُحلَّل بواسطة الذكاء الاصطناعيّ.

ـ الثانية هي تسريع سلسلة القيادة والتحكّم: استناداً إلى البيانات التي تقدّم مؤشّرات مفيدة لأركان القوّات، وبمساعدة الذكاء الاصطناعيّ، لا تتّجه القيادة إلى اتّخاذ قرارات بسرعة، لا بل تستبق الأخطار المحتملة والأعداء المحتملين.

ـ الثالثة هي الحماية من الحرب الإدراكيّة: وهذه عبارة عن إجراءات لحماية القادة والعسكريّين من التلاعب والتضليل الإعلاميّ، وبحكم الموقع الجغرافيّ للأوكتاغون تصبح العمليّة سهلة.

أكبر من البنتاغون

يتميّز المشروع بحجمه الكبير ومكوّناته التكنولوجيّة المعقّدة. ويمتدّ “الأوكتاغون” على مساحة تبلغ 89 كيلومتراً مربّعاً وذات مساحة بنائيّة تصل إلى حوالي 4.69  مليون متر مربّع، متجاوزاً بذلك مبنى البنتاغون الأميركيّ ليكون أكبر مجمّع دفاعيّ في العالم. وتُدار تعقيداته الداخليّة عبر منظومة متطوّرة للقيادة والسيطرة والاتّصالات والكمبيوتر والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (C4ISR)، أي Command, Control, Communications, Computers, Intelligence, Surveillance and Reconnaissance، ويضمّ مبانيَ مخصّصة لقيادات الجيش والبحريّة والقوّات الجوّيّة وقوّات الدفاع الجوّيّ كلّ منها على حدة، ولمراكز بيانات متقدّمة، إلى جانب قيادات الأجهزة الاستخباريّة المتخصّصة. وتتواصل هذه القيادات بواسطة مساحات تشغيليّة واسعة لتسريع وتفعيل التنسيق فيما بينها ومع القوى على الأرض.

تجري الاتّصالات داخل الحرم بواسطة أنظمة خاصّة تعمل بواسطة شبكات ألياف ضوئيّة معزولة عن الإنترنت العامّ، بهدف تقليل مخاطر الاختراق الإلكترونيّ، وتُستخدم تقنيّات الذكاء الاصطناعيّ لمراقبة وتحليل البيانات في الوقت الحقيقيّ Real Time بغرض دعم وتسريع صنع القرار العمليّاتيّ.

كيف يربط “الأوكتاغون” بين القيادة العسكريّة وإدارة الدولة في مصر؟

تُمثّل العلاقة بين “الأوكتاغون” والمؤسّسات المدنيّة الرسميّة المصريّة ركيزة أساسيّة في منظومة السيطرة المركزيّة، حيث يتجاوز المجمّع دوره العسكريّ التقليديّ ليكون عصب إدارة الدولة بأكملها في أوقات السلم والأزمات. تتبلور هذه العلاقة من خلال “المركز المتكامل لإدارة أزمات الدولة” الموجود داخل “الأوكتاغون”، والذي يشكّل نقطة الالتقاء والقيادة الموحّدة بين القوّات المسلّحة ومختلف الوزارات والجهات المدنيّة (مثل الصحّة، التموين، النقل، والاتّصالات) لإدارة حالات الطوارئ الوطنيّة والكوارث بآليّة تنسيق فوريّة وسريعة.

تتمثّل الأولويّة التي قادت إلى إنشاء “الأوكتاغون” في تقديم حلّ لمشكلة قديمة، وهي تشتّت مؤسّسات القيادة العسكريّة في القاهرة

يضمّ المجمّع “مركز البيانات الاستراتيجيّ الموحّد” الذي يعمل كمستودع رقميّ احتياطيّ فائق التأمين لكلّ البيانات والمنظومات الحيويّة للوزارات المدنيّة، وهو ما يضمن استمراريّة العمل الحكوميّ وحمايته من الهجمات السيبرانيّة.

هذا الربط داخل مجمّع واحد بين القيادات العسكريّة والأمنيّة، البيانات المعلوماتيّة، ومركز إدارة الأزمات يتكامل جغرافيّاً وأمنيّاً مع “الحيّ الحكوميّ” المجاور في العاصمة الإداريّة الجديدة، فيوفّر مظلّة حماية دفاعيّة واستخباريّة موحّدة لمراكز وخطوط التواصل للحكمين المدنيّ والعسكريّ. هذا التكامل مدعوم بقنوات اتّصال سلكيّة ولاسلكيّة مشفّرة ومفصولة تماماً عن الشبكات العامّة لضمان مراقبة شبكات المرافق الوطنيّة كالمياه والكهرباء والاتّصالات وتأمينها على مستوى الجمهوريّة.

 إقرأ أيضاً: الاستراتيجية السعودية الجديدة: من عاصفة الحزم إلى الاحتواء الحازم

التّحصين المادّيّ والحماية المدنيّة

أمّا على مستوى التحصين المادّيّ فالتفاصيل الدقيقة تبقى من أسرار الأمن القوميّ المصريّ، المكتومة، لكنّ تحليلات متاحة تشير إلى أنّ الأجزاء الحسّاسة من المقرّ مبنيّة تحت الأرض ضمن أنفاق وقاعات محصّنة بطبقات خرسانيّة معزّزة وأنظمة امتصاص للصدمات تهدف إلى مواجهة ما يُعرف بذخائر الاختراق الأرضيّة Bunker Booster Munitions، علاوة على تجهيزات للحماية من التهديدات الكيميائيّة والبيولوجيّة والإشعاعيّة Chemical Biological Radiological Nuclear Protection  عبر أنظمة فلترة هواء متطوّرة ومولّدات مياه وكهرباء احتياطيّة داخليّة. ومراكز البيانات محميّة بنظم دروع ضدّ النبضات الكهرومغناطيسيّة EMP Electro Magnetic Protection، في حين تحيط بالمجمّع شبكات دفاع جوّيّ محلّيّة متقدّمة عُرضت بصورة بارزة خلال مراسم الافتتاح لإيصال رسالة مفادها أنّ الموقع محميّ من التهديدات الجوّيّة والصاروخيّة.

 

غداً الحلقة الثانية والأخيرة: “الأوكتاغون”: قلب القوّة الاستراتيجيّة المصريّة.

مواضيع ذات صلة

حرب “هرمز” تثبّت خيار عون الاستقلاليّ بوجه الأوهام

ربح لبنان بانتصار رهان رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركيّة استثنائيّة. انتصار قلَب الطاولة على المتشكّكين والمحرّضين، وأعاد الغائبين…

5 مليارات $ طلبها رفعت الأسد: وديع حداد عن اتفاق 17 أيار(3/2)

بعد حلقة أولى أمس من حوار طويل يعود أعوام 2012 و2015 و2017 مع الراحل الدكتور وديع حداد، المستشار السابق للرئيس أمين الجميّل، المولج حينذاك ملف…

إردوغان ونتنياهو.. الخصومة الضّروريّة

لا يكاد يمرّ يوم من دون أن نسمع تبادلاً للتهم بين الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان وبين رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. لو قرّر أن…

صفقة إيران: المضيق مقابل “القنبلة”

تخوض إيران معركة تخالها ناجعة للخروج من الحرب. تبدو وأن أحلامها لامتلاك قنبلة نووية تتوارى. تعمل على الذهاب بعيداً، على حواف حافة الهاوية، لمقايضة الشق…