إردوغان ونتنياهو.. الخصومة الضّروريّة

مدة القراءة 7 د

لا يكاد يمرّ يوم من دون أن نسمع تبادلاً للتهم بين الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان وبين رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. لو قرّر أن يرفع أيّ منهما دعوى قضائيّة عن كلّ تشهير بالآخر لانشغلت كلّ محاكم العالم بقضاياهم. يرى الأوّل في الثاني مجرم حرب، والثاني يعتبر الأوّل راعياً للتطرّف والإرهاب. لكنّ أكثر ما يثير الدهشة ليس حجم الاختلاف بين الرجلين بل حجم التشابه بينهما. قد يكونان أكثر شخصيّتين تبادلاً للشتائم في الشرق الأوسط، إلّا أنّهما في الواقع أكثر رجلين يحتاج كلّ منهما إلى الآخر.

 

لو كان الخلاف بين الدول يقاس بالخطب الناريّة لكانت الحرب اشتعلت بين أنقرة وتل أبيب من زمان، ولو كانت تقاس بحجم التجارة المتبادلة لظننت أنّ الدولتين تتشاركان في اتّحاد فدراليّ أو كونفدراليّ. لكنّ الخطب تُكتب للجماهير، أمّا المصالح فتدوَّن في سجلّات الخزائن.

ربّما لا تنتهي بعض الخصومات في السياسة لأنّها صارت جزءاً من ضرورات بقاء أصحابها. وهكذا لا يكون الحكم على السياسيّين بما يدلون به أمام الجمهور بل بما يهمسون به خلف الأبواب المغلقة.

تبدو غزّة بالنسبة إلى نتنياهو جبهة حرب، بينما تبدو بالنسبة إلى إردوغان منصّة سياسيّة

التّخويف أشدّ تأثيراً من الوعود الاقتصاديّة

قد تكون العلاقة بين إردوغان وبين نتنياهو من مفارقات الإقليم الأكثر إثارة. يقدّمان نفسيهما بصفة كونهما نقيضين كاملين. صنّف الأوّل نفسه ناطقاً باسم فلسطين، بينما الثاني أنزل في الوطن المنكوب خراباً ودماراً مذهلين. في العمق، ينتميان إلى المدرسة السياسيّة نفسها، مدرسة “الزعيم الأوحد”، الذي يحوّل كلّ أزمة خارجيّة إلى فرصة لتعزيز شرعيّته الداخليّة. يعرف كلاهما أنّ الخوف أشدّ تأثيراً من الوعود الاقتصاديّة في شدّ عصب الناخبين. لذا يبحث كلاهما عن عدوّ خارجيّ للمّ الصفوف خلفهما والبقاء على الكرسي.

ليس إردوغان ونتنياهو خصوصيّة تركيّة إسرائيليّة، بل هما جزء من ظاهرة عالميّة تتوسّع وتصعد في العقد الأخير، من واشنطن مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، إلى نيودلهي مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وقبلهما رئيس الوزراء فيكتور أوربان في بودابست وغيرهم ممّن اختصروا الدول بشخصهم، وجعلوا خصومهم السياسيّين خصوماً للوطن نفسه. هنا لا تعود الانتخابات تنافساً على البرامج بل تتحوّل إلى معركة وجوديّة بين “الأمّة” و”أعدائها”.

ينتمي الاثنان بامتياز إلى هذه المدرسة. يتحدّث كلاهما بلغة الهويّة أكثر ممّا يتحدّث بلغة المؤسّسات، وكلاهما يستثمر في الذاكرة التاريخيّة، الأول يستحضر الإرث العثمانيّ، والثاني يستدعي الرواية التوراتيّة وأمن الدولة اليهوديّة. وبين التاريخ والدين والقوميّة، يصنع كلّ منهما سرديّة تمنحه شرعيّة تتجاوز الاقتصاد وحتّى القانون.

لهذا تبدو غزّة بالنسبة إلى نتنياهو جبهة حرب، بينما تبدو بالنسبة إلى إردوغان منصّة سياسيّة. يخوض الأوّل معركته بالدبّابات والطائرات، والثاني يخوضها بالخطب والمواقف. غير أنّ النتيجة السياسيّة متشابهة: كلاهما يعزّز موقعه داخل جمهوره من خلال الأزمة نفسها.

اللافت أنّ أكثر مراحل التوتّر بين أنقرة وتل أبيب لم تمنع استمرار قنوات المصالح. فالتجارة تحافظ على مجاريها الطبيعيّة، والاستثمارات لم تتوقّف بالكامل، والتنسيق الأمنيّ لم يختفِ تماماً، وإن تبدّلت مستوياته. وكأنّ البلدين اكتشفا أنّ الاقتصاد أكثر براغماتيّة من السياسة، وأنّ التجّار أقلّ انفعالاً من السياسيّين.

تشابه لا يعني وحدة المشروع

لكنّ التشابه في الأسلوب لا يعني وحدة المشروع. هنا يبدأ الاختلاف الحقيقيّ بينهما. ينطلق نتنياهو من عقيدة تعتبر أنّ أمن إسرائيل وتفوّقها العسكريّ هما أساس بقائها، وأنّ أيّ قوّة إقليميّة صاعدة يجب أن تبقى تحت السيطرة أو الاحتواء. أمّا إردوغان فيرى أنّ تركيا دولة لا تقف حدودها عند الأناضول، بل قوّة مركزيّة تمتدّ مصالحها من البلقان إلى القوقاز، ومن شرق المتوسّط إلى البحر الأحمر، وأنّ القرن الحاليّ يجب أن يشهد عودة أنقرة لاعباً مقرّراً في الإقليم.

إنّه صراع على تعريف الشرق الأوسط الجديد.

تسعى إسرائيل، بعد موجة التطبيع، إلى ترسيخ نفسها بوصفها المركز الأمنيّ والتكنولوجيّ والاقتصاديّ للإقليم، مستندة إلى شراكاتها مع الولايات المتّحدة والغرب عموماً وعدد من الدول العربيّة. وفي المقابل، تحاول تركيا أن تقدّم نفسها بوصفها القوّة الإسلاميّة السنّية القادرة على الجمع بين النفوذ العسكريّ والصناعة الدفاعيّة والدبلوماسية النشطة، مستفيدة من حضورها في سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسّط والقرن الإفريقيّ، علاوة على آسيا الوسطى.

لذلك التنافس بين الرجلين ليس خلافاً على غزّة وحدها، بل صراع على خرائط النفوذ وممرّات الطاقة وخطوط التجارة البحريّة، وعلى هويّة القوّة التي ستملأ الفراغ الذي خلّفه تراجع مشاريع إقليميّة أخرى.

لم يعد قائماً الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل عشر سنين. ستخرج إيران من سنوات الاستنزاف الاقتصاديّ والعسكريّ أكثر انشغالاً بإعادة ترتيب بيتها الداخليّ، ولم تعد سوريا قادرة على الاضطلاع بدورها السابق، ولا يزال العراق يبحث عن توازناته وأمواله ومقدّراته الضائعة، في حين تبدو الولايات المتحدّة أقلّ استعداداً للانخراط المباشر في أزمات المنطقة، مفضّلة إدارة التوازنات بدلاً من قيادتها.

ليس إردوغان ونتنياهو خصوصيّة تركيّة إسرائيليّة، بل هما جزء من ظاهرة عالميّة تتوسّع وتصعد في العقد الأخير، من واشنطن مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، إلى نيودلهي مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي

تنافس بين 3 مشاريع إقليميّة رئيسة

وسط هذا التحوّل، برزت ثلاثة مشاريع رئيسة تتنافس على رسم شكل الإقليم المقبل: المشروع الإسرائيليّ الذي يراهن على التفوّق الأمنيّ والتحالفات، المشروع التركيّ الذي يستثمر في النفوذ الجيوسياسيّ والصناعات الدفاعيّة، والمشروع العربيّ، بقيادة المملكة السعوديّة، الذي يسعى إلى بناء نظام إقليميّ قائم على الاستقرار والتنمية وربط الاقتصاد بالأمن، بعيداً عن منطق المحاور التقليديّة.

في هذا المشهد، تصبح العلاقة بين إردوغان ونتنياهو أكثر تعقيداً من عداوة سياسيّة. فكلاهما يحتاج إلى الآخر، حتّى وهو ينافسه.

يربح نتنياهو من وجود زعيم مسلم يهاجم إسرائيل باستمرار، لأنّ ذلك يعزّز سرديّة “الدولة المحاصَرة” ويبرّر السياسات الأمنيّة المتشدّدة. ويستفيد إردوغان من وجود حكومة إسرائيليّة هي الأكثر تطرّفاً في تاريخ إسرائيل لأنّها تمنحه مساحة أوسع لتقديم نفسه بوصفه المدافع الأوّل شفهياً عن القضيّة الفلسطينيّة والعالم الإسلاميّ.

إنّهما لا يكتبان السيناريو نفسه، لكنّ كلّاً منهما يؤدّي دوراً لا يكتمل المشهد من دونه.

إقرأ أيضاً: الزيدي إلى ترامب.. أربعة مفاتيح من السلاح إلى “أنبوب” بانياس

ربّما لهذا السبب تخطئ التحليلات التي تتوقّع قطيعة نهائيّة بينهما كلّما ارتفعت حدّة التصريحات. فالصراخ السياسيّ شيء، وحسابات الدولة شيء آخر. وبين الاثنين مساحة واسعة اسمها المصالح، وهي المساحة التي تفسّر لماذا تستمرّ القنوات الخلفيّة، ولماذا تبقى التجارة قائمة، ولماذا لا تتحوّل الخصومة إلى مواجهة مباشرة.

لهذا لم يعد السؤال: لماذا يتخاصم إردوغان ونتنياهو؟

بل السؤال الأهمّ هو: هل يستطيع الشرق الأوسط أن يخرج من مرحلة الزعماء الذين يعيشون على صناعة الأزمات، إلى مرحلة الدول التي تعيش على صناعة الاستقرار؟

مواضيع ذات صلة

حرب “هرمز” تثبّت خيار عون الاستقلاليّ بوجه الأوهام

ربح لبنان بانتصار رهان رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركيّة استثنائيّة. انتصار قلَب الطاولة على المتشكّكين والمحرّضين، وأعاد الغائبين…

5 مليارات $ طلبها رفعت الأسد: وديع حداد عن اتفاق 17 أيار(3/2)

بعد حلقة أولى أمس من حوار طويل يعود أعوام 2012 و2015 و2017 مع الراحل الدكتور وديع حداد، المستشار السابق للرئيس أمين الجميّل، المولج حينذاك ملف…

“الأوكتاغون” المصريّ: قوّة الرّمز (1/2)

العمران والدولة صنوان مترافقان منذ عهد الفراعنة في مصر. إنّها علاقة تتوارثها السلطة، وهي بمنزلة محاكاة لصناعة التاريخ وفقاً لاحتياجات الحاضر والمستقبل.   على خلفيّة…

صفقة إيران: المضيق مقابل “القنبلة”

تخوض إيران معركة تخالها ناجعة للخروج من الحرب. تبدو وأن أحلامها لامتلاك قنبلة نووية تتوارى. تعمل على الذهاب بعيداً، على حواف حافة الهاوية، لمقايضة الشق…