الاتفاق الإطاري: الجيش ساحة الاشتباك السّياسيّ؟

مدة القراءة 6 د

في موازاة الانقسام السياسيّ بين المرجعيّات في رأس هرم السلطات وبين الأفرقاء على الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ، جرجر أذياله أخيراً إلى حيث يقتضي أن لا يكون: الجيش. يكاد الجيش يكون الآن المؤسّسة الوحيدة التي تحظى بإجماع داخليّ لا لبس فيه، قياساً بما ليس للسلطات الدستوريّة المتنافرة.

 

في الغالب تنشأ محن الجيش اللبنانيّ بفعل الخلافات السياسيّة من حول دوره أكثر منها بسبب قدراته والثقة بقيادته على مرّ حقبه. قدّمت دروس الماضي نماذج مختلفة لعلاقته بالسلطات السياسيّة في أزمات انقسامها على نفسها، أو صراعها مع مناوئيها: “ثورة 1958″، “حرب السنتين 1975 ـ 1976″، وانقسامه أعوام 1983 ـ 1984 و1988 ـ 1990. في جزء من وطأة النزاعات السياسيّة من حول الجيش أن يُحمَّل قائده عواقبها فيُقال، فباتت لإقالته سوابق رائجة: عام 1970 مع العماد إميل بستاني، وعام 1975 مع العماد إسكندر غانم، وعام 1977 مع العماد حنّا سعيد، وعام 1984 مع العماد إبراهيم طنّوس، وانتهاء بالعماد ميشال عون عام 1990.

يستعيد الجيش مجدّداً تجربة امتحانه في خضمّ انقسام سياسيّ حادّ لم يخلُ من بُعد مذهبيّ. بينما تمكّن من إنجاح دوره عام 2025 في تنفيذ قرارَي حكومة الرئيس نوّاف سلام في 5 و7 آب بنشر قوّاته في جنوب نهر الليطاني

الجيش والسّياسة

تمرّست الحقبة السوريّة بالتلاعب بالجيش في مرحلتين: الأولى بتشكيكها فيه واتّهامه بالفئويّة بين عامَي 1976 و1982، والثانية في حقبة ما بعد اتّفاق الطائف عندما أحكمت قبضتها عليه كي يمسي دوره في الداخل في صلب عقيدتها العسكريّة في لبنان والمنطقة.

خروج سوريا من لبنان عام 2005 جعل الجيش جزءاً لا يتجزّأ من إدارة التوازن الداخليّ، السياسيّ والمذهبيّ، بين الأفرقاء. يضعف أو يقوى تبعاً لما يرافق هذه الإدارة بشهادة وقائع أربع آنذاك أبانت حياده الإراديّ أو المفتعَل مثل إبانتها انكفاءه وتقدّمه: بين قوى 8 و14 آذار عام 2005، بين 7 و9 أيّار 2008، احتلال الجرود بين عامَي 2015 و2017، و17 تشرين الأوّل 2019.

يستعيد الجيش مجدّداً تجربة امتحانه في خضمّ انقسام سياسيّ حادّ لم يخلُ من بُعد مذهبيّ. بينما تمكّن من إنجاح دوره عام 2025 في تنفيذ قرارَي حكومة الرئيس نوّاف سلام في 5 و7 آب بنشر قوّاته في جنوب نهر الليطاني، يجد نفسه الآن أمام امتحان آخر أكثر تعقيداً. فيما حظي وقف النار المعلن في 27 تشرين الثاني 2024 بتأييد الأفرقاء جميعاً وأوّلهم “الحزب”، وتالياً إجماعهم على الدور المنوط بالجيش تطبيقاً لوقف النار والقرار 1701، بلغ الاحتدام الداخليّ ذروته أخيراً بين مؤيّد للاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ ومعارض له. غدا من الطبيعيّ لاحتدام كهذا في أيّ محاولة لتطبيق اتّفاق ينقسم اللبنانيّون من حوله، والأدهى وقوف طائفة برمّتها ضدّه، أن يحيل دور الجيش أكثر صعوبة إن لم يكن متعذّراً.

الجيش ومشقّة الاختبارات

تستند هذه الإحالة إلى بضعة معطيات:

ـ أوّلها، لا يجد الجيش نفسه في خضمّ انقسام وطنيّ فحسب، بل يبدو أكثر قلقاً حيال صراع جعل من الأفرقاء المحلّيّين وكلاءه وودائعه في لبنان. تدور المشكلة الإسرائيليّة ـ الإيرانيّة من حول ساحة الجنوب. ترفض إسرائيل الانسحاب منه إلّا بشروطها، وتريد إيران من خلال الدور الموكل إلى “الحزب” فرض انسحاب إسرائيليّ بشروطها التي هي غير تلك التي يتوخّاها لبنان الرسميّ. تريد إسرائيل أن يكون ثمن انسحابها تدمير “الحزب”، فيما تريده إيران تكريساً لمرجعيّة “الحزب” في استقرار أمن الشمال الإسرائيليّ واضطرابه، وتالياً أن يكون سبباً مستديماً لإقلاقها باحتفاظه بسلاحه.

ـ ثانيها، يقود كلا الطرفين اللبنانيَّين المعنيَّين بالاشتباك الحاليّ، رئيس الجمهوريّة والثنائيّ الشيعيّ، معركة مصيريّة بالنسبة إلى مستقبل كلّ منهما: ينهي تنفيذ الاتّفاق “الحزب” كتنظيم مسلّح، ويقوّض سقوطه عهد الرئيس جوزف عون برمّته. كلاهما يخوضان معركة بقاء يصعب التكهّن بمآلها بين حدّين: إسقاط شرعيّة دستوريّة تحظى بدعمين عربيّ وغربيّ وضعت رهانها كلّه على الاتّفاق، وطائفة باتت تخوض كما تعلن معركة بقائها العسكري من خلال إصرارها على ما يتجاوز رفض الاتّفاق إلى التمسّك بسلاح “الحزب”.

يستعيد الجيش مجدّداً تجربة امتحانه في خضمّ انقسام سياسيّ حادّ لم يخلُ من بُعد مذهبيّ

ـ ثالثها، يضع هذا الانقسام الجيش مجدّداً أمام معضلة الخيار بين ما يقتضي أن لا يختار فيه لتفادي تكبّده ثمن نزاعات السياسيّين على غرار ماضي دروسه. يجد نفسه بذلك في معصرة حقيقيّة بين مَن يريد منه تطبيق الاتّفاق وبين مَن يريد الامتناع عن ذلك. لا هو قادر على أن يفعل خشية ما هو أدهى بأن يصطدم بما بات يريد “الحزب” أن يتمثّل به على أنّ استهدافه هو استهداف طائفته كلّها، ولا هو قادر على أن لا يفعل ولا ينفّذ لالتزامه قرارات السلطات الدستوريّة التي يأتمر بها، ولكونه شريكاً فعليّاً في وضع بنود الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ. جلس ضبّاطه الى طاولة مفاوضات واشنطن، فيما البند الثالث يتحدّث عن اتّفاق  الجيشين الإسرائيليّ واللبنانيّ على المنطقتين التجريبيّتين الأوليَين، وتالياً تنفيذ شرطهما، وهو نزع سلاح الجماعات المسلّحة غير الحكوميّة التي ليست سوى “الحزب”. يكاد لا يستثني أيّ من البنود الـ14 في الاتّفاق “القوّات المسلّحة اللبنانيّة” لتأكيد دورها ليس في الانتشار فحسب، بل وفي مقتضيات شرط الانسحاب الإسرائيليّ، وهو النزع المسبق لسلاح “الحزب”.

إقرأ أيضاً: لبنان… ومدرسة حافظ الأسد

ـ رابعها، يرمي إرباك الجيش وإدخاله في معمعة الاشتباك الداخليّ إلى تجميد دوره في الاتّفاق إلى حين يُبتّ مصير الانقسام. واقع المشكلة أنّه بات أمام وجهتَي نظر متناقضتين يصعب إيجاد قاسم مشترك بينهما بعدما رفع كلا الطرفين النبرة إلى الذروة بإصرار رئيس الجمهوريّة على المضيّ في الاتّفاق وبإصرار الثنائيّ الشيعيّ على إسقاطه بأيّ ثمن. بينما رهان الفريق الأوّل على أنّ التطبيق حتميّ وحاصل، يذهب الفريق الثاني إلى طرح نموذج عام 2019 تفادياً لمشكلة داخل الجيش نفسه عندما امتنع عن التدخّل واكتفى بالفصل بين طرفَيْ المواجهة إبّان “ثورة 17 تشرين الأوّل”. تجنّب قمع “الثوار”، لكن في الوقت نفسه فصل في وسط بيروت بين شارعين لبنانيَّين أحدهما أيّد “الثورة”، وهو ما سُمّي بالمجتمع المدنيّ، والآخر الذي قاد “الحزب” مناوأته وقمعه.

مواضيع ذات صلة

اتّفاق الإطار… حين أنهت الدبلوماسيّة ما عجزت عنه الحرب

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، لم يكن الجيش الإسرائيليّ يحتلّ مواقع داخل الأراضي اللبنانيّة كما هو الحال اليوم. ما استدعى هذا الواقع لم يكن…

العراق: “حالة الاستثناء” مدخل لاستعادة هيبة الدّولة

في عشرينيات القرن الماضي، ألّف المفكّر السياسي والفقيه القانوني الألماني كارل شميث كتاباً بعنوان “اللاهوت السياسي”، تناول فيه السيادة بوصفها مفهوماً نظرياً مجرداً، ورأى أن…

النّاتو في أنقرة: إعادة تعريف الحلف ودوره

لم يعُد حلف شماليّ الأطلسيّ (الناتو)، الذي أُسّس في منتصف القرن العشرين ليكون تحالفاً واضح الوظيفة والخصومة، يتحرّك اليوم داخل التوازنات الكلاسيكيّة التي رسمت معالمه…

وردة روزينا لاذقاني: “فداء حماه” في حديقة مجلس  الشعب

تقول روزينا لاذقاني في تصريحات سابقة إنها دخلت مجال التمثيل والفن من باب الصدفة، ولكنها حققت فيه نجاحاً ونجوميةً بارزةً وواعدة. اليوم تدخل أول مجلس…