أكّد المرجع الدستوريّ الدكتور أنطوان مسرّة أنّ اتّفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة له صفة مهمّة، لكنّه يمرّ بمرحلة اختباريّة تطبيقيّة. ولا يعني ذلك أنّه قليل الأهميّة، بل هو اتّفاق مرحليّ يهدف إلى اختبار النيّات وحسن التطبيق، ويجب أن يتبعه تنفيذ فعليّ يرسّخ الثقة بإمكان نجاحه.
هنا لا بدّ من لفت النظر إلى أنّ كثيراً من اللبنانيّين يتهرّبون من مواجهة هذا الموضوع، على الرغم من أنّ الحكم، ممثّلاً برئيس الجمهوريّة والحكومة، اتّخذ موقفاً واضحاً بشأن السيادة والاستقلال وحصريّة السلاح بيد الدولة التي لا تمتلك سوى الجيش. لكن في المقابل لا يزال بعض الشعب اللبنانيّ في حالة تموضع وتذاكٍ وتكاذب. وهذه تشكّل تجربة لاختبار قدرة اللبنانيّين على التزام استعادة الدولة في لبنان.
استغرب الدكتور مسرّة في حديث خاصّ إلى “أساس” تصريح أحد نوّاب “الحزب” عن سحب الشرعيّة من السلطة اللبنانيّة بسبب توقيعها الاتّفاق، فقال: “أساساً، يفتقر لبنان إلى الشرعيّة الكاملة لأنّه يعيش واقع وجود دولتين: دولة رسميّة شرعيّة، ودولة أخرى تمتلك جيشها ودبلوماسيتها. ومن يتحدّث عن الشرعيّة، عليه أوّلاً أن يعمل على ترسيخها في لبنان، وبعدها يمكن الحديث عن كيفيّة تطبيقها بالشكل الصحيح”.
أضاف: “لا يمكن اختزال المشكلة بوجود سلاح غير شرعيّ أو ميليشيا، بل نحن أمام واقع انقساميّ يقوم على وجود دولتين. يحظى لبنان اليوم بدعم أوروبيّ وأميركيّ وعربيّ ودوليّ من أجل استعادة استقلاله. لكنّه، في نظر كثيرين، لا يزال غير مستقلّ بالكامل، بل يعيش واقعاً يشبه الاحتلال. دعونا نتذكّر ما حصل بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عندما نزل نحو مليون ونصف مليون لبنانيّ إلى ساحة الشهداء. عندها لم يعد في إمكان أيّ مسؤول سوريّ أن يبقى جالساً على الرصيف في لبنان”.
سأل مسرّة: ما هي مسؤوليّة اللبنانيّين في استعادة الدولة، فيما لا يزال نصف اللبنانيّين يمارسون التموضع والتكاذب والتذاكي على حساب الوطن؟
أكّد المرجع الدستوريّ الدكتور أنطوان مسرّة أنّ اتّفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة له صفة مهمّة، لكنّه يمرّ بمرحلة اختباريّة تطبيقيّة
ورقة غير قابلة للحياة
عن إمكانيّة نجاح هذا الاتّفاق قال مسرّة لـ”أساس”: “ورقة التفاهم غير قابلة للحياة لأنّ جزءاً كبيراً من اللبنانيّين لم يحسموا موقفهم بعد، سواء بعض البقايا السياسيّة في الساحة الشيعيّة، أو بعض البقايا السياسيّة في الساحة المارونيّة، أو بعض المسترئسين الذين ينتظرون نهاية العهد الحاليّ للعودة إلى ممارسات سابقة. هناك رهان من قوى إقليميّة وقوى داخليّة مسلّحة على انتهاء هذا العهد للعودة إلى رئيس جمهوريّة يمارس المساومات على السيادة والهيمنة الخارجيّة وغيرهما. نحن اليوم أمام واقع يتمثّل في وجود دعم دوليّ واسع، أوروبيّ وأميركيّ وعربيّ، لمساندة لبنان في استعادة دولته”.
أضاف: “تتضمّن الورقة بمجملها نقاط قوّة، لكنّ اللبنانيّين يعيشون اليوم مرحلة اختبار حقيقيّة. نشاهد اليوم أنّ معظم النقاشات والحوارات على شاشات التلفزيون تتركّز على سوريا، إيران، إسرائيل، ودونالد ترامب، فيما يغيب السؤال الأساسيّ: ما هي مسؤوليّة اللبنانيّين أنفسهم في لبنان؟”.
إقرأ أيضاً: خيبة تاجرَ العقارات وحائك السّجّاد
قال مسرّة: “هذا هو جوهر القضيّة. اللبنانيّون، من خلال هذه المرحلة، أمام اختبار واضح: إمّا أن يكونوا جدّيّين في خيار الاستقلال والسيادة وبناء الدولة، وإمّا أن يبقوا أسرى الحسابات والانقسامات. هناك من يتصوّر أنّ الدولة تستطيع حسم الأمور بالطريقة التي كانت تُدار بها الأنظمة السلطويّة، كما كان يحصل في عهد حافظ الأسد مثلاً، حين كانت القرارات تُفرض بالقوّة ويصمت الجميع. لكنّ لبنان ليس كذلك، ولا يمكن أن يكون كذلك. الحكم في لبنان قادر على اتّخاذ القرارات، لكنّه يحتاج إلى دعم شعبيّ وسياسيّ واسع لإنجاحها. أمّا المشكلة اليوم فهي أنّ شريحة كبيرة من اللبنانيّين لا تزال تمارس التكاذب والتذاكي والتموضع السياسيّ، بدلاً من تحمّل مسؤوليّتها في دعم مشروع الدولة”.
