إيلون ماسك… “نبيّ” التّكنولوجيا

مدة القراءة 5 د

من قال إنّ الدين والعلم لا يلتقيان؟ ملأ إيلون ماسك الفجوة بينهما وقلّصها. قلّصها كثيراً حتّى يُخيّل إلى البعض أنّ المسيح عاد، على الأقلّ فعلاً لا جسداً. الأعمى يبصر، والأبكم ينطق، والمشلول يتحرّك. فور قراءة هذا الخبر يتبادر إلى الذهن المسيح الذي جعل الأعمى يرى والأبكم ينطق والمشلول يتحرّك قبل ألفَي سنة.

 

كيف فعل المسيح ذلك؟ ببساطة كان مُسدّداً من الخالق. مسح بكفّه على نقطة الوجع. مسّ الخلل بيده فأصلحه. ورد في الإصحاح الثاني من إنجيل مرقس أنّ المسيح في كفرناحوم قال لمشلول: “قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك”، فقام في الحال. فعل ذلك بمعجزة إلهيّة. كان مسدّداً من السماء. هذا كلّ ما نعرفه عبر ما نقلته إلينا الكتب السماويّة.

هو فعلٌ أبعد ما يكون عن العلم وأقرب إلى عدم التصديق دون إيمان تامّ بالله والأنبياء والرسل والكتب السماويّة. وبمرور السنوات والعقود والقرون، ومع ابتعادنا عن زمن النبوّة والأنبياء، تصبح المعجزات الإلهيّة تلك أقرب إلى الشكّ منها إلى اليقين. كان آخر الأنبياء النبيّ محمّد قبل قرابة ألف وخمسمئة عام. يحتاج جيل التكنولوجيا اليوم إلى الكثير من المعجزات ليصدّق أنّ هؤلاء الأنبياء كانوا يأتون بأعمال خارقة، أو إلى “نور يقذفه الله في الصدر” على ما قال الإمام أبو حامد الغزالي في “المنقذ من الضلال”.

تأتي المعجزة من السماء، من الخالق، من الله، لكنّها الآن صارت تأتي أيضاً من العلم، من الدراسات والأبحاث والعمليّات التجريبيّة

فعلها ماسك

لكنّ إيلون ماسك بدّد المسافة الزمنيّة تلك. محا قروناً من الشكّ والأسئلة. فعل ذلك دون أن يأتي بخوارق أو هو حوّل المعجزات والأعمال الخارقة إلى علم، إلى إنجازات علميّة تنطلق من بحث وتجريب وينتج عنها فعل حقيقيّ، إنجاز علميّ ملموس.

تأتي المعجزة من السماء، من الخالق، من الله، لكنّها الآن صارت تأتي أيضاً من العلم، من الدراسات والأبحاث والعمليّات التجريبيّة.

قبل أيّام أعلن أوّل تريليونير في التاريخ وأغنى رجل في العالم إيلون ماسك، مالك الشركات التكنولوجيّة الضخمة الناشطة في مجالات الفضاء، السيّارات الكهربائيّة، الذكاء الاصطناعيّ، والتقنيّات العصبيّة، مثل “سبيس إكس” و”تيسلا” و”إكس إي آي” وغيرها، ضمنيّاً أنّ شركته “نيورالينك” هي مُبتكرة أيّامنا هذه والسنوات المقبلة.

قال إنّ شركته “نيورالينك” لزراعة شرائح الدماغ ستقوم بزرع شريحة في أدمغة البشر تمنحهم “قوّةً سيبرانيّةً خارقة”.

ستمكّن هذه الشريحة غير القادرين على النطق الذين لم يتحدّثوا طوال عمرهم من النطق. ستمنحهم القدرة على التحدّث. والذين لم يبصروا يوماً أو فقدوا أعينهم وعصبهم البصريّ سوف يرون ويبصرون. أمّا المقعدون، أو المصابون بشلل، فسوف يغادرون كراسيهم المتحرّكة ويتخلّون عن معاونيهم والذين يهتمّون بهم ويمشون ويتحرّكون. معجزات المسيح حوّلها ماسك إلى شرائح إلكترونيّة تقود إلى النتيجة نفسها.

حدث هذا بجهد وابتكار علميّ وتكنولوجيّ. صحيح أنّها أفعال تقترب من معجزات السيّد المسيح، لكنّها أقرب إلى العلم منها إلى النبوّة، وأقرب إلى الأرض والبشر العاديّين منها إلى السماء والأنبياء.

من اليوم، لا بل الأصحّ من تاريخ إعلان إيلون ماسك تحديداً، سوف لا يقرأ الناس المسيح ويتعاملون معه عبر الروح والإيمان فحسب، بل عبر العلم أيضاً

حدث استثنائيّ

ما أعلنه ماسك حدث استثنائيّ في تاريخ البشريّة والعقل البشريّ إذا ما تحقق عملياً، فهو يتجاوز كونه تطوّراً علميّاً وإنجازاً تكنولوجيّاً، ليصلح ما أفسده العلماء في العلاقة بين الدين والتكنولوجيا، بين العلم والوحي، وبين عالم المادّيّات وعالم الروحانيّات. القطيعة التي أحدثها العلم والتكنولوجيا مع الأنبياء والنبوّة، ومع الفلسفة وسقراط وأفلاطون ورفاقهم، انتهت أو هي على طريق أن تنتهي. تتمّ الصلحة يوميّاً بجهود ووساطة من إيلون ماسك، “نبيّ” التكنولوجيا وفيلسوف الأيّام المقبلة.

من اليوم، لا بل الأصحّ من تاريخ إعلان إيلون ماسك تحديداً، سوف لا يقرأ الناس المسيح ويتعاملون معه عبر الروح والإيمان فحسب، بل عبر العلم أيضاً. لن تعود الأسئلة على نحو: هل فعل المسيح ذلك؟ هل جعل الأعمى يبصر؟ والمشلول يتحرّك؟ والأبكم ينطق؟ هل كان ذلك حقّاً؟

قد تصل البشريّة إلى أجوبة شافية قريباً وقد أزال ماسك الكثير من الشكّ في هذه القفزة العلميّة. صار حدوثها اليوم أكثر منطقيّةً وأقرب إلى التصديق.

طريقان متوازيان… يلتقيان  

قال ماسك: “عندما تصل التكنولوجيا إلى مستوى معجزات المسيح فهذا أمر جيّد”. لا بل هذا أمر ممتاز. تقود التكنولوجيا أيضاً إلى الإيمان. التكنولوجيا والعلم طريق والدين وعالم الروحانيّات طريق آخر، لكنّهما يقودان إلى النتيجة ذاتها، إلى النبع عينه. طريقان متوازيان لا يلتقيان قادهما ماسك إلى نقطة واحدة، إلى مصبّ واحد: مستقبل البشر وفائدتهم.

إقرأ أيضاً: إيلون ماسك تريليونير يبني منزله على سطح القمر

لكنّ الإنجاز العلميّ والتكنولوجيّ الذي طرحه إيلون ماسك يجعله مطالَباً بالمزيد. خطوة واحدة بعد وتتمّ الصلحة التامّة بين الدين والعلم، بين التكنولوجيا وعالم الروحانيّات، بين أهل العلم وأهل الإيمان: إحياء الموتى.

فعلها المسيح قبل ألفَي عام، فهل يفعلها ماسك قريباً؟

مواضيع ذات صلة

مليار يتابعون افتتاح المونديال… هل يحضر ترامب؟

في الوقت الذي ينشغل قادة العالم بمآلات التوتر العسكري في مضيق هرمز بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تتجه أنظار الشعوب في العالم اليوم، في تمام…

“الفراعنة” في مونديال 2026: الرّهان على محمّد صلاح

تعود مشاركة مصر في كأس العالم إلى عام 1934، حين كانت أوّل منتخب إفريقيّ يطأ أرض المونديال. غير أنّ ما تلا ذلك لم يكن في…

إيران في مونديال 2026: التّأشيرات معلّقة… والإقامة في المكسيك

نجح المنتخب الإيرانيّ في ضمان تذكرته إلى مونديال 2026 بعد مسيرة تصفيات قويّة في القارّة الآسيويّة. أنهى المنتخب حملته التصفويّة بتحقيق المركز الأوّل في المجموعة…

موسم حجّ 2026: نقلة نوعية في عالم مضطرب

مع دخول موسم الحج هذا العام ذروته في مكة المكرمة، تبدو المملكة العربية السعودية أمام اختبار استثنائي يتجاوز البعد الديني التقليدي للشعيرة الإسلامية الأكبر في…