أمن الخليج بعد الحرب: أسئلة الضّمانات والدّفاع والرّدع

مدة القراءة 10 د

كان الوجوم بادياً على الجلسة الافتتاحيّة للمؤتمر الوزاريّ لدول مجلس التعاون الخليجيّ والولايات المتّحدة أمس في البحرين. حاول الضيف الأميركيّ ماركو روبيو طمأنة نظرائه إلى أنّ الولايات المتّحدة لن تبرم اتّفاقاً مع إيران يتعارض مع مصالح الخليج. لم تبرز الوجوه أيّ انبهار بهذا الوعد، فقد أنبأتهم مذكّرة التفاهم بما هو مقبل من تحوّلات تغدق المال على الجار الإيرانيّ اللدود من دون معالجة أبرز الهواجس الخليجيّة وعلى رأسها ضمان أمن وحرّية الملاحة غير المشروطة في مضيق هرمز بعدما أصبح سلاحاً فعّالاً بيد إيران تغلقه كلّما أرادت تحسين وضعها التفاوضيّ، علاوة على غياب أيّ معالجة للتهديدات الإيرانيّة لأمن هذه الدول بالصواريخ الباليستيّة والأذرع والخلايا الإرهابيّة التابعة للحرس الثوريّ الايرانيّ.

 

منذ اندلاع الحرب في 28 شباط، كان الموقف الخليجيّ في معظمه أكثر اتّزاناً من قراءة واشنطن وتل أبيب. لم تدافع دول الخليج عن إيران، لكنّها حذّرت من أنّ الحرب عليها لن تنتج انتصاراً سريعاً ولا انهياراً منظّماً للنظام. حذّرت من انتقال النار إلى موانئها والقواعد الأميركيّة على أراضيها ومصادر الطاقة ومضيق هرمز وأسواق الشحن والتأمين والاقتصاد العالميّ.

قالت مراراً من خبرة راكمتها على مدى خمسة عقود من مقارعة الجمهوريّة الإسلاميّة إنّ إيران حين تواجه تهديداً وجوديّاً لنظامها لن تكتفي بحماية جبهتها الداخليّة، بل ستوسّع ميدان الضغط كي تجعل كلفة الحرب إقليميّة ودوليّة.

غير أنّ الإدارة الأميركيّة بدت أقرب إلى منطق بنيامين نتنياهو منها إلى حسابات حلفائها الخليجيّين. ثمّ جاءت سقطة دونالد ترامب الأكثر إثارة للاستهجان حين ربط التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ الذي ترعاه تلك الدول، على الرغم من كلّ ما تكبّدته من خسائر، بمسألة توسيع اتّفاقات أبراهام، كأنّ على دول المنطقة أن تمنح إسرائيل جائزة التطبيع مقابل الإبادة. فكان الردّ السعوديّ الصارم والفوريّ برفض التطبيع إلّا بعد تحقّق شرط قيام دولة فلسطينيّة على حدود عام 1967.

منذ اندلاع الحرب في 28 شباط، كان الموقف الخليجيّ في معظمه أكثر اتّزاناً من قراءة واشنطن وتل أبيب

الامتعاض هو رأس الجبل

استغرقت الجلسة مع روبيو أربعين دقيقة لا أكثر. لا مؤتمر صحافيّاً، لا ابتسامات، ولا بيان. الامتعاض الخليجيّ الظاهر هو رأس جبل جليديّ هائل من الأسئلة الصعبة: ما معنى الوعود والشراكة الاستراتيجيّة مع الولايات المتّحدة إن لم تؤخذ الحسابات الخليجيّة في الحسبان لحظة اتّخاذ قرار الحرب أو لحظة قرار السلم، وإن تحوّلت هذه الشراكة إلى مصدر للتهديد والاستهداف.

في المقلب الآخر كيف يمكن التعايش مع إيران الخارجة من الحرب باقتصاد مهشّم ورأس منتفخ بالانتصار وترسانة باليستيّة غير قليلة وأذرع تعود إلى الحياة في ظلّ غياب لغة مشتركة معها تعرّف معنى السيادة والحدود والأمن؟ ماذا تعني عبارة “الاعتداء على دولة واحدة يعتبر اعتداء على الدول جميعاً” في ظلّ ركون عدد من دول الخليج إلى اتّفاقات ثنائيّة مع إيران لم تحقق لها الحماية من الاعتداءات الإيرانية؟ ما الذي قد يدفع إيران إلى القبول بالطرح القطريّ لمنظومة أمن إقليميّ مشترك بعدما اعتبرت أنّ عقيدة الدفاع الفسيفسائيّ والتصعيد الأفقيّ والإمساك بعنق الاقتصاد العالميّ هي فقط ما حمى نظامها وأخضع الولايات المتّحدة لشروطها؟

شكّل هاجس الأمن الخليجيّ المشترك أحد الدوافع التي قام على أساسها مجلس التعاون إثر تحوّل الثورة الخمينيّة في إيران إلى جمهوريّة إسلاميّة تسعى إلى تصدير ثورتها إلى العالم وكانت بواكير نذرها الحرب مع العراق عام 1980. وأُسّست قوات درع الجزيرة كنوع من الاستجابة لتلك التحدّيات، لكنّها بقيت في إطار دفاعيّ محدود، أقرب إلى عنوان سياسيّ لوحدة المصير منه إلى عقيدة ردع متكاملة.

كان الوجوم بادياً على الجلسة الافتتاحيّة للمؤتمر الوزاريّ لدول مجلس التعاون الخليجيّ والولايات المتّحدة أمس في البحرين

واجهت تلك القوّات التحدّي الأوّل مبكراً عندما زحف جيش صدّام حسين محتلّاً الكويت في ساعات. كانت القوّات التي لم يتجاوز عددها خمسة آلاف جنديّ حينها في بداية تشكّلها ولم تكن قد أعدّت لسيناريو مباغت تواجه فيه جيشاً من مئة ألف جنديّ. لكن بعدما شاركت في حرب تحرير الكويت تمّ تدعيمها بمزيد من القوّات والعتاد وحمت منشآت مملكة البحرين خلال أحداث ما عُرف بالربيع العربيّ في 2011. وتتألّف اليوم ممّا يقارب أربعين ألف جنديّ يعملون تحت القيادة العسكريّة الموحّدة لمجلس التعاون، ومقرّها الرئيس في قاعدة الملك خالد العسكريّة بحفر الباطن.

قيادة مشتركة لا أكثر

غير أنّ وجود قيادة عسكريّة موحّدة لقوّات خليجيّة مشتركة لم يتحوّل على مرّ السنوات إلى جيش خليجيّ قادر على ردع العدوان عن دول الخليج في اللحظة الأخطر على أمنها المشترك، بل ركنت كلّ دولة على حدة إلى ما راكمته من ترسانات دفاعيّة وحمت بها ما تيسّر من منشآتها.

الخليج

لم تقُم فلسفة الأمن الخليجيّ وماً على عقيدة هجوميّة ولا على فكر توسّعيّ أو صداميّ مع الجوار كما هو حال إيران واسرائيل، بل قامت على فكرة تحصين الأمن الداخليّ بعقيدة عسكريّة دفاعيّة وعقيدة سياسيّة تقوم على التنمية الداخليّة والازدهار المبنيّ على احترام سيادة الدول والقانون الدوليّ وحسن الجوار، وبناء الشراكات الأمنيّة والاقتصاديّة حيث أمكن.

الاتّفاق الأمنيّ السعوديّ ـ الإيرانيّ عام 2001 بدا يومها مؤشّراً إلى إمكان ضبط التوتّر بين الرياض وطهران عبر التعاون الأمنيّ ومكافحة الإرهاب والجريمة وتهريب المخدّرات واحترام مبدأ عدم التدخّل. لكنّه لم يصمد أمام الزلزال الاستراتيجيّ الذي أحدثه الغزو الأميركيّ للعراق عام 2003.

دول الخليج، وفي مقدَّمها المملكة السعوديّة، لا تبحث عن حليف يقاتل عنها، بل عن شبكة إقليميّة أوسع

ينبغي أن تُقرأ هذه التجربة اليوم بكثير من الحذر لأنّ كثيراً من المحلّلين يعودون إليها للدلالة على أنّ التفاهم مع طهران ممكن. لكن ما أثبتته الأيّام أنّ التفاهمات مع إيران لا تعني بالضرورة أنّ إيران غيّرت تعريفها لنفسها أو لدورها. قد توقّع طهران على تهدئة حين تحتاج إليها، وقد تخفض التصعيد حين ترتفع كلفته، لكنّها لا تتخلّى طوعاً عن أدوات صنعت لها وزناً إقليميّاً يفوق حجم اقتصادها وحجم دولتها الطبيعيّة، وهي لم تختبر في تاريخها حجم هذه الأدوات كما حدث في هذه الحرب.

تفاهم بكّين

ينسحب الأمر نفسه على تفاهم بكّين الذي فتح الباب أمام تهدئة ضروريّة، وخفّف من اندفاعة الصدام، لكنّه لم ينتج ردعاً. لم يمنع الحرب، ولم يقدّم جواباً عن السؤال الأهمّ: هل تقبل الجمهوريّة الإسلاميّة بأن تكون دولة بين دول، أم تصرّ على أن تكون دولة وثورة وحرساً ووكلاء وممرّات نفوذ في الوقت نفسه؟ هل تقبل إيران وقف التسليح، وقف الخلايا، وقف استخدام العراق واليمن ولبنان ساحات ضغط، والقبول بأنّ سيادة الخليج ليست تفصيلاً في اشتباك إيران مع واشنطن؟

إنّ اختزال الأزمة بإيران وحدها لا يعفي الخليج من مساءلة نفسه، فالهشاشة التي كشفتها الحرب جاءت في لحظة لم يكن البيت الخليجيّ في أفضل أحواله. العلاقة السعوديّة ـ الإماراتيّة، وهي مركز الثقل الفعليّ في أيّ هندسة أمنيّة خليجيّة، كانت قد راكمت خلافات مكتومة ومعلنة في ملفّات النفط واليمن والبحر الأحمر والسودان وحدود الزعامة الاقتصاديّة والسياسيّة في الإقليم.

اختزال الأزمة بإيران وحدها لا يعفي الخليج من مساءلة نفسه، فالهشاشة التي كشفتها الحرب جاءت في لحظة لم يكن البيت الخليجيّ في أفضل أحواله

فرض الخطر الإيرانيّ تقارباً اضطراريّاً بين الرياض وأبو ظبي، لكنّه لم يلغِ أسباب التباعد. ولا يقوم الأمن الجماعيّ على الخوف وحده، بل يحتاج إلى تعريف مشترك للمصلحة، وإلى تفاهم على إدارة النفوذ خارج الحدود قبل الاتّفاق على ردع الخطر داخلها. كيف يمكن بناء موقف خليجيّ موحّد من أذرع إيران إذا كان التباين قائماً على معنى الميليشيا المموّلة إماراتياً في ساحات أخرى؟ وكيف يمكن مطالبة واشنطن أو طهران باحترام أمن الخليج إذا لم يحسم الخليج نفسه قواعد النفوذ بين عواصمه؟

البحث عن حليف يقاتل

من هذه الزاوية تحديداً يصبح الحديث عن باكستان ومصر وتركيا جزءاً من محاولة خليجيّة أوسع لبناء طبقات متعدّدة من الردع والشراكة. فدول الخليج، وفي مقدَّمها المملكة السعوديّة، لا تبحث عن حليف يقاتل عنها، بل عن شبكة إقليميّة أوسع تجعل كلفة استهدافها أعلى، وتمنح أمنها عمقاً سياسيّاً وعسكريّاً يتجاوز ثنائيّة الارتهان للضمانة الأميركيّة أو التفاهم المنفرد مع إيران. غير أنّ قيمة هذه الشبكة تقاس في زمن الحرب بوضوح تعريف الخطر وحدود الالتزام ساعة الاختبار.

في هذا السياق يصبح الاتّفاق الأمنيّ السعوديّ ـ الباكستانيّ، الموقّع في 17 أيلول 2025، محطّة مهمّة لكن غير مكتملة المعنى. فقد رفع مستوى الغموض الاستراتيجيّ في مواجهة أيّ تهديد مباشر للمملكة، ونصّ على أنّ أيّ اعتداء على أحد الطرفين يُعدّ اعتداءً على الطرفين. لكنّ قوّة أيّ مظلّة دفاعيّة لا تُقاس بالنصوص وحدها، بل بوضوح عقيدة الحليف تجاه مصدر التهديد.

هنا يثير الموقف الباكستانيّ الأخير من الصواريخ الإيرانيّة أسئلة لا يمكن تجاوزها. فإذا كان رئيس الوزراء الباكستانيّ يرفض “ازدواجية المعايير” في منع إيران من امتلاك الصواريخ الباليستيّة، فيما تعتبر دول الخليج هذه الصواريخ الأداة الأكثر حساسيّة في منظومة التهديد الإيرانيّ، فلا يعود السؤال عمّا إذا كانت المملكة السعوديّة تمتلك مظلّة باكستانيّة، بل عمّا إذا كانت هذه المظلّة تقوم على تعريف مشترك للخطر.

لم تدافع دول الخليج عن إيران، لكنّها حذّرت من أنّ الحرب عليها لن تنتج انتصاراً سريعاً ولا انهياراً منظّماً للنظام

ماذا عن الجيش المصريّ؟

تكشف مصر بدورها حدود الانتقال من الشعار إلى الالتزام، فعبارة “مسافة السكّة” عادت إلى التداول مع الحرب على إيران، لكنّها عادت هذه المرّة محمّلة بسؤال حسّاس داخل مصر والخليج معاً: هل تعني المساندة السياسيّة أنّ الجيش المصريّ مطالب بأن يخوض حرباً في هرمز أو الخليج دفاعاً عن ترتيبات أمنيّة لم يشارك في صياغتها؟

صحيح أنّ القاهرة تلقّت استثمارات خليجيّة ضخمة، وخصوصاً إماراتيّة، وصحيح أنّها تملك وزناً عسكريّاً وسياسيّاً لا يمكن تجاوزه في أيّ هندسة إقليميّة، لكنّها ليست جيشاً احتياطيّاً يُستدعى عند كلّ اشتباك. تستطيع مصر أن تمنح الخليج ثقلاً عربيّاً، رسائل طمأنة وردع، تنسيقاً دفاعيّاً محسوباً، وأن تحمي مصالحها المباشرة في البحر الأحمر وقناة السويس، لكنّها لن تحلّ محلّ عقيدة خليجيّة مشتركة.

أمّا تركيا، بما تملكه من صناعة دفاعيّة وخبرة عمليّاتيّة وعودة تدريجيّة إلى التنسيق العسكريّ مع مصر، فقد تكون جزءاً من توازنات إقليميّة مقبلة، لكنّها تحتاج أيضاً إلى موقع واضح داخل أيّ تصوّر خليجيّ للأمن الإقليميّ. هكذا لا تكون باكستان ومصر وتركيا بديلاً عن الخليج، بل امتحان لقدرة الخليج على تحويل شبكة علاقاته إلى هندسة أمنيّة واضحة، لا إلى مرايا متعدّدة للغموض نفسه.

إقرأ أيضاً: أن تكون محمد بن سلمان…

ماذا سيفعل الخليج؟

لهذا لا يكفي أن يسأل الخليج واشنطن عمّا ستفعله في الاتّفاق مع إيران، ولا أن يسأل إيران عمّا ستعِد به على الورق في الاجتماع المرتقب مع دول الخليج. عليه أن يسأل نفسه أيضاً: ما تعريفه المشترك للسيادة؟ ما حدود الردّ؟ من يقرّر ساعة الأزمة؟ هل أمن هرمز مسؤوليّة أميركيّة أم خليجيّة أم دوليّة أم تفاوضيّة مع إيران؟ ما مصير القواعد الأميركيّة إذا كانت سبباً للحماية وذريعة للاستهداف في آن واحد؟ كيف يمكن بناء دفاع جوّيّ وصاروخيّ موحّد في منطقة تتفاوت فيها قراءة الخطر بين دولة وأخرى، وبين من يجرّب التفاهم الثنائيّ مع طهران ومن يراها خطراً بنيويّاً لا يعالج إلّا بردع جماعيّ؟

* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakJaafarA

مواضيع ذات صلة

هل تنهي المفاوضات الدّور “الشّقيّ” لإيران و”الحزب”؟

انعقاد طاولتَيْ التفاوض المباشر في سويسرا وواشنطن مهمٌّ في ذاته بمقدار أهميّة ما قد يتمّ التوصّل إليه، وإن متأخّراً. أولى دلالات الانعقاد أنّ المتحلّقين من…

المنطقة معلّقة: بين الرباعي الإسلامي والثنائي الإيراني–الإسرائيلي

عادةً، عندما تنتهي الحروب الكبرى، يصبح المشهد أوضح. نعرف من ربح ومن خسر. نعرف ما الذي تغيّر. ونعرف، ولو بالحدّ الأدنى، إلى أين تتّجه الأمور….

الخليج: من التعاون الدفاعي… إلى الفدرالية الدفاعية

ليست كل اتفاقات وقف الحرب سلامًا مستقرًا، وليست كل التسويات تخفيضًا دائمًا للخطر. فقد تنهي التسوية جولةً من الصراع، لكنها تترك وراءها بنية القوة التي…

ترامب والجهل في سوريا… وأجندة الشّرع!

تبدو الحاجة إلى أيّام وربّما أسابيع عدّة قبل الحكم على مدى فعّاليّة السياسة الإيرانيّة لإدارة دونالد ترامب التي باتت تراهن على إمكان استمالة النظام الإيرانيّ…