مواجهات لبنان تحسم توازنات مفاوضات سويسرا

مدة القراءة 6 د

لا شيء يحدث صدفة في عالم السياسة الدوليّة، حيث تعكس الوقائع الميدانيّة والتحرّكات الدبلوماسيّة هندسة استراتيجيّة معقّدة تتجاوز حدود الجغرافيا. ليس المشهد الحاليّ، الذي يوزّع أوراقه بين قاعات منتجع “بورغنستوك” في سويسرا وأروقة التفاوض المباشر في واشنطن، حراكاً دبلوماسيّاً عابراً وحسب، بل هو اختبار لمذكّرة تفاهم تاريخيّة وتأسيس لترتيبات أمنيّة ستحدّد مصير الإقليم لسنوات مقبلة.

 

تخطئ القراءات التي تحاول عزل المسار التفاوضيّ اللبنانيّ – الإسرائيليّ المباشر في واشنطن عن مسار المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة في سويسرا. إنّ هذا التشابك هو حجر الزاوية في الاستراتيجية الراهنة. ينخرطُ الوفدان اللبنانيّ والإسرائيليّ في واشنطن في نقاشات مباشرة ومكثّفة تهدف إلى حسم “ترتيبات اليوم التّالي”.

لا تكتفي هذه المفاوضات بتثبيت وقف إطلاق النّار، بل تسعى إلى وضع خارطة طريق تقضي بانسحاب كامل للقوّات الإسرائيليّة، وبسط سلطة الدولة والجيش اللّبنانيّ حصراً حتّى الخطّ الأزرق. يعكس هذا التّحوّل من “قواعد الاشتباك” التقليديّة الهشّة إلى “المفاوضات المباشرة” إدراكاً لدى الطرفين أنّ الاستمرار في دوّامة العنف لم يعُد خياراً مستداماً أمام الضغوط الدوليّة والداخليّة.

في المقابل، تمثّل سويسرا الاختبار الوجوديّ لمذكّرة التّفاهم التي أبرمها الرئيسان دونالد ترامب ومسعود بزشكيان. إنّ انعقاد هذه الجولة بمشاركة وفود رفيعة المستوى، على رأسها نائب الرئيس الأميركيّ جي. دي. فانس، ورئيس البرلمان الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف ووزير الخارجيّة عبّاس عراقجي، يؤكّد أنّنا أمام محاولة جادّة لتحويل التّفاهمات الرقميّة إلى واقع ملموس.

إيران واستراتيجية “الرّبط الإلزاميّ

لطالما حاولت القوى الدوليّة الفصل بين ملفّات النّفوذ الإيرانيّ، لكنّ طهران تفرض “الرّبط الإلزاميّ” جاعلة منه قاعدة تفاوضيّة. لم يكن غياب الوفد الإيرانيّ عن الجلسات الأولى في سويسرا الجمعة تعطيلاً تقنيّاً، بل رسالة سياسيّة بامتياز: لا استقرار في المكاتب الدبلوماسيّة بينما الميدان اللّبنانيّ يشتعل.

تمثّل سويسرا الاختبار الوجوديّ لمذكّرة التّفاهم التي أبرمها الرئيسان دونالد ترامب ومسعود بزشكيان

تدرك القيادة الإيرانيّة أنّ أيّ انسحاب إسرائيليّ من جنوب لبنان، وفق ما يُناقش في واشنطن، يجب أن يكون جزءاً من سلّة أمنيّة متكاملة تضمنُ لطهران رفع العقوبات وفكّ الحصار البحريّ، وليس تنازلاً أمنيّاً لمصلحة النفوذ الأميركيّ – الإسرائيليّ. بالنّسبة لطهران، الميدان اللّبنانيّ هو السّاحة التي تُحسم فيها التوازنات، وأيّ تفاهم نوويّ أو اقتصاديّ مع واشنطن سيكون هشّاً إذا لم يقترن بضمانات ميدانيّة في جبهات نفوذها الإقليميّ.

معضلة نتنياهو: ذعر استراتيجيّ تحت النّار

على الضفّة الأخرى، يعيش رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو حالة من “الذّعر الاستراتيجيّ”. إذ تضعه المفاوضات المباشرة في واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا الانصياع لترتيبات أمنيّة تفرض عليه الانسحاب إلى الخطّ الأزرق نظراً للضغوط الأميركيّة التي بدأت بهذا الملفّ، وهو ما يراه التيّار اليمينيّ “استسلاماً”، وإمّا الاستمرار في محاولات العرقلة والمخاطرة بانهيار “الاتّفاق الكبير” الذي ترعاه واشنطن.

لبنان

لم يكن يهدف التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ الذي شهده لبنان الخميس والجمعة، على الرّغم من تحديد جلسة المفاوضات في سويسرا، إلى الحسم العسكريّ بقدر ما يهدف إلى “تحسين شروط التفاوض” في واشنطن مع وفد بيروت من جهة، والضغط على مسار سويسرا من جهةٍ أخرى.

حاول نتنياهو إيصال رسالة لواشنطن بأنّ أيّ اتّفاق يتجاوز “الضمانات الأمنيّة الصارمة” لإسرائيل تهديد وجوديّ. وهو ما يفسّر التوتّر المتصاعد بين البيت الأبيض وتل أبيب في الآونة الأخيرة، الذي وصل، بحسب مصادر إقليميّة لـ”أساس”، إلى الضّغط الأميركيّ على نتنياهو لحلّ الكنيست في الأسبوعين المقبلين، وهو ما يعني إجراء انتخابات مبكرة قد تخرجه من السّلطة بحسب استطلاعات الرّأي التي تصبّ لمصلحة خصمَيْه غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت. وفتحت واشنطن بإدارة ترامب خطوط تواصل جدّيّة مع آيزنكوت وبينيت، في رسالةٍ واضحةٍ لنتنياهو مفادها أنّ محاولة التخريب في مسارَيْ واشنطن وسويسرا ستكون لها تبعات على مستقبله السّياسيّ كرئيسٍ لوزراء إسرائيل.

تدرك القيادة الإيرانيّة أنّ أيّ انسحاب إسرائيليّ من جنوب لبنان، وفق ما يُناقش في واشنطن، يجب أن يكون جزءاً من سلّة أمنيّة متكاملة

نحو “هندسة أمنيّة” جديدة

إذاً هي “استراحة محارب” دقيقة. المفاوضات المباشرة في واشنطن هي المحرّك الذي سيقرّر شكل السّيادة اللبنانيّة، بينما المفاوضات في سويسرا هي المظلّة التي ستضمن استمرار هذا الاستقرار دوليّاً، بمعزلٍ عن موقف طهران وحزبها من شكل المفاوضات في واشنطن.

تلعب واشنطن دوراً مركزيّاً في ربط خيوط هذه اللعبة، فهي تضغط على حليفها الإسرائيليّ للقبول بالانسحاب كجزء من صفقة كبرى وترتيبات أمنيّة رسميّة مع لبنان. وفي الوقت نفسه تمارس دبلوماسيّة احتواء مع طهران لضمان عدم انهيار التفاهمات. إنّ النجاح في هذا المسار مرهون بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات حقيقيّة:

  • واشنطن: مطالبة بضمان أن يكون الانسحاب الإسرائيليّ كاملاً وغير منقوص لتعزيز سيادة الدولة والجيش.
  • إيران: مطالبة بالانخراط الإيجابيّ في آليّات التنفيذ بعيداً عن سياسة “تعطيل المسارات”.
  • لبنان: أمام فرصة تاريخيّة لاستعادة كامل قراره السياديّ حتّى الخطّ الأزرق، بعيداً عن الارتهان لأجندات الصراع الإقليميّ.

الخطّ الأزرق اختبار للصّدقيّة

تبقى الأيّام المقبلة حاسمة. إذ قد تتحوّل “دبلوماسيّة التريّث” في أيّ لحظة إلى “دبلوماسيّة فشل” إذا طال أمد المفاوضات. إنّ الخطّ الأزرق، الذي كان لسنوات خطّاً للتوتّر الدائم، صار اختباراً لصدقيّة كلّ التفاهمات الجارية. إذا نجحت واشنطن في فرض “الهندسة الأمنيّة” المطلوبة، فسنشهد ولادة واقع إقليميّ جديد. أمّا إذا استمرّ التشابك السّلبيّ بين طهران وواشنطن، فستنزلق المنطقة مجدّداً نحو سيناريوات قاتمة.

إقرأ أيضاً: الضاحية – سويسرا: مساران للحظة إقليميّة واحدة

في نهاية المطاف لن تُبنى الاتّفاقات الدوليّة في الفراغ، والواقع الميدانيّ في لبنان هو الذي سيكتب الفصلَ الأخيرَ من هذه الرّواية. الكرة الآن في ملعب القوى الفاعلة: هل تختار المضيّ قدماً نحو تسوية شاملة أم تترك المنطقة تنجرف مجدّداً نحو مزيد من التأجيل الذي قد يتحوّل إلى قطيعة نهائيّة؟

الجواب في تل أبيب وما يخفيه نتنياهو.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

حصار أميركيّ – إيرانيّ على إسرائيل!

للمرّة الأولى منذ بدء “حياكة” البنود التفصيليّة للاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، ثمّ الإعلان الرسميّ لدخوله حيّز التنفيذ يوم الجمعة الماضي بعد توقيع الرئيسين دونالد ترامب ومسعود بزشكيان…

هندسة “الدولة الصّلبة”: هل ينجح انقلاب الزّيديّ؟

لا يمكن قراءة التغييرات الهيكليّة الجسيمة التي أجراها رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ في بنية الدولة ومراكز ثقلها السياديّ، بمعزل عن “المعادلة الإقليميّة” التي تتشكّل…

لبنان بين إيران وإسرائيل: لا وقف لإطلاق النار

لم يكن تفصيلاً أن يتحوّل لبنان فجأة إلى إحدى العقد الأساسيّة في المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة الجارية. فبحسب ما نقلته مصادر متابعة للمسار التفاوضيّ، برز…

ثلاثاء واشنطن: ترتيبات أمنيّة تحت النّار؟

أعاد تأجيل المحادثات الأميركيّة-الإيرانيّة أمس في سويسرا خلط الأوراق دوليّاً وإقليميّاً، وقد يعرّض جولة التفاوض الخامسة في واشنطن بين وفدَي لبنان وإسرائيل لمزيد من الضغوط…