قاسم الخوجة… من دير الزور إلى سجادة “كان” الحمراء

مدة القراءة 5 د

من دير الزور إلى المثلّث الذهبي فالسجادة الحمراء في مهرجان “كان”، هناك قصة كفاح قاسم الخوجة، وهي ليست قصةً فرديةً بل تختزل حكايات السوريين في بلدان اللجوء وأوجاعهم ونجاحاتهم.

 

على السجادة الحمراء في مهرجان “كان” السينمائي في دورته الـ79، شارك الممثل والفنان السوري قاسم الخوجة في العرض الأول لفيلم “المثلث الذهبي” الفرنسي ـ البلجيكي ـ الكندي المشترك الذي أدى فيه دور البطولة. استعاد الخوجة شريط حياته كاملاً، من دير الزور إلى كان مروراً بباريس وغيرها من العواصم. ومن الحصار والقصف والتفجيرات والاشتباكات المسلّحة إلى هندسة الصوت والموسيقى والفن والتمثيل والسينما.

حدث ما سبق في توقيت لافت وبالغ الدلالة، وفي مرحلة تستعيد فيها سوريا عافيتها وتستعدّ للنهوض من جديد، بينما لا تزال وسائل التواصل الاجتماعي تتداول أخبار الجدل الدائر فيها حول الإساءة إلى أهل دير الزور.

وقف الخوجة في “كان”، وترجم كلام الرئيس السوري أحمد الشرع: “أهل دير الزور تاج على الراس”.

سيرة في إطلالة

وقف شامخاً شموخ أهل الدير، بربطة عنق سوداء، وإطلالة شبابية عصرية. حدّق مليّاً في كل ما حوله من نجوم وجوائز ومدن، ثم ردّد في سرّه ما قاله لاحقاً في لقاء إعلامي معه: “دير الزور لا تزال أجمل بكثير… أجمل بكثير بالنسبة لي، وهذه نقطة جداً مهمة تعنيني”.

لكأنما كان يقول “مكرهٌ أخوكم لا بطل”. ومن أكرهه على ما لا يكرهه إلا الأصيلون أبناء الأرض، إلا جرائم آل الأسد ونظامهم؟

كان يطمح إلى أن يكون مهندسَ ميكانيك، وبالفعل انتسب إلى جامعة الفرات في دير الزور لتحقيق طموحه، في السنوات الأولى للثورة، لكن الأحداث المأساوية في الدير وسوريا حالت دون ذلك.

النجاح الذي حققه قاسم الخوجة ليس سوى البداية. فالشاب الثلاثيني (32 عاماً)، لا يزال أمامه مشوار طويل والكثير ليقوله كما تشي تجربته

بعد الحصار الخانق الذي أطبقه نظام الأسد على دير الزور، خاصةً على حيّي القصور والجوري، غادر قاسم في سنة 2015، هارباً برفقة شقيقه باتجاه الحدود التركية في رحلة شاقّة استمرت نحو شهر كامل، وصل بعدها إلى فرنسا لاجئاً.

هناك، نال منحةً لدراسة اللغة الفرنسية، لكنه لم يحظَ بفرصة لدراسة هندسة الميكانيك، فاتجه لدراسة وتعلّم هندسة الصوت السينمائي والتلفزيوني، وبدأ العمل في إستوديوهات ومواقع تصوير الأفلام الفرنسية المستقلّة، حيث راح يراقب الممثلين أثناء التمثيل والتصوير، وتوجيهات المخرجين لهم، والتقنيات الفنية المرافقة، ما شكّل له نافذةً على عالم التمثيل ودنيا السينما.

ثمّ سُنحت له الفرصة الذهبية، إذ عرض عليه مخرج محلي خوض تجربة أداء دور ثانوي وبدأت الرحلة، حيث انتقل من خلف الكاميرا والأضواء ليقف أمامها. ساعدته في ذلك خلفيته وسيرته كلاجئ في باريس من القتل والعنف والهمجية الأسدية في بلاده.

شارك في العديد من الأعمال السينمائية الفرنسية، وفي أعمال درامية عُرضت على منصة نتفليكس، أبرزها فيلم “Exfiltrés” (الهروب من الرقّة)، كما شارك بدور ثانوي في مسلسل “Notre-Dame” (نوتردام).

ظلّ قاسم يواظب على عمله حتى نال العضوية الكاملة في نقابة الممثلين الفرنسيين، ما وفّر له الكثير من الفرص كممثل محترف، وفتح أمامه آفاقاً جديدة.

المثلّث الذهبي

فيلم “المثلث الذهبي” (Le Triangle d’or)، الذي أدى فيه قاسم دوراً رئيسياً، هو عمل فرنسي ـ بلجيكي ـ كندي مشترك، من إخراج هيلين روسيلي-رويز، في أولى تجاربها في الإخراج السينمائي الطويل، ويندرج ضمن “سينما المؤلف” المستقلّة.

وقف الخوجة في “كان”، وترجم كلام الرئيس السوري أحمد الشرع: “أهل دير الزور تاج على الراس”

تدور قصة الفيلم حول شابّة تدعى “لورا” تقبل وظيفةً متواضعةً كخادمة في قصر فاخر جدّاً يملكه أمير ثري، لحاجتها إلى المال. داخل هذا القصر، تعيش امرأة تدعى “سوريا”، وهي عشيقة الأمير، حيث تُمضي أيامها في عزلة تامة وترقّب دائم لزياراته. مع مرور الوقت، تنشأ صداقة غير متوقعة بين الخادمة لورا وعشيقة الأمير سوريا، لتكتشف لورا سريعاً أن هذا المكان ليس سوى “سجن ذهبي” معزول عن العالم، وأن هناك خطراً حقيقياً غامضاً يهدّد حياة سوريا وربما يقضي على حريتهما معاً.

يلعب قاسم دوراً رئيسياً ومحورياً في الفيلم حيث يجسّد شخصيةً تشكّل المحرّك الأساسي للجانب المظلم والتشويقي في القصة، فهو الرجل الذي يدير الفضاء المغلق ويتحكم في مصير وحركة السيّدتين لورا وسوريا.

حصد الفيلم اهتماماً كبيراً من النقاد لتركيزه على القصص الإنسانية المحلية، وأشادوا بقدرة قاسم على أداء دور رئيسي معقّد بعيداً عن الصورة الجاهزة المفروضة على الممثلين اللاجئين في أوروبا.

من العالمية إلى سوريا

النجاح الذي حققه قاسم الخوجة ليس سوى البداية. فالشاب الثلاثيني (32 عاماً)، لا يزال أمامه مشوار طويل والكثير ليقوله كما تشي تجربته. يرغب في المشاركة مستقبلاً في أعمال سينمائية أو درامية سورية، كما أعلن في إطلالاته الإعلامية، ويأمل في أن تتاح له الفرصة للعمل داخل سوريا والانضمام إلى نقافة الفنانين السوريين.

إقرأ أيضاً: أمجد يوسف: حين يصبح القتل وظيفة في سوريا الأسد

في سيرته يختصر قاسم الخوجة سيرة السوريين، ويُظهر الجانب الإيجابي للمأساة السورية، ومفادها أنّ الشعب السوري جدير بالخلق والإبداع والنجاح حين تسنح الفرصة وحين تكون البيئة مواتيةً.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

هذا هو قاتل الرّشيد

تسعة وثلاثون عاماً على اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وكأنّ الطائرة المروحيّة تقلع في هذه اللحظات من معرض الرشيد باتّجاه المسبح العسكريّ في بيروت. تسعة وثلاثون…

هذا فيصل بن عمر

هذا الذي تعرف الفيحاء وطأته، وتعرفه ساحات المدينة وأسواقها وبحرها. هذا ابن عمر، “قبضاي” المدينة كلّها، من رمى استقالته من رئاسة الحكومة نصرةً لدم رفيق…

عزّ الدين الحدّاد: آخر “جنرالات الأنفاق”

لم تكُن الرّصاصة الأخيرة ليل الجمعة مُجرّد تصفية حسابٍ مع مطلوبٍ غابَ طويلاً في الظّلّ، بل كانت هَدماً للجدار الأخير في مُجمّع قيادة الرّعيل الأوّل….

37  عاماً.. ونحن ما نزال ننتظر “مفدينا” الشّهيد

أترانا لم ندفن “مفدينا” شهيدنا حتّى اليوم؟ أترانا لم نجرؤ على نعيه؟ لم نعد من جنازته؟ أتراه لم يُستشهد في ذاك الانفجار؟ أم رحلنا معه…